خلافاً لمألوف العادة التي كانت تسود دائرة بيروت الثالثة (قبل ضمّها - وفق القانون الانتخابي الجديد - إلى دائرة بيروت الثانية)، لن تنحصِر المُنافسة الانتخابية بين فريقين ولائحتين. للمرة الأولى منذ عام ٢٠٠٥، تظهر في بيروت مناخات اعتراض متعددة الأبعاد، الأمر الذي جعل دائرة بيروت الثانية تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد اللوائح (9). البارز فيها أن أكثر المرشّحين هم عن المقاعد السنية (٤٨ مرشحاً عن ستة مقاعد، أي بمعدل ثمانية مرشحين عن كل مقعد). في صلب هذا المشهد الانتخابي الحافل، تعبير عن تقلب مزاج الناخب السُّني في بيروت، بفعل عوامل كثيرة، لا تبدأ بتراجع حضور تيار المُستقبل وترهّل هيكليته التنظيمية وابتعاد زعامته عن الناس في مرحلة من المراحل، فضلاً عن أثر «الطلعات والنزلات» السياسية من تبني سليمان فرنجية رئاسياً إلى التسوية السياسية التي أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية، وهذه الخيارات أضرّت بشعبية سعد الحريري، قبل أن تأتي عملية الاحتجاز ومن بعدها الاستقالة القسرية، لترتدّ إيجاباً على رئيس تيار المستقبل، باتساع التعاطف معه في الشارع اللبناني عموماً.

للصورة الكبّرة أنقر هنا

يُمكن مرشّحي تيار المستقبل عن هذه الدائرة، وبينهم وزير الداخلية نهاد المشنوق، اعتبار ارتفاع عدد اللوائح، أمراً جيداً ومؤشراً على التنوع في هذه البيئة. لكن الحديث تحديداً عن بيروت الثانية لا بد أن يقودنا إلى أمر مهم. عُرفاً، بيروت الثانية حيوية جداً لتيار المستقبل. هي معقله وقلعته وعاصمته التي لطالما احتكر تمثيلها منذ عام 2005 حتى الآن، لكن منذ خروج الحريري من رئاسة الحكومة في مطلع عام 2011، بدأ الخط البياني بالانحدار. لم تتمكن قيادة تيار المستقبل من الإجابة عن تساؤلات جمهورها وانزعاجه وغضبه، حتى بات العنوان الوحيد الذي يحمله أهالي بيروت هو «المظلومية»، في السياسة والخدمات... والمعنويات.

حالة فراغ سياسي
لن تكون هذه المرة، معركة دائرة بيروت الثانية عبارة عن نزهة ربيعية سهلة. قياساً إلى عدد اللوائح والمرشّحين، ستشهد هذه الدائرة منافسة غير مسبوقة منذ عام 1992 تاريخ أول انتخابات بعد الطائف.
يُمكن أن تصِل نسبة الاقتراع هذه المرة إلى ٤٥% في حدّ أدنى

هكذا يفسّر عدد من المتابعين لسير العملية الانتخابية معنى أن يصِل عدد اللوائح فيها إلى تسع لوائح. برأي هؤلاء، إن منسوب التنافس المرتفع تعبير عن وجود فراغ سياسي يحتاج إلى من يملأه. اتساع حالات الاعتراض دفعت كُثراً إلى التجرؤ على الترشح ضد لائحة سعد الحريري. المفارقة أن عدداً كبيراً، ولا سيما من المرشحين السُّنة، كانوا في تيار المستقبل، أو ممّن يدورون في فلكه. رئيس تحرير صحيفة «اللواء» صلاح سلام، مثال أول وأشرف ريفي (لائحته البيروتية) مثال ثانٍ. كذلك، إن جزءاً كبيراً من المرشحين هم أبناء عائلات بيروتية، لطالما غيّبها الحريري عن لوائحه.
ويقول آخرون إن «مجرّد الحديث عن ٩ لوائح في دائرة مثل بيروت، يعني انتفاء قوة الجذب المركزية التي يُمكن الركون إليها».
برأي قيادات بيروتية معترضة، أن الجهة التي مثّلت العاصمة طوال ربع قرن «لم تُعد صالحة، ولا تعكُس تطلّعات أبناء بيروت، وكثيرون منا يرون في القانون النسبي فرصة للتخلص من أُحادية تيار المستقبل والحريرية السياسية».

لوائح وازنة ولوائح قيد الاختبار
المستقبل لبيروت. البيارتة المستقلون. المعارضة البيروتية. بيروت الوطن. صوت الناس. كرامة بيروت. كلنا بيروت. لبنان حرزان. وحدة بيروت. ٩ لوائح تضم ٨٤ مرشحاً (نصفهم سُنّة) عن ١١ مقعداً. وهو رقم بارز قياساً للمعركة التي حصلت عام ٢٠٠٩. بالمقارنة مع الانتخابات السابقة، الفروقات كثيرة:
أولاً، تجري الانتخابات اليوم في بيروت الثانية (الثالثة سابقاً)، إضافة إلى محلّتي الباشورة والمرفأ.
ثانياً، تنافست في عام 2009 لائحتان مكتملتان، هما: لائحة فريق الرابع عشر من آذار، بقيادة تيار المُستقبل. ولائحة فريق ٨ آذار التي خاضت المعركة بعنوان «قرار بيروت الوطني». آنذاك، وصلت نسبة الاقتراع في هذه الدائرة إلى ٤١ في المئة. حصلت لائحة الحريري على ٧٨٠٠٠ صوت، مقابل ٢١٧٠٠ صوت للائحة المُقابلة. فيما حصَد المُستقلّون ٤٠٠٠ صوت. بحسب أحد استطلاعات الرأي، يُمكن أن تصِل نسبة الاقتراع هذه المرة إلى ٤٥ في المئة، كحدّ أدنى.
وفق نسبة تصويت كهذه، ستحصل لائحة المستقبل على ستة مقاعد، فيما ستحصل لائحة الثنائي حركة أمل وحزب الله على ٤، بينما ستكون المعركة محصورة بين كل اللوائح على المقعد الحادي عشر (سُني على الأرجح).
وفيما تتصدر لائحتا «المستقبل لبيروت» و«وحدة بيروت» قائمة اللوائح بحسب موازين القوى الانتخابية، تعتبر بعض مراكز الدراسات أن هناك لوائح «خارج المنافسة أصلاً» لصعوبة قدرتها على تحقيق حاصل انتخابي ومنها: كرامة بيروت، كلنا بيروت، لائحة البيارتة المستقلين، والمعارضة البيروتية.
أما نسبة الاقتراع المحتملة في بيروت الثانية، حسب الطوائف، فيرجَّح أن تكون على النحو الآتي:
- السُّنة (٤٧ إلى ٤٨%)
- الشيعة (45 إلى 47%)
- الدروز (٥٥%)
- الموارنة (١٩ إلى ٢٠%)
- الأرثوذكس (٣٧ إلى ٤٣%)
- الكاثوليك (١٨ إلى ٢٠%)
الأرمن الأرثوذكس (١١ إلى ١٣%)
الأرمن الكاثوليك (١٣ إلى ١٥%)
الإنجيليون (١٨ إلى ٢٠%)
الأقليات (١٥%)
وتعود نسبة الاقتراع المتدنية لدى الطوائف المسيحية إلى عدة عوامل، بحسب خبراء انتخابيين:
١- عدم وجود حافز لدى المسيحيين بإمكان حصولهم على حاصل انتخابي لمقعد واحد. إضافة إلى تشتت الأصوات بين المتنافسين واللوائح، وهذا يؤدي إلى صعوبة حصول أي مرشّح مسيحي على حاصل انتخابي يؤمن له مقعداً.
٢- نسبة الزيادة في عدد الناخبين المسلمين سنوياً بين ٢ و ٢.٥ في المئة. بينما تتدنى نسبة الزيادة عند الناخبين المسيحيين لتصل إلى نحو واحد في المئة.