طهران | بينما ينهمك الإيرانيون في تحضيراتهم لاستقبال عيد «النوروز»، تتابع طهران بحذر التطورات الأخیرة في واشنطن، لكنها لا تبدو قلقة جداً على مصیر الاتفاق النووي، وهي التي مرت بفترة عقوبات قاسیة علی مرّ أکثر من عشرة أعوام، ولا تزال عملياً تحت الحصار والعقوبات. وعلی الرغم من ذلك، لا يرى الإيرانيون أن ثمة ضغوطاً حالت دون أن تكون بلادهم لاعباً رئیساً في الشرق الأوسط لا یمكن تجاهله في أكثر من ملف. ولعل طهران في قراءتها للأحداث والسيناریوات المستقبلیة اعتادت ترديد المقولة الشهیرة: «السم الذي لا يقتلني يزيدني قوة».

بحسب وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتیس، فإن إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون، من منصبه، «ما هي إلا شأن يخصّ واشنطن». لكن، إذا کان العالم لا یكترث لإقالة تیلرسون، فإن إیران تهتم لترشیح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مايك بومبیو لخلافة تيلرسون في الخارجیة، الأمر الذي یزید من احتمال خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي أکثر من أي وقت آخر. ففي اجتماعات مجلس الأمن القومي الأميرکي، کان كل من تیلرسون ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر وماتیس، من المؤيدين للبقاء في الاتفاق النووي، بينما كان بومبیو یقترح الانسحاب من الاتفاق، واستهداف المنشآت النوویة الإیرانیة.
قراءة طهران لترشیح بومبیو لمنصب وزیر الخارجیة يلخصها المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، في حديث إلى «الأخبار»، بدأه بالقول: «في الأساس، هذه المسألة شأن داخلي أميركي، لكن إذا أردنا دراسة هذا الموضوع، یجب أن نقول إن الرأي العام في العالم مطّلع علی أسالیب ترامب الغریبة وقراراته المفاجئة، لذلك فإن قراره الأخير بإقالة وزير خارجيته لم یكن أمراً مفاجئاً وغریباً». وتابع قاسمي أن «شعوب العالم تشاهد باستمرار وتعتاد أیضاً أن الرئیس الأمیرکي یتبنّى قراراته المتعلقة بالسياسة الخارجية بأسلوب أناني وبشكل فردي، ویعلن عنها في شبكات التواصل الاجتماعي، مثل تویتر»، معتبراً أن «طرد وزير خارجية دولة تدّعي قیادة العالم دون سابق إنذار وخلال رحلة أجنبية، لا یشیر إلی الدرایة والحكمة السیاسیة، ولا يتماشى أیضاً مع الأعراف الدولیة والسلوك المنطقي». وزاد أنه «من المثير للاهتمام أن هذه هي الحالة الثانية والأربعين من حالات فصل المسؤولين الحكوميين الأميركيين من قبل ترامب في غضون 14 شهراً فقط، وهذا الأمر غیر مسبوق في العالم»، معلقاً على ذلك بشكل ساخر: «یستطیع السید ترامب أن یسجل اسمه في موسوعة غينيس كحامل الرقم القياسي لطرد المسؤولين الذین تم تعیینهم من قبله، وسيكون سعيداً وفخوراً بنفسه جداً!».

يرى خبراء إيرانيون أن واشنطن ستتبع سياسة «راديكالية» إزاء بلادهم


ورأى قاسمي أن الإجراءات الأخیرة من قبل الرئیس الأميركي «قبل أن تقلقنا في إیران یجب أن تثیر مخاوف الشعب الأميرکي والرأي العام»، لافتاً إلى أنه «علی مدی الأربعين سنة الماضية، واجه الإيرانيون عشر حكومات وسبعة رؤساء أميركيين بتوجهات سیاسیة مختلفة، والإیرانیون على دراية تامة بالممارسات المعادیة لإیران ومختلف المؤامرات ضد طهران، وقد استعدوا لمواجهة أي موقف محتمل، والسياسة المبدئية للجمهورية الإسلامية لا تخضع للتغییرات في الحكومات والرؤساء في الولايات المتحدة والسیاسات الأميركیة غیر المتزنة». بالنسبة إلى الإيرانيين «الموقف العام لحكومة ترامب تجاه إيران قائم على التحریض ضد إيران ومعاداتها»، وهو ما يدفع المسؤول في الخارجية الإيرانية إلى التقليل من التقديرات بشأن إمكانية حدوث «تغيير كبير في السیاسات الأميرکیة إزاء إیران، وسوف یواصل الأمیركان سیاساتهم في معاداة الشعب والحكومة الإیرانیين».
وحول وثیقة سریة نشرتها وکالة «رویترز»، تقترح فيها بريطانيا وفرنسا وألمانيا فرض عقوبات أوروبية جديدة على إيران، لضمان استمرار ترامب ضمن الاتفاق النووي، علّق قاسمي، لـ«الأخبار»، بالقول إن «الرد علی التقاریر الصحافیة لیس ضمن سیاستنا. موقفنا المبدئي هو الالتزام بالاتفاق النووي، لكن هذا الالتزام لیس أحادي الجانب وغیر محدود. سوف نكون ملتزمین بالاتفاق ما دام جميع الأطراف، وخاصة الولايات المتحدة والأوروبيين، یلتزمون بتعهداتهم»، مشدداً على أن «الاتفاق النووي يقتصر علی البرنامج النووي السلمي الإیراني ولا شيء آخر». ووصف قاسمي حدیث الأميركيين عن الربط بین الاتفاق النووي والقضايا الإقليمية وبرنامج إیران الدفاعي الصاروخي بـ«غير المعقول تماماً وغير المبرر وغير المقبول»، مؤكداً «(أننا) لن نساوم أبداً في القضايا المتعلقة بالأمن القومي ومصالح شعبنا، ولن نتفاوض على قدراتنا الدفاعية مع أي طرف آخر».

موقف الأوروبيين أولاً

في ظل التغییرات الحدیثة في الخارجیة الأميرکیة، يرى الخبیر الإیراني في الشأن الأميركي، عباس أصلاني، أن واشنطن سوف تتجه إلی «سیاسة رادیكالیة» بشأن إیران، وسوف «تتبع نهجاً استخباراتیاً وأقل دبلوماسیة». ويرجّح أصلاني، وهو ورئیس قسم الأخبار الدولیة في وکالة «تسنیم» الإيرانية، في حديث إلى «الأخبار»، أن تكون الخطوة الأولى لترامب «المحاولة عن طریق الضغط علی إیران، وتهدید الدول الأوروبية وروسیا والصین، لیقول لهم: إذا لم یغیّروا الاتفاق النووي، واشنطن سوف تنسحب من هذا الاتفاق، وبالتالي سياسة واشنطن المقبلة سوف تقتصر علی ابتزار الدول الأوروبیة لإجبارها علی تقدیم تنازلات بشأن الاتفاق النووي».
لكن، في الوقت نفسه، لا يستبعد أصلاني، «إذا لم تتغیر الأمور کما تریدها واشنطن»، أن «تخرج الولایات المتحدة من الاتفاق النووي فی المرحلة الثانیة». وحول الملف الصاروخي الإیراني، یؤكد أن جمیع التیارات السیاسیة داخل إیران «متفقة علی أهمیة هذا الموضوع للأمن القومي الإیراني، وطهران لن تتنازل عن برنامجها الصاروخي الدفاعي، حتی لو فرضت عقوبات جدیدة علی إیران». ولم يستبعد الخبیر الإیراني فرض عقوبات جدیدة علی إیران من قبل الدول الأوروبية، مشيراً إلى أن «هناك محادثات تجري حالیاً في أوروبا حول هذا الموضوع، لكن لم یتضح بعد موقف روسيا والصين في هذه القضية».




موغيريني: أوروبا متمسكة بالاتفاق

نفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، الأنباء عن تباحث الاتحاد في فرض عقوبات جديدة على إيران. وأكدت أن أوروبا حريصة على استمرار تنفيذ الاتفاق، لكنها أشارت إلى أن ثمة «مواضيع أخرى مع إيران سنبحثها معها بنحو منفصل، خاصة القضايا المرتبطة بسوريا ودور إيران في المنطقة، لكن من المهم جداً فصل القضايا الإقليمية عن موضوع الاتفاق». كلام موغيريني عن فصل الاتفاق النووي عن القضايا الخلافية الأخرى، أتى على الرغم من دعوة فرنسا على لسان وزير خارجيتها، جان إيف لو دريان، إلى «عدم استبعاد دور إيران المثير للتساؤل في الشرق الأوسط والصواريخ الباليستية، عندما نبحث الاتفاق النووي على مستوى الاتحاد الأوروبي». في غضون ذلك، أعلن الرئيس التنفيذي لمجموعة «توتال» الفرنسية، باتريك بويانيه، تمسك مجموعته بعملها في إيران، وقال إن «توتال» ستمضي قدماً في مشروع تطوير مشروع الغاز في ايران، وستتقدم بطلب استثناء إذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي.
وفي موقف متطابق مع وجهة نظر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول ضرورة مراجعة الاتفاق، قال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أمس، إن «وجهة نظرنا بشأن الاتفاق النووي أنه اتفاق معيب». وأمس، انتقد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، ما سماها «المواقف المزدوجة» لواشنطن و«3 دول أوروبية» لم يسمها، بشأن برنامج إيران الصاروخي. وفي تغريدة على «تويتر»، هاجم ظريف تلك الدول، معتبراً أنها تعمل وفق تعهد «خدمة الزبائن»، الذي بمقتضاه تقول: «اشتروا أسلحتنا، وحكوماتنا ستوفر لكم خدمات ما بعد البيع عبر الضغط على جيرانكم، للتخلي عن وسائله الدفاعية»، ضمن «مسرحية تزييف» يجري فيها الاحتجاج على برنامج إيران الدفاعي، بالتزامن مع «دفع ما يعادل ملايين الدولارات من السلاح إلى منطقتنا».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)