توخياً للدقة، لم يرجِّح رئيس أركان جيش العدو، غادي أيزنكوت، احتمال نشوب حرب، بل تحدث عن ارتفاع نسبة احتمال نشوبها بالقياس إلى السنوات الثلاث السابقة. أشار إلى إمكانية الحؤول دون تحققها في سياق الحديث عن إمكانية اضطراره «إلى قيادة الجيش في الحرب»، مؤكداً، في الوقت نفسه، أنه يبذل جهوداً «لمنع هذا». وربطها ايضا بخطأ في تقدير أحد الأطراف، أو حدوث أزمة كبرى في المنطقة.

مع ذلك، فقد بدا حرص أيزنكوت بارزاً جداً في التجاهل والتخفيف من مفاعيل هذه الحرب مع حزب الله على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. لكنه تعمّد الإسهاب في شرح الكثير من التفاصيل عمّا سيكون عليه لبنان في أعقاب هذه الحرب وما سيجري خلالها من دمار. وعمد رئيس أركان جيش العدو من خلال ذلك إلى تحقيق هدفين: الأول، محاولة تعزيز قدرة الردع الإسرائيلية التي باتت أكثر من ضرورية لمواجهة مفاعيل انتصار محور المقاومة في الساحة السورية، وأيضاً، بهدف محاولة تحصين الجمهور الإسرائيلي والحدّ من مفاعيل الرعب الذي يسكن وجدانه بفعل الصورة المتبلورة في أذهان الإسرائيليين عن قدرات حزب الله التدميرية الهائلة، وهو ما برز بنحو صريح في كلامه عن اعتقاده بضرورة «عدم تخويف الشعب الإسرائيلي كل يوم بسيناريوات رعب جديدة».
لم يختلف تقدير أيزنكوت عن تقدير شعبة الاستخبارات العسكرية («أمان»)، الذي قدمته إلى المجلس الوزاري المصغر مطلع السنة الجارية. لكن يمكن القول إن التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية في الأشهر الماضية، عززت هذا التقدير لدى المؤسستين الأمنية والسياسية في تل أبيب، خاصة في أعقاب الرسائل التي ينطوي عليها إطلاق سوريا عشرات الصواريخ فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإسقاط طائرة أف 16، في العاشر من شباط الفائت، إضافة إلى مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني وما قد يترتب عنه من تداعيات إقليمية.
مع ذلك، لم ينبع التقدير الذي قدَّمه أيزنكوت، وقبله الاستخبارات العسكرية، من فراغ. بل تبلور نتيجة فشل تل أبيب ــ حتى الآن ــ في فرض معادلتها على الساحة السورية ــ وفق السقف الذي تطمح إليه ويجسّد مصالحها الاستراتيجية ــ على المستويين السياسي والميداني. وباتت ضرورة هذا المطلب أكثر إلحاحاً بمعايير الأمن القومي الإسرائيلي، في أعقاب فشل الرهان على الجماعات الإرهابية والتكفيرية، الأمر الذي وضع إسرائيل أمام بيئة إقليمية بدأت إسرائيل تتلمس عملياً مفاعيل تعاظم محور المقاومة في مختلف الساحات. وهو ما دفع أيزنكوت إلى وصف هذه البيئة، خلال مراسم تعيين رئيس «أمان» الجديد قبل أيام، بـ«الغموض الإقليمي». وقبله بأسابيع، وصف تقدير الاستخبارات السنوي العام الجاري بأنه عام «اليوم الذي يلي»، في مختلف الساحات الإقليمية، من ضمنها سوريا. هذا التراجع في الوصف إلى «الغموض» (في أقل التعابير) يأتي بعد الأحلام الوردية التي راودت القادة الإسرائيليين بشأن سوريا في مرحلة «ما بعد سقوط الرئيس بشار الأسد»، وما سيكون عليه وضع حزب الله الاستراتيجي في أعقاب ذلك. وأسهب الخبراء والمعلقون والمسؤولون في حينه، في شرح معالم البيئة الإقليمية التي ستتبلور لمصلحة إسرائيل والمعسكر الغربي. وينطوي وصف الغموض على إقرار ضمني بأن المستقبل مفتوح على كافة الاحتمالات. وينطوي أيضاً على قدر من التواضع لجهة تجنبه الترويج لتفاؤل مصطنع، والتورط في الترويج لانتصارات وهمية، لاحقة.
الواقع الجديد في الساحتين السورية والإقليمية وضع الكيان الإسرائيلي أمام محطة مفصلية تفرض عليه إعادة تقويم السياسة العملانية التي يتبعها، وهو ما قد يفتح أمام صانع القرار السياسي والأمني مروحة خيارات. ونتيجة إدراك العدو الإسرائيلي أن محاولات الارتقاء وتوسيع نطاق اعتداءاته، بهدف تغيير المعادلة الإقليمية سيستدرج بالضرورة ردوداً تناسبية بهدف منعه من تحقيق ما عجزت عنه الجماعات المسلحة والإرهابية، يواصل المسؤولون الإسرائيليون ــ وسيستمرون في ــ توجيه الرسائل التهويلية، وإجراء الاتصالات المكثَّفة مع واشنطن وموسكو، وتنفيذ المناورات العسكرية.
في حال الاقتصار على شرح الدوافع الإسرائيلية لتغيير المعادلة الإقليمية جذرياً، التقدير الطبيعي الذي سيترتب عن ذلك، هو ترجيح الحرب إلى حد كبير، بل سيصبح السؤال المطروح: لماذا لم تنشب حتى الآن؟ في المقابل، في حال الاقتصار على شرح نتائج أي حرب إقليمية وتداعياتها، أياً كانت ساحة بدايتها، التقدير الطبيعي في مثل هذه الحالة أنّ من الصعب أن تجرؤ المؤسستان السياسية والأمنية في تل أبيب، على اتخاذ قرار شنّ حرب في المنطقة. من هنا، إن ما نشهده من مواقف وتقديرات إسرائيلية، هو نتيجة حالة التجاذب بين دوافع الحرب وكوابحها.

تسعى تل أبيب إلى «توريط» واشنطن في المهمات التي تتخوف من تنفيذها


في هذه الأجواء، يسعى كل من الأطراف إلى محاولة فرض المعادلة التي يطمح إليها من دون التدحرج نحو حرب. من جهة، تسعى إسرائيل إلى قطع الطريق على تبلور وتكريس مفاعيل انتصار محور المقاومة في سوريا بما يعزز قوة ردعه الإقليمي، وفي الوقت نفسه من دون أن تضطر إلى خوض الحرب. لذلك، إن مفهوم الهدوء الذي تتبناه القيادة الإسرائيلية هو أن تملك هامش الاعتداء، وفي الوقت نفسه التهويل لردع الأطراف المقابلة عن الرد. وفي هذه المحطة بالذات، تحضر امكانية الخطأ في التقدير الاسرائيلي الذي أشار اليه عموماً، ايزنكوت.
في المقابل، يسعى محور المقاومة في سوريا ولبنان إلى تعزيز قوة ردعه في مواجهة إسرائيل واعتداءاتها، مع محاولة تجنب التدحرج نحو مواجهة عسكرية واسعة. والمنطقي، بل البديهي، أن من قدَّم كل هذه التضحيات في معركة الدفاع عن سوريا ولبنان والمقاومة في مواجهة وُسِمَت ــ زوراً ــ بطابع مذهبي كجزء من متطلبات المعركة وأدواتها، الأَولى أن يكون أكثر استعداداً وتحفزاً لخوضها في مواجهة إسرائيل في حال فرْضِها.
ضمن هذا الإطار، تأتي سلسلة الرسائل التهويلية التي وجهها أيزنكوت بنحو مدروس في كل مقابلاته مع وسائل الإعلام الإسرائيلية، بمناسبة عيد الفصح. بما فيها حديثه عن ارتفاع إمكانية الحرب والسعي إلى محاولة تجنبها. إضافة إلى حديثه المُركز عن الاستهداف الشامل لحزب الله، وصولاً إلى حالة الدمار التي ستعمّ لبنان في حال نشوب حرب واسعة. ولكن أيضاً إدراكاً من أيزنكوت ومن بقية القادة الإسرائيليين، للضربات القاصمة التي ستتعرض لها إسرائيل في منشآتها الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية، والرعب الذي يسكن صناع القرار من النتائج والتداعيات التي ستترتب عن هذه الحرب على المستويين الإقليمي والداخلي الإسرائيلي، تسود حالة تردد وانكباح ــ حتى الآن ــ في خوض مغامرات عسكرية واسعة. بل حرص أيزنكوت، كما ورد أعلاه، على تأكيد سعيه إلى منع نشوب هذه الحرب، وبالتأكيد ليس تعففاً أو نتيجة قلقه على لبنان، بل لأنه أكثر من يدرك في إسرائيل ما سيحلّ بجبهتها الداخلية وتداعيات ذلك على مكانتها الاستراتيجية.
ويمكن القول إن نتائج تقدير الوضع الذي يُفترض أن المؤسسة الإسرائيلية أجرته في أعقاب التطورات التي شهدتها الساحتان السورية والإقليمية، والمخاوف من الأثمان الهائلة التي ستتكبدها، تدفع تل أبيب إلى محاولة توريط الولايات المتحدة في أكثر من ملف إقليمي، على أمل قيامها بالمهمات التي تتخوف من التورط فيها.