بعد انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية عام 1958، قال لمعاونيه انه يخشى السابقة التي يتسبّب في إحداثها. وطأ باب السياسة للمرة الاولى عام 1952 بتعيينه رئيساً لحكومة ثلاثية انتقلت اليها صلاحيات الرئاسة بعد تنحي بشارة الخوري، لخمسة ايام فقط. من بعد، اتت الرئاسة التي حملت ريمون اده على الاحتجاج ومقاسمة قائد الجيش الهاجس نفسه، فقارعه على المنصب ـ وإن عالماً بعدم جدوى المنافسة ـ كي لا يُسجَّل انتخاب عسكري رئيساً للجمهورية سابقة تتكرّر في ما بعد، وتمسي تقليداً. كذلك الاجماع عليه بلا اعتراض ولا منافسين، وبإرادة خارجية غير خافية.

كانت لفؤاد شهاب سابقة ثالثة ما بين عامي 1952 و1958، ان يكون اول عسكري في الخدمة يُعيّن وزيراً للدفاع في حكومة سامي الصلح عام 1956. في ما بعد إستعيدت التجربة مرة واحدة مع قائد الجيش فيكتور خوري وزيراً للدفاع في حكومة سليم الحص عام 1978. توسّعت الرقعة كي تختبر البلاد ايضاً تداخل العسكري بالسياسي مع حكومة عسكرية مرتين: عام 1975 ترأسها العميد اول المتقاعد نور الدين الرفاعي لم تعش اكثر من 65 ساعة ما بين 23 ايار و26 منه، وعام 1988 برئاسة قائد الجيش ميشال عون استمرت 25 شهراً. في المرتين، انقسم اللبنانيون من حول الحكومة العسكرية، قبل ان تتهاوى تجربتاهما.

ـ وثيقة بخط الرئيس صائب صلام وقّعها معه الرئيس رشيد كرامي وكمال جنبلاط وريمون اده، مؤرّخة 24 ايار 1975، ترفض حكومة عسكرية في لبنان | للصورة المكبّرة أنقر هنا

نُظِرَ الى محاولة 1975 على انها تُفرض على الحياة السياسية واعرافها وتقاليدها، وتطيح اللعبة الديموقراطية، في بلد محكوم بضوابط طائفية يُحسن السياسيون وحدهم تنظيمها وادارة توافقاتها واشتباكاتها. حكومة عسكرية لا سابقة لها كما حال انظمة الجوار العربي عندما ينيط العسكريون بأنفسهم ليس انهاء مشكلات السياسيين بالقوة بعضهم مع بعض فحسب، بل اطلاقهم لايديهم في التخلص من اولئك واعدامهم حتى. على نحو غير مسبوق آنذاك لم يتكرّر في ما بعد، وقّع خصوم وحلفاء في آن جمعتهم المصيبة، صائب سلام ورشيد كرامي وكمال جنبلاط وريمون اده، وثيقة رفض حكومة عسكرية في لبنان.
مع حكومة ميشال عون كانت الوطأة اثقل. كرّست الانقسامين السياسي والطائفي. قادت اصحابها وحلفاءها الاولين ـ كسمير جعجع اذ سمّاها "حكومة الاستقلال" ـ كما اعداءها لبنانيين وسوريين الى استرجاع الاشتباك السياسي من خلال الجيش، والتسبّب في تفكيكه مجدّداً بعد انهياره عام 1975 للدافع نفسه.
على مرّ التداخل بين العسكري والسياسي، نمت الذائقة. مرت في عهود ذهبية حينما تدّخل العسكريون كالشعبة الثانية في شؤون السياسيين في 12 عاماً من الحقبة الشهابية في ستينات القرن الفائت، وحينما انتقم السياسيون لأنفسهم بالتدخّل في شؤون العسكريين منذ مطلع السبعينات بعد تصفية الشهابية حتى اندلاع الحرب.
لم يكن مخفياً دور الاستخبارات العسكرية في التدخّل في انتخابات نيابية. ليس في اسقاط خصومها السياسيين ككميل شمعون وريمون اده وجوزف سكاف وكاظم الخليل وسليمان العلي وسواهم، بل في دعمها عسكريين متقاعدين مرشحين كفخر فخر ونجيب الخوري وجميل لحود والاخوين عبدالكريم وعبدالمجيد الزين ومعروف سعد لأنهم شهابيون ترشّحوا بالصفة هذه، وفي وقوفها ضد طراز آخر من عسكرييين متقاعدين مرشحين مناوئين لها كفؤاد لحود. لم تكتفِ بالحؤول دون نجاحه في الانتخابات النيابية، بل لاحقته واعتقلته للاشتباه بعلاقته بالانقلاب الذي نفذه الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1961. بعد التخلص من الشهابية، انقلبت الادوار: ربح فؤاد لحود وخسر معروف سعد وعبدالمجيد وعبدالكريم الزين ونجيب الخوري.
ذائقة العسكريين السياسية تشبه ذائقة السياسيين العسكرية.
يكاد يكون تصرّفاً عادياً إقدام ضباط متقاعدين على الترشّح لانتخابات نيابية. في سنّ مبكرة يتخلون عن البزّة ويمسون مواطنين كنظرائهم بلا حصانتها. يستطيعون الاقتراع بعدما حُظّر عليهم. كذلك الترشّح والفوز. يتقاعد اللواء في الستين والعميد في الثامنة والخمسين. بينهم مَن ينصرف باكراً الى تقاعده وشيخوخته، فيمضي الوقت في النادي العسكري المركزي، وبينهم مَن يختار مهنة مختلفة تماماً. ترى في هؤلاء المحامي والتاجر والمقاول وسمسار العقارات والاستاذ الجامعي والمستشار وعضو مجلس ادارة شركة او مصرف والصحافي، او يلتحقون باحزاب وتيارات وتنظيمات. ينخرطون في الانتخابات البلدية لرئاستها او عضويتها. في السنوات الاخيرة، باتت لكمّ من الضباط المتقاعدين مهنة جديدة هي الاطلالة على الشاشات على انهم خبراء استراتيجيون او تأسيس مراكز ابحاث. كل ذلك في سبيل البقاء في الضوء.
بذلك يأتي الترشّح للانتخابات النيابية ـ وهي محطة عابرة ـ في سياق مماثل. مع ذلك، ليس طارئاً في تاريخ الاستحقاقات ولا آخر له.
اول عهد العسكريين المتقاعدين في الانتخابات ترشّح مفوّض الشرطة معروف سعد عام 1957 وفوزه بنيابة صيدا، ثم ثابر على الفوز اعوام 1960 و1964 الى ان خسر عام 1972. من بعده كرّت سبحة عشرات عسكريين متقاعدين يترشحون: مفوض الامن العام فؤاد شمعون شقيق كميل شمعون (1960). اولهم في هذا السلك. في قوى الامن الداخلي، لم يكن العدد كبيراً منذ اول الضباط المتقاعدين انتهاء بادناهم رتبة الرقيب وجيه البعريني (1992 و1996 و2000 نائباً)، مروراً بـ: عبدالكريم الزين (1964 و1968 نائباً ثم 1972 خاسراً)، شقيقه عبدالمجيد الزين (1968 نائباً و1972 و1992 خاسراً).
من الجيش انبثقت الغالبية: فؤاد لحود (1960 خاسراً و1972 نائباً)، عمّه جميل لحود (1960 و1964 نائباً و1968 و1972 خاسراً)، نجيب الخوري (1965 و1968 نائباً و1972 خاسراً)، فخر فخر (1968 نائباً)، معين حمود (1972 خاسراً)، فؤاد عوض (1972 خاسراً)، شوقي خيرالله (1992 خاسراً)، احمد الخطيب (1992 خاسراً)، ميشال خوري (1992 نائباً)، عاكف حيدر (1992 خاسراً)، سامي الخطيب (1992 و1996 و2000 نائباً و2005 خاسراً)، شامل موزايا (2005 نائباً)، جان اوغاسبيان (2000 و2005 و2009 نائباً)، ادغار معلوف (2005 و2009 نائباً) انطوان سعد (2009 نائباً)، الوليد سكرية (2009 نائباً).
جميل السيّد واشرف ريفي ووهبي قاطيشا: مرشحو ماضٍ في الحاضر


التجربة الاهم في هؤلاء جميعاً، مخاض طويل تداخل فيه العسكري بالسياسي على مرّ مراحله بتطورات متصاعدة لا حد لها: نيابة 11 عاماً على رأس كتلة كبيرة تلت مساراً اطول: قائد سابق للجيش (1984 ـ 1989)، رئيس لحكومة عسكرية انتقالية ووزير لحقيبتين بالاصالة وثلاث بالوكالة الى احتفاظه بقيادة الجيش (1988 ـ 1990) قبل ان يتوّج ميشال عون هذا التداخل بانتخابه رئيساً للجمهورية (2016).
في انتخابات 2018، قافلة جديدة من الضباط المتقاعدين المرشحين: خمسة الوية هم جميل السيّد وعلي الحاج واشرف ريفي وانطوان سعد وعدنان مرعب، ولائحة طويلة من العمداء من بينهم شامل روكز وانطوان بانو وجان طالوزيان والوليد سكرية ووهبي قاطيشا وصلاح جبران وسليم كلاس وجورج نادر وادونيس نعمة وعماد القعقور ومروان حلاوي وسامي الرماح ومازن الشمعة وخليل الحلو وباسم الخالد واحمد الحصني، الى آخر في قوى الامن الداخلي علي الشاعر، وثلاثة في الامن العام دلال الرحباني ومعروف عيتاني ويغيشه اندونيان. بينهم من انضم الى لوائح، وآخرون عزفوا اذ لم يعثروا على مقاعد.
لا يأتي المرشحون هؤلاء جميعاً الى النيابة للخروج من سأم تقاعدهم. ليسوا جميعاً يبحثون عن موقع اضافي فقط يستكملون فيه البقاء في الضوء، او الاضطلاع بدور سياسي يكبر او يصغر. بينهم، في مراحل محدّدة، مَن كان ـ ابان البزة وبعدها ـ رأس حربة في المعادلة الداخلية، على نحو يجعل توقّع وصوله الى البرلمان استكمالاً للتجربة السابقة، او ردّ اعتبار حقيقي الى دور جبهه في المرحلة المنقضية. يصحّ ذلك على جميل السيّد واشرف ريفي ووهبي قاطيشا، اذ يمثّل ترشحهم نماذج شخصيات صادمة، غير مسبوقة، متنافرة في ما بينها، مثقلة بالحمولة. لكل منهم ـ وإن بتفاوت اكيد في قوة الحضور والفاعلية والنفوذ والمقدرة على الاشتباك ـ قصة طوت مقداراً وافراً من فصول انتظام لعبتي السياسة والامن وتفككهما:
اولهم، جميل السيّد، الشخصية العسكرية الاكثر اثارة للجدل والمشاعر المتناقضة. الاكثر تداخلاً في لعبتي الامن والسياسة في العقدين ونصف العقد المنصرمة. تقلّب بين مديرية المخابرات والمديرية العامة للامن العام. في كلتيهما لعب دوراً سياسياً غير محدود، وفي الغالب غير مشروط. في الاولى، عُزي الى موجبات الامن القومي، في الثانية، الى الصلاحيات المنصوص عليها في قانونها.
هو ايضاً ابن المعادلة السياسية والامنية التي ادارت البلاد ما بين عامي 1990 و2005، اتاحت له عند الوصول الى المفترق بعد استقالته من الامن العام عام 2005، الاعتراف بقاعدتها: جاء مع الاستراتيجيا التي حكمت لبنان ويغادر برحيلها. من ثم كانت المحطة التالية بعد تركه منصبه، هي الدخول في مواجهة حادة من طراز مختلف: صراع مع لجنة التحقيق الدولية طوال اربع سنوات بعدما اتهم وضباط ثلاثة آخرون بالضلوع في اغتيال رفيق الحريري، قبل ان تقرّر المحكمة الدولية اعلان براءته كاملة، وتنصّلها من شهود زور قالت انهم خدعوا التحقيق الدولي كي تخوض في اتهام آخرين بالجريمة.
المحطة الثالثة، بدأت بعد عام 2009 ومغادرته الاعتقال، هي ملاحقة جميل السيّد قضائياً المتسبّبين بتوقيفه. بذلك يأتي ترشّحه في سياق اعادة الاعتبار الى الدور السياسي ـ وهو لم يتوقف يوماً ـ بعد ضمور المنصب الامني، واستكمال المواجهة مع خصومه، لكن بعدة شغل ووسائل مختلفة لكن تختلف كثيراً باسلوبها.
ثانيهم، اشرف ريفي يخوض معركة تصفية الحساب مع سعد الحريري. بدأها في حكومة تمام سلام قبل ان يستقيل ولا يستقيل، من ثم الانتخابات البلدية عام 2016، مروراً بمحنة الرياض التي خبرها رئيس الحكومة، وكان يريد لها خاتمة مختلفة تُخرج سعد الحريري من المعادلة السياسية الحالية. يدين بوصوله الى رأس قوى الامن الداخلي الى حكومة نجيب ميقاتي، وبحقيبة العدل الى سعد الحريري.
في انتخابات 2018 لا يخوض ـ كانتخابات 2016 ـ مغامرة مواجهتهما معاً فحسب. بل ايضاً انتزاع ـ او محاولة انتزاع طرابلس ـ من الطرابلسي نجيب ميقاتي ومن الصيداوي سعد الحريري، كي يكرّس نفسه زعيماً موازياً في المدينة والطائفة. بيد انه يتصرّف على انه الوارث الوحيد، الصائب المحق، لرفيق الحريري، والعدو ـ لا الخصم ـ لحزب الله وسوريا، هو الذي صالح نظامها يوم صالحه سعد الحريري. يصحّ في اشرف ريفي القول انه آخر صفحة في قوى 14 آذار يتنازعها البقاء او الذوبان.
اعطته انتخابات 2016 نشوة مبالغاً بها قبل ان يصل الى الاستحقاق الحالي بحسابات مغايرة تماماً، من شأنها ان تجعل تطابق الاستنتاجات ضرباً من الوهم. يترشح للمرة الاولى. قبله ترشّح والده احمد ريفي في انتخابات 1972 وخسر.
ثالثهم، وهبي قاطيشا مثّل بين عامي 1988 و1990 نموذج العصيان على قيادته، مذ تحوّل الاشتباك العسكري اداة في صراع سياسي كان الجيش وقوده. يوم وقع الاقتتال المسيحي، غادر وضباط آخرون قيادة ميشال عون والتحق بالقوات اللبنانية، يقاتل في صفوفها في مواجهة الجيش. في الحجة المدلاة، تولى كما ضباط آخرون تنظيم صفوف العسكريين المنقطعين عن ميشال عون، الرافضين الانقلاب على الشرعية الناشئة عن اتفاق الطائف. انتظر اميل لحود حتى عام 1991 كي يستعيد الى قيادته الضباط والعسكريين الملتحقين بالميليشيا المسيحية، وكانوا تجمّعوا في اللواء الخامس المشتت، ويُعيد تأهيلهم ويشطف منهم المرحلة السابقة. على غرار رفاقه، لم يجد وهبي قاطيشا صعوبة في مفاضلة الميليشيا على المؤسسة العسكرية.
بعد تقاعده، لزم التجربة الحزبية لسمير جعجع مستشاراً له. مثّل بذلك النموذج الساطع لفحوى انقسام الجيش، اذ وضع نفسه في اتون السياسة. عُزي ما حصل الى اصرار ميشال عون على البقاء في رئاسة الحكومة العسكرية الانتقالية ورفض التسليم برئاسة الياس هراوي. عُزي ايضاً الى ثمن باهظ تكبدّه الجيش حُمّلت وزره قيادته المسيحية وضباطه وعسكريوه المسيحيون كما القوات اللبنانية، اذ انتقلا بالصراع من العداء لسوريا الى اقتتال داخلي فحواه السلطة والنفوذ.
حينما كان وهبي قاطيشا يقاتل الوية ميشال عون، كان شامل روكز ـ المرشح ايضاً "الصل" كما كان ميشال عون يدعوه وهو بعد ملازم ـ في المقلب الآخر منه، يقاتله بدوره.