عرفت إملي نصرالله قبل أن أتعرّف إليها، فعلى مقاعد الدراسة قرأنا نصّها الأدبي المعافى، وفي غرف التدريس درّسناه، وفي الصفحات الثقافية كان لنا أكثر من وقفة مع نتاجها الجميل. تشكّل من هذه الآليات ودٌّ مقيم لها وإعجاب بأدبها النظيف، دون أن تسنح لي فرصة اللقاء بها وجهاً لوجه، حتى كان ذات يوم من عام 2007 وكنت قد كتبت مقالاً عن مجموعتها القصصية «رياح جنوبية» يرن هاتفي، وتكون إملي نصرالله على الخط، وتكون بداية علاقة مباشرة بيننا، راحت تُفرع وتُمرع، وتترسّخ على الزمن، شرّفتني خلالها بكتابة مقدّمة كتابي في الأدب الريفي «قفص الحرية»، وكان لي شرف الحصول على صداقتها والتمتّع بالتفيّؤ في ظلال دوحتها الإنسانية والأدبية الوارفة. واليوم، إذ ترحل عن هذه الدنيا، يشغر في القلب مكانٌ، كان وقفاً عليها، ولن يملأه سواها، وتبقى في الذاكرة قامة إنسانية وأدبية باسقة، ويبقى للمكتبة العربية الأدبية كنزٌ لا يفنى على القراءة.

منذ بداية الستينيات من القرن الماضي، باشرت إملي نصرالله مسيرتها الكتابية، وقد بدأتها صحافية في «دار الصياد»، في ظل سعيد فريحة، وراحت تترجّح بين الصحافة والأدب، إلى أن أوصاها ذات يوم: «يا إملي اكتبي صحافة وخفّفي من الأدب»، غير أن الأديبة ستتغلّب فيها على الصحافية، لا سيّما بعد نشر رواية «طيور أيلول» التي استهلّت بها مسيرة أدبية غنية، امتدّت على مدى خمسة عقود ونصف العقد، وتمخّضت عن أربعةٍ وستين كتاباً، منها أربعة وأربعون كتاباً منشوراً في الحقول المعرفية المختلفة، وعشرون كتاباً مخطوطاً، وضعتها في عهدة الجامعة اليسوعية لعلّها تبصر النشر ذات يوم. ولذلك الاستهلال الأدبي حكاية أسرّت بها إلي، ذات لقاء بيننا، في شهر أيار 2015، فخلال زيارة جواهر لال نهرو مع ابنته أنديرا إلى لبنان، بداية الستينيات من القرن الماضي، دعتها صديقتها روبا جنسن، زوجة القائم بالأعمال الهندي، إلى حضور حفل الاستقبال الذي أقامته السفارة الهندية في بيروت على شرف الضيف، ولقاء الشخصيات الهندية التي تزور لبنان. وفي ذلك الحفل، فاجأتها بسؤالها: «متى ستكتبين روايتك الأولى؟»، فشكّل ذلك السؤال الشرارة التي أشعلت فتيل الأدب لديها، وهو فتيلٌ بقي مشتعلاً طيلة نيّفٍ ونصف قرن، وتمخّض عن حصاد أدبي وفير، يتوزّع على: تسع روايات، عشر مجموعات قصصية، سبعة كتب للفتيان، خمسة كتب للأطفال، ستة أجزاء من «نساء رائدات»، خمسة أجزاء من «حصاد الأيام»، مجموعة شعرية واحدة، وكتاب «ذكريات مهنية»، وصدر لها منذ أيام كتاب «الزمن الجميل» الذي يشتمل على مقابلات مع نساء تركن بصمات في مختلف الحقول. ناهيك بالمخطوطات العشرين التي أودعتها الجامعة اليسوعية. وهذا النتاج يزخر بالقيم الإنسانية والاجتماعية والأدبية، ويحافظ على «أدبية» الأدب، ونظافة اللغة، فإملي نصرالله لم تحاول أبداً كسر مزراب العين لتحظى بشهرة عابرة، ولم تتناول التابوات الثلاثة: الجنس والدين والسياسة، دون أن يعني ذلك عدم رصدها التحوّلات الاجتماعية في العالم المرجعي الذي تحيل إليه رواياتها وقصصها، وطالما عبّرت أمامي عن تذمّرها من «الانحراف» الذي وقع فيه بعض النتاج الروائي بذريعة الحرية الأدبية، فبالنسبة لها: للحرية حدود تقف عند القيم الأخلاقية والإنسانية. ولعل صدق إملي نصرالله الفني في تصوير الواقع اللبناني، الريفي والمديني، وواقع الهجرة، هو ما جعل أدبها يترجم إلى العديد من اللغات الأجنبية، وما جعل مؤسّسات دولية تمنحها الأوسمة الرفيعة التي تستحق، ناهيك بالوسام الذي منحتها إياه رئاسة الجمهورية اللبنانية.
إن التوقف عند نتاج إملي نصرالله الغني يحتاج إلى بحوث ودراسات كثيرة ليس المقام والمناسبة ملائمين له في هذه العجالة، غير أن المؤكّد أن هذا النتاج سيكون محور الاهتمام لأجيال مقبلة، وأن إملي نصرالله ستبقى في قلوب قرّائها وأصدقائها الكثيرين الذين يهولهم الفقد، وحسبي أنني واحدٌ منهم.

* كاتب وشاعر لبناني