فرضت طبيعة العلاقة السيئة بين «جيش الإسلام» وباقي الفصائل المسلحة صاحبة النفوذ في إدلب ومحيطها، تعقيدات في وجه قبول الفصيل لتسوية تتضمن خروج مقاتليه من مدينة دوما. ولم يكتب لمسار التفاوض الذي أطلقه الجانب الروسي، النجاح، برغم أنه بدأ في وقت سابق عن محادثات حرستا وعربين، وتضمن دخولاً للمساعدات الأممية وإجلاء حالات صحية طارئة، إلى جانب خروج آلاف المدنيين عبر مخيم الوافدين. وحتى مساء أمس، كانت المعطيات تشير إلى أن الجيش السوري يُعدّ لحسم ملف الجيب الأخير المسلّح في الغوطة الشرقية، بعمل عسكري، بعد تعثّر مسار التفاوض. وكان ينتظر أن يعقد لقاء بين الجانب الروسي وممثلين عن «جيش الإسلام» أمس، للتوصل إلى قرار نهائي بشأن البنود الخلافية التي جرى التفاوض عليها خلال الأيام الفائتة.

عدد من المسؤولين في «جيش الإسلام» أشاروا إلى أنهم قدّموا للطرف الروسي عرضاً للتسوية، يتضمن بقاءهم في مدينة دوما، موضحين أن الجانب الروسي كان قد خيّرهم بين التسوية أو مواجهة الخيار العسكري. ويزيد تعنّت الفصيل المسلح الأخير في الغوطة، ورفضه الخروج من المدينة، احتمالات التحوّل من طاولات التفاوض إلى الميدان، لحسم الملف خلال فترة قصيرة، خاصة أن الجانب الحكومي أبدى رفضه لخياري بقاء المسلحين في المدينة أو خروجهم نحو المنطقة الجنوبية. وانعكس التعثّر في سياق التفاوض على الوضع داخل دوما، إذ أفادت مواقع معارضة بخروج احتجاجات شعبية تطالب «جيش الإسلام» بحسم ملف التسوية وتجنّب احتمال العمليات العسكرية. التحرك الشعبي متوقع في دوما، خاصة أن عدداً كبيراً من المدنيين راهن على صفقة تبقيهم في منازلهم، وهذا ما جعلهم يرفضون الخروج عبر مخيم الوافدين إلى مراكز الإقامة المؤقتة. وفي محاولة لتخفيف زخم الاحتجاج وتأثيره، نشرت الصفحات الرسمية للفصيل صوراً لزيارة قائد «جيش الإسلام» عصام بويضاني عدداً من أحياء المدينة وساكنيها، وذلك لـ«توضيح آخر المستجدات على الصعيد الداخلي». ومن شأن تحوّل كفة الميزان إلى الميدان، أن تدفع العديد منهم إلى محاولة الخروج من المدينة أو الضغط على قادة المسلحين، ولا سيما أن أي عمل عسكري سيترافق بتصعيد في الغارات الجوية والاستهدافات المدفعية، على غرار ما جرى في بلدات أخرى من الغوطة. وساهمت سرعة دخول حرستا وعربين ومحيطها في إطار التسويات من ضيق الخيارات والوقت لدى «جيش الإسلام»، الذي سبق أن حاول مع «فيلق الرحمن» و«أحرار الشام»، بتسهيل من جهات إقليمية، التواصل مع الوفود الأعضاء في مجلس الأمن برسالة مشتركة، لشرعنتهم كطرف في الهدنة الأممية المفترضة، التي لم تجد طريقاً إلى التطبيق.

يلتقي ستيفان دي ميستورا وزير الخارجية الروسي في موسكو


التعقيدات في ملف دوما، لم تحضر في بلدات ببيلا وبيت سحم وجوارهما، إذ يقود وفد مكون من وجهاء محليين ورجال دين، مسار التفاوض مع الجانب الروسي، للتوصل إلى تسوية تتيح ترحيل المسلحين الرافضين للمصالحة إلى الشمال السوري، وعودة سيطرة الحكومة على المنطقة. الضغط الروسي ــ الحكومي لإنجاز التسوية هناك، ينطلق من قرب تحرك عسكري ضد «داعش» في حيّ القدم ومخيم اليرموك والحجر الأسود. وسيتيح حسم ملف ببيلا وبيت سحم، حصار التنظيم ومنعه من التمدد على حساب الفصائل المسلحة شرقاً، نحو محيط طريق المطار. وشهد محيط منطقة القدم وصول تعزيزات عسكرية للجيش السوري، في ما بدا أنه تحضير لإطلاق تحرك عسكري باتجاه المواقع التي دخلها «داعش» قبل مدة قصيرة. وفي موازاة التطورات في ملف التفاوض، نقلت وكالة «سانا» عن مصدر عسكري، قوله إن عدد المدنيين الخارجين من مناطق الغوطة عبر «الممرات الإنسانية»، وصل إلى أكثر من 128 ألف مدني. وجاء ذلك في وقت تواصلت فيه عملية إجلاء المدنيين والمسلحين من مدينة عربين إلى المنطقة الشمالية. وشهد أمس، تحضير 89 حافلة تقل 5290 شخصاً بينهم 1374 مسلّحاً، تمهيداً لنقلهم إلى إدلب، فيما أعلنت الأمم المتحدة أنها تحضّر لإدخال قافلة مساعدات إنسانية إلى مدينة دوما «فور الحصول على جميع الموافقات والضمانات للدخول والخروج»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن الوضع هناك «متغير».
التطورات الأخيرة التي تنتظر الحسم خلال الأيام القليلة المقبلة، تأتي قبل أيام على قمة رئاسية ثلاثية، روسية تركية إيرانية، تستضيفها تركيا في الرابع من نيسان المقبل. ومن شأن اللقاء المنتظر أن يكشف عما تحضّر له الدول الضامنة الثلاث، لدعم مساري المحادثات في أستانا وسوتشي. وكما جرت العادة قبل اللقاءات المهمة بين هذه الدول، يفترض أن يناقش المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، اليوم، مع وزير الخارجية سيرغي لافروف، في موسكو، تطورات الوضع في سوريا. وجاء ذلك في وقت جددت فيه تركيا تحذيرها من أنها ستتحرك عسكرياً إذا لم ينسحب مقاتلو «وحدات حماية الشعب» الكردية، من منطقة منبج، ومناطق في شرق نهر الفرات.