خلال الانتخابات الفرعية في المتن عام 2007، سألت مُراسلة محطة تلفزيونية أحد المقترعين: «لمن اقترعت؟». حاول الرجل جاهداً تذكّر اسم المُرشح الطبيب كميل الخوري، من دون جدوى. «معقول لا تعلم من انتخبت؟»، قالت له. فردّ عليها: «ولكنّني أعرف أمين الجميّل». جواب «فلسفي» مُعبّر جداً، يصحّ إسقاطه حالياً على النائب سامي أمين الجميّل. فرئيس حزب الكتائب، بقي في السنوات الماضية يُردّد لـ«المُشككين» في خطابه الاصلاحي «انتظروا واحكموا على تصرفاتنا، التي ستُنسيكم تاريخنا». لم يكن الجميّل على قدر الرهان عليه. ووجب، منذ البداية، تصديق عارفيه في الأمانة العامة لقوى 14 آذار (سابقاً) حين قالوا إنّ «سامي سيكون أسير التركة الحزبية التي ورثها، ولن يكون قادراً على أن يذهب بعيداً في خطابه التغييري»، أي إنه رئيس حزب الشيء ونقيضه.

سامي الجميّل مدينٌ اليوم باعتذار إلى كلّ من أوهمهم، طوال الأشهر الماضية، بأنّه «قائد الثورة»، وبأنّ عدد المقاعد التي سيكسبها من الانتخابات لا يهمه، بقدر ما يُريد التأسيس لنهجٍ سياسي (أخلاقي) جديد. فقد تبيّن أنّه رئيس حزبٍ لا يُشبه إلا السلطة القائمة، ولا يعرف أن يُمارس السياسة إلا من خلال مؤسساتها. هكذا ظهر في الأشرفية وزحلة والشمال الثالثة وصيدا ــ جزين. مُجرّد لاهثٍ وراء مقاعد على لوائح «السلطة»، مُمثلة بالقوات اللبنانية. والأنكى، أنّ حظوظ فوزه في زحلة والشمال الثالثة وجزين شبه معدومة. وسيكتفي بلعب دور «السُلّم» لـ«القوات»، حتى ترفع حاصلها الانتخابي، وتُعزّز حظوظ فوزها بالمقاعد. يُمكن تخيّل سمير جعجع يُقهقه عالياً، بعد أن «أجبر» الجميّل على الانصياع لشروط معراب، من دون أن يُقدّم له تنازلاً واحداً!

يقول قيصر معوض إنّ التحالف مع القوات عزّز فرص الفوز في الكورة أو زغرتا


آخر «طعنات» الجميّل لـ«المستقلين» كانت في دائرة الشمال الثالثة. فقد كان هؤلاء، صباح يوم السبت، على موعدٍ مع إعلان لائحة تحالف حزب الكتائب ــ المستقلين لخوض الانتخابات النيابية. المفاجأة كانت في «تسلّل» قيادة الصيفي إلى معراب، وعقدها اتفاقاً معها، من دون أن يُسحب مُرشح «القوات» فادي سعد (كما كان يشترط النائب سامر سعادة)، أو تأخذ «الكتائب» وعداً بتوحيد الأصوات التفضيلية.
يوم أمس، أصدر الناشط المدني مروان معلوف بياناً يُعلن انسحابه من الانتخابات. مثله فعل الزميل رياض طوق، الذي عقد مؤتمراً صحافياً، يُخبر فيه عن «أنانية بعض من يصف نفسه بأنه مجتمع مدني، وأنانية حزبٍ أخبرنا أنّه ترك السلطة، ويُريد المشاركة معنا لخلق جوّ جديد في البلد».
يبدأ طوق في حديثه إلى «الأخبار» من الجوّ التغييري في بشرّي الذي «تطوّر كثيراً في الأسابيع الثلاثة الماضية، فوضع جعجع كلّ ثقله لعزلنا». التنسيق بين رئيس «القوات» والنائب السابق قيصر معوض «تطور خلال أسبوع حسم اللوائح. عقدا جلسة، لمدّة ساعتين ونصف ساعة، طلب خلالها جعجع من معوض إقناع الكتائب بالانضمام إلى اللائحة». معوض هو نفسه الشخص «الذي بدأ منذ تموز الماضي العمل لتشكيل لائحة مستقلين، وكان أول من زارنا في بشرّي».
تحالف رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض مع التيار العوني، قرّب قيصر معوض من «القوات»، فبدأ ضغوطه على حزب الكتائب، «بأن يتحالفا مع القوات، وإلا فسينسحب من اللائحة»، يقول طوق. وفي الوقت نفسه، كان «سعادة، الخائف من تشكيل لائحة لا تنال الحاصل، يستقبل وفوداً قواتيّة في منزله». لم يكن «المستقلون» على دراية بهذه التطورات، «فقد كنا أيضاً نجتمع مع سعادة ومعوض واليسار الديمقراطي، ونضع اللمسات الأخيرة على لائحتنا».
مع مرور الأيام، واقتراب إتمام «الصفقة» بين معراب والصيفي، «حاولنا طمأنة معوض، الذي يبدو أنّه أوهمنا بأرقامه المُبالغ بها أنّه يُمكن رفع حاصل اللائحة». لم يعد بإمكان معوض أن يُناور أكثر، «فكشف أنّ الكتائب هم الذين يسعون إلى التحالف مع القوات». طلب طوق من سعادة ومعوض «مُصارحتنا قبل انتهاء مهلة تسجيل اللوائح»، فما كان من شريكَي التسوية إلا «الإصرار على تحالفنا معهما، وأنّ اللائحة ستُعلن يوم السبت، العاشرة صباحاً». كانت تلك المناورة لمنع «المستقلين» من البحث عن خيارات أخرى.
مساء الجمعة، «زرت سامر سعادة في منزله في شبطين، فكان مُصرّاً على أن معوض يريد الاتفاق مع القوات». اتصل طوق بالنائب السابق قيصر معوض «فأبلغني أنّه يسير بالقرار الذي يريده سعادة». أما نتيجة لعبة تقاذف الكرة، فكانت «اعتراف سعادة بأنّ التفاهم مع القوات، تمّ». لماذا انسحبت، ولم تنضم إلى لائحة تحالف وطني ــ حزب سبعة ــ مواطنون ومواطنات في دولة؟ «لأنّنا على العكس من غيرنا، لا نكون مُلحقين على لائحة، ولا ننتقل بين ليلة وأخرى من لائحة إلى أخرى. كرامتنا الأساس»، يقول طوق.
من جهته، يقول قيصر معوض إنّ «الأساس كان تشكيل لائحة مستقلين، مع الكتائب. واجهنا فيتو من قوى يسارية أو مدنية على مشاركة الكتائب». بدأ الحوار مع القوات اللبنانية، حيث هناك التقاء في الموقف السياسي، «وفي الحكومة، لدى وزراء القوات حدّ أدنى من الشفافية التي لا تستفزّنا». ويسأل الطبيب الزغرتاوي، الحليف السابق لتيار المردة، «هل نريد المعركة فقط لتسجيل موقف أو ليصل أحدٌ منّا؟». بعد التحالف مع معراب، «ربحنا إعادة توحيد الخطّ السيادي، وعزّزنا فرص الفوز بمقعد في زغرتا أو الكورة، لأنّ القصة في البترون... صعبة».
المُرشحون على اللائحة هم: ستريدا طوق وجوزف اسحاق في بشري. قيصر معوض وميشال الدويهي وماريوس بعيني في زغرتا. فادي كرم وألبير اندراوس وجورج منصور في الكورة. فادي سعد وسامر سعادة في البترون.
يقول البعض إنّ الجميّل «مُكتئب» من مسار المفاوضات الانتخابية. ابن عمّه، النائب نديم الجميّل، وضعه أمام الأمر الواقع، بأنّه سيتحالف مع «القوات» في الأشرفية لأنّه لا يتحمّل خسارة «مقعد بشير الجميّل». اعتُبر وضع نديم «خاصّاً»، لذلك لم يلقَ اعتراضاً داخل المكتب السياسي. ولكنّ نائب زحلة، إيلي ماروني، استغلّ هذه «الثغرة»، وقرّر جرّ رئيس حزبه إلى تحالفٍ يُناسب مصلحته. فكانت النتيجة اعتكاف أحد مستشاري الجميّل، اعتراضاً على هذه السياسة، واتجاه كتائبيين إلى العمل ضدّ قرار قيادة حزبهم. «الوضع الخاصّ» انسحب أيضاً على سامر سعادة في البترون، حيث قال الجميّل لرياض طوق إنّ «القرار في الشمال لا يعود له، والقاعدة الكتائبية ستتأثر سلباً في حال عارض الجميّل خيار سامر». المُضحك أنّ الجميّل تخلّى عن الوزير السابق سجعان قزي لأنّه رفض الاستقالة من الحكومة. وقبل يومين، طرد رئيسَي إقليم كسروان ــ الفتوح السابقين سامي الخويري وروفايل مارون، لأنّهما ينشطان مع المُرشح نعمة افرام، ولكنّه يُسلّم أمره لنديم الجميّل وإيلي ماروني وسامر سعادة، الذين تتحكّم في خياراتهم مصالح محض شخصية. حريّ بأيّ رئيس حزب، لا سلطة لديه على مؤسّسته، أن يستقيل من منصبه.



لائحة واحدة لـ"المدني" في الشمال 3
بعد انفراط عقد لائحة المستقلين ــ حزب الكتائب في دائرة الشمال الثالثة، لا يزال هناك لائحة واحدة تُمثل «المجتمع المدني»، وهي تضم ممثلين عن حركة مواطنون ومواطنات في دولة ــ حزب سبعة ــ «صحّ». تضم هذه اللائحة، عن بشرّي: إدمون طوق وموريس الكوره. زغرتا: رياض غزاله، أنطونيا غمره، أنطوان يمين. الكورة: بسام غنطوس وفدوى ناصيف. البترون: ليال بو موسي وأنطوان الخوري حرب.
وقد انسحب الحزب الشيوعي اللبناني من هذه اللائحة، بعد خلافات مع حزب سبعة. وحاول أعضاء اللائحة التواصل مع رياض طوق ومروان المعلوف للانضمام إليها، من دون أن يوافقا.