شهدت الأيام الماضية بعض التساؤلات بشأن غياب أسماء الشركات والمصارف الغربية الكبرى، وحيتان الأموال وأصحاب الأعمال الكبار، عن التقارير التي أعدّتها المؤسسات الإعلامية التي استلمت وفرزت وتحققت من "أوراق باناما"، إذ أقل ما يقال في الأمر إن من المثير للريبة أن يكون مبلغ 2 مليار دولار (لأصدقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين) هو أكبر رقم تظهره التحقيقات في وثائق سرّبت من رابع أكبر مركز لتقديم خدمات "الأفشور" (موساك فونسيكا) في العالم، بينما تقدر المبالغ المخبأة في "قطاع الأفشور" بما بين 7.8 ترليونات (أقل تقدير) و13 ترليون دولار.
صُوِّرت قضية "الأوفشور" (من جانب وسائل الإعلام التي قدّمت أوراق باناما) على أنها قضية فساد تورط فيها سياسيون ومشاهير للتهرّب من دفع الضرائب، أو لتجنب الإعلان عن ثرواتهم كاملةً، فيما هي قضية من صلب الأزمة الاقتصادية العالمية، وترتبط بزيادة التفاوت الطبقي بين طبقة الـ"0.1%" وعامّة الناس. كما ترتبط بعجز الحكومات واضطرارها للاستدانة، فيما توجد كميّات هائلة من الثروة في أيدي أقلية من مواطنيها.
تُؤسس شركات الـ"أوفشور" (مصطلح يعني: خارج الأراضي/خارج الحدود القانونية لدولة ما)، في بلاد تعد "ملاذات ضريبية" للتهرّب من دفع الضرائب على الأرباح، أو لإخفاء ثروات خاصة، وتبييض الأموال (إلى جانب أعمال أخرى). وشركة الـ"أوفشور" هي شركة مسجلة في بلد لا يكون المالك مقيماً فيه، لكن وبخلاف فروع المؤسسات الدولية، فإن شركات "الأوفشور" لا تمارس أي نشاط اقتصادي في البلد الذي تتخذه مقرّاً لها. وفيما تجعل شركات كـ"آبل" أو "غوغل" أو "فايسبوك" من الملاذات الضريبية مقارّ لها، تتهرّب عبرها من دفع الضرائب للبلاد التي تأتي منها أصلاً، يُنشئ آخرون شركات وهمية، لا وجود لها إلّا على الورق، يمكنها أن تحتوي شركات أخرى (وهمية أوحقيقية). ويصعب تحديد هوية أصحاب هذه الشركات الحقيقيين، فيما يسهل فتح الحسابات المصرفية، ونقل الأموال، والأملاك، بين الشركات وحساباتها.
الاقتصادي الأميركي، جايمس هنري، يقول، في تقرير أعدّه عام 2012: "بدأ يعي البعض، خلال سبعينيات القرن الماضي، أن نسبة متزايدة من الثروة والدخل الخاص باتت مخبأة في الخارج تحت حماية عصابات من المتخصصين كالبنوك الخاصة، ومكاتب المحاماة، وشركات في قطاع الاستثمار وغيرها".

تمثّل الأوفشور مجموعة من القدرات والأدوات لإدارة الثروات الخاصة

ويشير هنري إلى أن "الأوفشور" لا يمثّل مكاناً جغرافياً حقيقياً، وأملاكا بل هي "مواقع سريعة التنقّل ــ تكون غالباً مؤقتة ــ من الشبكات القانونية (وشبه القانونية)، والكيانات، والترتيبات التي تدير وتتحكم في الثروات الخاصة لمصلحة الذين يديرونها، ومصلحة المالك الحقيقي أيضاً، في جو من اللامبالاة أو التحدي الصريح للدول ومصالحها العامة". وبذلك يمكن القول أن "الأوفشور" هي عبارة عن مجموعة من "القدرات والأدوات لإدارة الثروات الخاصة".
وقدّرت الدراسات أنه في 2010، كان أكبر 50 مصرفاً في العالم يديرون حوالى 12.1 تريليون دولار من الاستثمارات العابرة للحدود لزبائنهم، تتضمن صناديق ائتمانية ومؤسسات (فيما كان المبلغ حوالى 5 تريليونات عام 2005). ويقدّر الاقتصادي الفرنسي غابرييل زوكمان أن 8% على الأقل من الثروة المالية في العالم موجودة في الملاذات الضريبية.
وفي دراسة أعدّتها "شبكة العدالة الضريبية"، شملت 139 دولة (أغلبها من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض) ظهرت العلاقة بين الدين العام لتلك الدول، وتزايد تركّز الثروات ــ المنتشرة في الملاذات الضريبية في شبكات معقدة من الشركات الوهمية والحسابات السريّة ــ في أيدي رأسماليي تلك البلاد. ووجدت الدراسة أن النخب الرأسمالية (مع مساعدة من بنوك الاستثمار العالمية، قد تكون أحياناً غير قانونية) تمكّنت من تجميع ما بين 7.3 تريليونات و9 تريليونات دولار (2010)، فيما كانت العديد من بلادهم تراكم ديوناً لسد العجز الذي بات يهددها بالإفلاس. وتشير الدراسة إلى أن مجموع الثروات الخاصة، المخبأة في الملاذات الضريبية، يمكنها سد الديون في تلك الدول، وخلق فائض بحوالى 2 تريليون دولار. ومن هذا المنظور تعد تلك الدول الغارقة في الديون، دولا دائنة لا مستدينة، ولكن في ظل التناقض المنبثق عن التركيبة القائمة، تقع الثروة والفائض في يد الأقلية، فيما يقع عبء الديون على الأشخاص العاديين.
ومن هذا المنطلق، يرى زوكمان في كتابه "ثروة الأمم المخبأة"، أن لتهرّب الشركات الكبرى ومالكي الثروات من الضرائب علاقة مباشرة بتزايد التفاوت الطبقي واللامساواة في توزيع الثروات. يقول زوكمان: "عندما تتهرب الشركات الكبيرة من النسب الضريبية العالية إلى المنخفضة، تزيد نسب الضرائب على الشركات الصغيرة". وفي حديث مع "نيويورك ماغزين" يشرح زوكمان أن "المسألة ليست بديهية، ولكن تأثير التهرّب من دفع الضرائب على اللامساواة كبير جداً، وقد يتفاقم بالمستقبل"، مضيفاً: "السبب هو انتقال العبء الضريبي" من الأثرياء إلى الأشخاص العاديين. فمعدّل الضريبة الفعلي على الثروة ورأس المال "أحد العوامل الأهم في تحديد اللامساواة في توزيع الثروات على المدى البعيد"، بحسب زوكمان. معدل العائدات ما بعد الحسم الضريبي على الثروة يصبح أعلى من معدّل العائدات ما بعد الحسم الضريبي على عائد العمل، ولذلك من الطبيعي أن تتراكم الثروة في أيدي الأقلية.
فيما تسعى بحوث الاقتصاديين وسياساتهم المقترحة، اليوم، في أغلبها، إلى تعديل النظام الرأسمالي واحتواء الأزمات الراهنة التي تتهدد بنيته، يمكننا التماس حجم هذه الأزمة من كثرة كلامهم عن اللامساواة، وهو المفهوم الذي كان قبل صدور كتاب الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، "رأس المال"، منبوذاً تماماً في أوساط الاقتصاديين الليبراليين، الذين يعدون اللامساواة أمراً طبيعياً وحافزاً للإبداع والإنتاجية. ومن هذا المنطلق نجد أن مشكلة التهرّب الضريبي ليست خرقاً للنظام الاقتصادي الرأسمالي من قبل "انتهازيين" أو "فاسدين"، كما يصوّرها باحثون اقتصاديون وسياسيون وصحافيون، إذ إنها عمليات قانونية تماماً في أغلبها، بل هي أزمة منبثقة عن بنية النظام الرأسمالي القائم في صورته الحالية.



الولايات المتحدة تحصد المليارات؟


قال الاقتصادي الألماني أرنست وولف، في حديث إلى وكالة "سبوتنك" الألمانية إنه بعد فضيحة بنما، قد تجني الولايات المتحدة تريليونات الدولارات في خلال عملية "إعادة توجيه التدفقات المالية" إلى ولايات أميركية تسعى الآن إلى أن تصبح "ملاذاً ضريبياً جديداً".
ورأى وولف أن فضيحة بنما لن تنهي وجود مناطق جذابة "للأوفشور"، بل ستعيد توجيه التدفقات المالية إلى مناطق أخرى، قد تشكّل بعض الولايات الأميركية التي تطبّق السرية المصرفية مراكز أساسية لها.
وأشار وولف إلى أن "الفضيحة لم تمسّ أي شركة أميركية، ولذلك قد تكون جزءاً من استراتيجية أميركية". وذكّر وولف بأن الولايات المتحدة تمكّنت مسبقاً من تقويض مبدأ سرية الودائع في سويسرا، إذ باتت اليوم ملزمة بتقديم كل ما تطلبه السلطات الأميركية من معطيات عن المواطنين الأميركيين، كما حصل مع دول أخرى.