كشفت وكالة «رويترز»، مساء أمس، عن وثيقة تتضمن مشروعاً تقوده كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، من شأن الموافقة الأميركية عليه أن تفرمل مساعي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الحثيثة، باتجاه إعلان الخروج من الاتفاق النووي. يتضمن المشروع فرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي على إيران بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية ودورها في الحرب السورية، ما يعني استرضاء ترامب في الملفين اللذين يرى إغفال الاتفاق لهما سبباً لاعتبار الصفقة «مجحفة»: القوة الصاروخية للجمهورية الاسلامية، ودورها في المنطقة.

وتشير الوثيقة إلى أن العقوبات ستلاحق مسؤولين إيرانيين ضالعين في البرنامج الصاروخي، والتواجد الإيراني العسكري في سوريا. وترى القوى الثلاث الأوروبية المسوّقة للمشروع أن مثل هكذا عقوبات «مبررة» بموجب الاتفاق النووي، ولا تتعارض معه. وأفاد مصدران، لـ«رويترز»، بأن الوثيقة المشتركة أُرسلت إلى عواصم الاتحاد الأوروبي، أمس، لحشد الدعم لتلك العقوبات، إذ إنها تحتاج إلى موافقة كل الدول الأعضاء في الاتحاد.
وتسرّبت أنباء المشروع الأوروبي عقب تصريحات مندوب وزارة الخارجية الأميركية، براين هوك، حول لقاءاته مع الفرنسيين والبريطانيين والألمان، في كل من برلين وفيينا، حيث أكد أن مساعيه تنصبّ على التوصل إلى اتفاق مع الأوروبيين بشأن فرض مشروع اتفاق «تكميلي» يلحظ «برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأنشطة طهران الإقليمية، وانتهاء صلاحية بعض بنود الاتفاق النووي في منتصف 2020، وتفتيشاً أكثر صرامة من الأمم المتحدة». إلا أن الرؤية الأوروبية التي تقدم خياراً ثالثاً قوامه «فصل المسارات»، لا تنسجم مع إصرار ترامب على تخيير الشركاء في الاتفاق بين خيارين لا ثالث لهما: إما تعديل الاتفاق أو الخروج منه.

لا تزال إيران ترفض بشدة إعادة الاتفاق إلى الطاولة


نجاح المشروع الجديد سيكون رهن نجاح الأوروبيين في إقناع ترامب بمعالجة «الهواجس المشتركة» تجاه إيران، من دون «ارتكاب خطأ يمكن تجنبه من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي، والتحرك حيال المسائل الأخرى بالتوازي»، بحسب تصريح لمسؤول أوروبي، حذر أمس من أن «الاستخفاف بخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق) يضعنا جميعاً في أسوأ موقع للرد على المخاوف الأخرى»، علماً أن وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، كان نصح الرئيس ترامب بالاستماع إلى الأوروبيين بدلاً من اتخاذ خطوات أحادية الجانب.
وكانت اللجنة المشتركة الممثلة للموقعين على الاتفاق النووي الإيراني عقدت، أمس الجمعة، اجتماعها الروتيني لمراجعة الاتفاق، في العاصمة النمساوية فيينا، بحضور هوك، وممثلي موسكو وبكين ولندن وباريس وبرلين، إضافة إلى نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي. حضر عراقجي مسلحاً بشهادات مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير، والتي تؤكد التزام طهران تطبيق الاتفاق، وعدم تخصيب اليورانيوم بالدرجات المحظورة، وعدم تشكيل مخزون غير شرعي من اليورانيوم الضعيف التخصيب أو المياه الثقيلة، كما جاء في تقرير مراقبي الوكالة الشهر الماضي. لكن الولايات المتحدة، التي لم تعد مقتنعة بمحددات الاتفاق نفسه، تابعت محاولاتها فتح باب تعديل الاتفاق «الفظيع»، وفق وصف ترامب، وتوسيعه ليشمل النقاش حول الصواريخ الباليستية ودور إيران في الشرق الأوسط. هذا المسار الأميركي دشنه تقنياً مندوب الخارجية الأميركية براين هوك، من ألمانيا، أول من أمس.
الحراك الأميركي، ومقترح العقوبات الأوروبي، سحبا الأضواء من النقاش التقني للاجتماع الـ 11 للجنة المشتركة، ليطغى الخلاف السياسي على النقاشات، وتتسلّط الأضواء على اللقاءات الثنائية والجانبية، التي عقدها كل من هوك وعراقجي. الأخير تطرق إلى تحركات نظيره الأميركي، عقب اجتماعات ثنائية عقدها عراقجي مع الروس والصينيين والألمان وممثلين عن الاتحاد الأوروبي في فيينا، مشدداً في حديث إلى وكالة الأنباء الإيرانية على أن بلاده لن تعترف رسمياً «بأي قرارات قد تصدر عنها»، في إشارة إلى مشاورات هوك الجانبية.
إعادة الاتفاق إلى الطاولة لا تزال تواجَه بموقف إيراني متصلب، يرفض النقاش في المشروع «الترامبي» لاتفاق «تكميلي»، ويقطع الطريق على ما تبقى من أمل لدى ترامب في تطويع الموقف الإيراني قبل مهلة 12 أيار، وهو ما حسمه الوفد الإيراني على هامش الاجتماع أمس بالقول: «لا إمكانیة إطلاقاً لفتح ملف الاتفاق من جدید، أو إعادة التفاوض حوله، أو ضم ملحق أو اتفاق مكمل أو عبارات إلیه». وبحسب رئيس الوفد الإيراني، أثار الوفد في لقاءاته الثنائية قبل الاجتماع، مع كل من الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، قضية أداء واشنطن وانتهاكاتها للاتفاق. وفي الاجتماع، حظيت هذه القضية بجانب كبير من النقاش، إضافة إلى الملف التقني المتعلق باستكمال رفع العقوبات، خصوصاً في المجالين الجوي والمالي. وتتهم طهران واشنطن بـ«التقاعس» عن تنفيذ أجزاء من بنود الاتفاق، وهي تدفع باتجاه أن يكون النقاش مركزاً على الالتزام بالبنود وتعجيل ما تأخر من التنفيذ، لا سيما ملاحظات فريق إزالة الحظر الذي عقد اجتماعه الأربعاء الماضي، وضمّنها في تقرير رفعه إلى اللجنة المشتركة.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)