رغم أن ستة أسابيع تفصلنا عن موعد الانتخابات النيابية، ورغم أن لا أحد يمكن أن يتوقع نتائج مسبقة لما قد تسفر عنه التحالفات الهجينة التي صيغت في اللحظات الأخيرة، إلا أن كلاماً سياسياً بدأ بجدية حول مرحلة ما بعد هذه الانتخابات والمفاوضات لتشكيل الحكومة.

مردّ هذا الكلام يعود إلى طبيعة ما حصل خلال نقاشات القوى السياسية لتشكيل لوائحها، والنتائج التي خلصت إليها، ليس فقط لناحية شكل اللوائح، بل أيضاً للضربات التي تلقتها بعض القوى السياسية من قوى حليفة. إذ تسمي شخصية مطلعة ما حصل بالـ«خدع» تحت الطاولة، لتأمين وصول مرشحين على حساب تحالفات واتفاقات كان يفترض أن تكون مبدئية، على غرار ما حصل في البقاع الغربي والشوف ودائرة الشمال الثالثة، كنماذج فاقعة عن غياب المواثيق السياسية التي ظلت سائدة في لبنان، رغم كل الانقسامات السياسية.
يمكن وفقاً لذلك، استخلاص عبر كثيرة، حول طبيعة العلاقات السياسية بين التيارات والقوى الأساسية، سواء تلك التي قامت بضربات مبطنة ومكشوفة لحلفاء لها، أو تلك التي تلقت تبعات النهج القائم حالياً لدى بعض أهل السلطة والحكم، في انتزاع أكبر قدر ممكن من المقاعد النيابية، ولو على حساب الأخلاقيات والأعراف. وهذا يؤدي إلى خلاصات أولية:
ينتظر رئيس الحكومة سعد الحريري، نتائج الانتخابات، لسبب يتعدى تأمين فوز كتلته، وتأكيد مرجعيته، التي لأجلها انقلب على المرحلة السياسية الممتدة من 2005 إلى 2018، مهما حاول اليوم استخدام شعارات مطاطة ومبالغ فيها. ما ينتظره الحريري هو تتمة لما لم يقم به منذ أن عاد مستقيلاً من زيارته للسعودية. أي إنه سيردّ اعتباره في تشكيل الحكومة، حيال طرفين: القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي.
يتقاسم الحريري مع التيار الوطني الحر، رغبة مبيتة في فرط حصة القوات، لأن خروجها من الانتخابات بكتلة نيابية صغيرة، يعني خفض حصتها في الحكومة، وحكماً عدم إعطائها حقيبة سيادية، أو منصب نائب رئيس الحكومة الذي يتردد منذ الآن أنه بات محسوماً بين المستقبل والتيار الوطني الحر. علماً أن جوائز ترضية كثيرة باتت قيد التداول كحقائب وزارية لشخصيات في فريق الحريري والعهد لم تترشح، وكلام عن إبعاد لشخصيات وزارية حالياً لم تكن على مستوى ما هو مطلوب منها. وإذا كان طموح الحريري إخراج القوات من المعادلة السياسية، وهو الذي أُجبر مكرهاً على تحالف مشروط في دائرتين معها فحسب، فإنه أيضاً يستفيد من تضعضع نفوذ جنبلاط، وقد بدا واضحاً حجم الافتراق بينهما في الأيام الأخيرة والكلام الذي يقال في صالوناتهما السياسية، بما يتعدى الخلاف حول ترشيحات الشوف والبقاع الغربي. وهو إذ يحاول الإفادة من التيار الوطني لضرب النفوذ القواتي، يسعى أيضاً إلى التلطي به للتضييق على جنبلاط، رغم علمه بخصوصية الأخير وبأنه يضرب أحد ركائز النظام الحالي، من دون أن ننسى المفاوضات الشاقة مع جنبلاط حول تشكيل الحكومة الحالية والسعي أكثر من مرة الى عدم إعطائه حقائب وازنة.

بري، لألف سبب وسبب، لن يستغيب القوات كرمى لعيون التيار


وفيما يغامر الحريري كما أصبح معتاداً بإطاحة إرث سابق، وضرب حلفائه، مزكياً تفاهمه مع التيار الوطني، فإن التيار أيضاً، من خلال مروحة التحالفات التي قام بها، يوسّع إطار تفاهماته، مبتعداً قدر الإمكان عن القوات التي لم يلتقِ معها في أيٍّ من الدوائر، كما مع جنبلاط. والحريري والتيار إنما يسعيان معاً، ليس إلى تعزيز حصصهما، بقدر السعي إلى فرط حصص الآخرين. وهذا يجعل تاريخ 7 أيار مفصلياً، لأن النتائج ستحدد حجم كل فريق سياسي، وتحدد أيضاً تعامل الثنائي حزب الله وحركة أمل مع ما يجري.
إذ ليس من الواقعية أن يتصرف قطبا العهد والحكومة، وكأن لا شريك ثالث لهما، ويتصرفا على أساس أن حكومة العهد الأولى بعد الانتخابات، وكأنها حكومتهما وحدها، بدليل ما بدأ يتسرب من وعود أُعطيت واتفاقات سياسية جانبية حول الحكومة المقبلة. فبري وحزب الله لن يتخليا عن جنبلاط، وبري لألف سبب وسبب، لن يستغيب القوات كرمى لعيون التيار، وهو الذي خاض معها معركة قانون الانتخاب. ولن يكون بري وحزب الله متفرجين، في عملية توزيع الحصص «نسبياً» بين القوى السياسية، ومحاولة تشكيل حكومة غير متجانسة وغير وطنية. فالثنائي أيضاً ينتظر ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات كي يبني على الشيء مقتضاه، في تحديد حجمي التيار الوطني والحريري الصافيين. ووفق هذه النتائج يتصرف بري والحزب، في تحديد مسار الحكومة والعهد.
مطبات كثيرة ستكون على طريق تأليف الحكومة. شكلها الذي قد يشبه المجلس الجديد قياساً إلى نوعية اللوائح الخليطة. وتمثيل القوى فيها، وفصل النيابة عن الوزارة، وفي هذه النقطة كثير يقال منذ الآن. فإذا كان حزب الله قد حسم سلفاً اسم الوزير محمد فنيش غير المرشح، الوزير الوحيد المعروف رسمياً حتى الآن، فإن التيارات الأخرى، لم تحسم خياراتها. فهل يمكن أن تطبق فصل النيابة عن الوزارة على رئيس الحكومة، وهل يمكن أن يطبق على رئيس التيار جبران باسيل ووزير الطاقة سيزار أبو خليل في حال فوزهما بالنيابة؟ وإذا ما استُثني أحدهما وأُعطي حقيبة وزارية، فكيف يمكن إقناع نواب التيار الآخرين المنتظرين دورهم، باستثنائهم من الحكومة؟ علماً أن لدى التيار تحدياً لتأليف كتلة وزارية «مقاتلة» تقف إلى جانب رئيس الجمهورية، وكيفية اختيار وزرائها، تماماً كما كانت حاله مع الترشيحات النيابية، عندما اضطر إلى توسيع قاعدة المرشحين، ليصبحوا في قسمهم الأكبر من غير المنضوين في صفوف التيار.