مشهد أوّل: نيويورك ـــ الخامس من شباط عام 2003. خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، أمسك كولن باول، وزير خارجية جورج بوش الابن، بأنبوب، قال إنه يحوي عيّنات من مواد يستخدمها نظام الرئيس صدّام حسين لتصنيع أسلحة الدمار الشامل. حتى اليوم، لم تقدّم الولايات المتحدة أي دليل يؤكد هذا الاتهام الذي شكّل الأساس المعلن لغزو العراق.

مشهد ثانٍ: نيويورك ـــ الرابع عشر من آذار عام 2018. خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، وجّه المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة، اتهاماً صريحاً إلى روسيا بالاعتداء على بريطانيا، عبر «تسميم» سيرغي سكريبال، الجاسوس الروسي السابق، بغاز الأعصاب. لم يحمل المندوب البريطاني هذه المرّة أنبوباً، تجنّباً لتكررا «فضحية باول»، ولكنه على خطى وزير الخارجية الأميركي الأسبق، لم يقدّم أي دليل بعيداً عن «الكليشيهات» المعهودة.
ثمة أسباب كثيرة تدفع إلى الاعتقاد بأنّ «قضية كريبال»، تأتي لخدمة أهداف سياسية تتجاوز مسرح الجريمة الملتبسة في مدينة ساليزبري، وهو ما يُظهر التصعيد الغربي الأخير، الذي سلك مساراً غير مسبوق، تمثّل في قرارات جماعية، عابرة لضفتي الأطلسي، بطرد عشرات الدبلوماسيين الروس، في خطوة ردت عليها السلطات الروسية بالمثل، من خلال طرد عشرات الدبلوماسيين الغربيين، ومن بينهم 60 أميركياً، علاوة على إقفال القنصلية الأميركية والمركز الثقافي البريطاني في مدينة سانت بطرسبورغ.
أول تلك الأسباب، لخّصه أناتولي أنطونوف، السفير الروسي لدى الولايات المتحدة، حين قال إن «خصومنا، بكل بساطة، لا يحبّذون رؤية روسية القوية».
في واقع الحال، إنّ توقيت التصعيد البريطاني ـــ الأميركي، يؤكد ما قاله الدبلوماسي الروسي، فقد كان لافتاً أن التصعيد الذي تقوده بريطانيا، ومن خلفها الولايات المتحدة، على خلفية «قضية سكريبال»، انطلق عشية الانتخابات الرئاسية الروسية في الثامن عشر من آذار، التي حقق فيها فلاديمير بوتين فوزاً تاريخياً، بنسبة تأييد ومشاركة غير مسبوقتين، يبدو أن الحملة الأخيرة على روسيا قد ساهمت فيها، بعدما «شدّت عصب» شعبٍ، ما زالت أجهزة الاستخبارات الغربية عاجزة عن فهمه.
ثاني الأسباب، يتصل بالأزمة الداخلية، التي تواجهها رئيسة وزراء بريطانيا في الداخل، مع استمرار مفاوضات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في إطار عملية «بريكست»، والتي تجعل التصعيد مع روسيا ـــ العدو التاريخي للإمبراطورية السابقة ـــ يحمل فوائد اقتصادية وسياسية متعددة، بدءاً بإعادة التموضع الاستراتيجي ضمن المعسكر الأميركي، وصولاً إلى تقويض أشكال التعاون الاقتصادي المستقبلي بين الروس والأوروبيين، خصوصاً مع بروز دعوات أوروبية إلى مراجعة سياسة العقوبات المعتمدة حالياً.
وأمّا ثالثها، فلا يحتاج المرء لاستشكافها، إلا إلى استخراج السموم التي تضمنتها مداخلة المندوبة الأميركية في مجلس الأمن نيكي هايلي، خلال الربط بين «قضية سكريبال»، وما تعتبره تغطية روسية على «الجرائم الكيميائية» في سوريا.
كل الأسباب المشار إليها سابقاً، تستلزم، بطبيعة الحال، تخشين حملة «شيطنة روسيا»، لتتناسب مع الاندفاعة الروسية المتصاعدة لاستعادة مكانتها التاريخية على الساحة الدولية، ومقارعتها للنفوذ الغربي ـــ بنسخته «الأطلسية» الأكثر توحّشاً وعدوانية ـــ في بقع كثيرة من العالم، ابتداءً بسوريا، مروراً بأوكرانيا، وصولاً إلى القطب الشمالي.
حملة «الشيطنة» تلك، تتخذ اليوم أشكالاً متقدمة، قياساً بتلك التي مارستها أجهزة الاستخبارات الغربية، وفق كاتالوغات «المحافظين الجدد» التي استخدمت لتقويض النفوذ الروسي، منذ بدء ما سُمّي «الثورات الملوّنة» في الجمهوريات السوفياتية، وصولاً إلى الأزمة الأوكرانية الأخيرة، وعودة شبه جزيرة القرم إلى «الوطن الأم».
في تلك الحملة المتجددة، تُستخدم كل الأدوات التدميرية، من التشكيك في شرعية النظام في روسيا، إلى إثارة قضية المنشطات الرياضية للاعبين الأولمبيين الروس، ومحاولات التشويش على أحداث بالغة الأهمية بالنسبة إلى روسيا ـــ معنوياً واقتصادياً وسياسياً ـــ كمباريات نهائيات كأس العالم لكرة القدم في حزيران المقبل.
كلمة السر في كل ما يحدث اليوم، هي «نوفيتشوك»، تلك المادة السامة التي تقول السلطات البريطانية إنّها استخدمت في تسميم الجاسوس الروسي المنشق، والتي يعود إنتاجها إلى أيام الاتحاد السوفياتي، حيث كانت تركيبتها توصف بأنّها «سرّ من أسرار الدولة»... مع أنها لم تعد كذلك!
وأما المقاربة المعتمدة في حملة «نوفيتشوك» (مع العلم بأنّ تلك الكلمة تعني «المبتدئ» باللغة الروسية)، فتنطلق من «سوء استخدام» بوريس جونسون لرواية «الجريمة والعقاب» للكاتب الروسي فيودر دوستوفسكي، للقول «إننا جميعاً على ثقة، في ما يتعلق بالطرف المذنب، ولكن يبقى سؤال وحيد، وهو إذا كان المذنب سيعترف بذلك، أو سيُلقى القبض عليه».
ولكن وزير الخارجية البريطاني تناسى، على ما يبدو، عبارة شهيرة وردت على لسان الكاتب الروسي الكبير، ذكّرته فيها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية حين قالت: « نحن، بخلاف بوريس جونسون، نقرأ لدوستويفسكي ونحبه ونعرفه. ولهذا أقتِبسُ بعض كلمات فيدور ميخالوفيتش: يستحيل تجميع حصان واحد من مئة أرنب، كما يستحيل وضع الدليل والإثبات من مئات الشكوك».
«مئات الشكوك»، تلك، هي جوهر الحملة المضادة، التي تخوضها روسيا للرد على المزاعم البريطانية، في جهد لم يعد يقتصر على الإعلام الروسي القريب من الكرملين فحسب، بل بات الشغل للعديد من الوسائل الإعلامية المستقلة، بما في ذلك تلك التي توصف بأنها «مصدر إزعاج».
على هذا الأساس، تواجه روسيا اليوم «أكبر عملية تلاعب بالرأي العام»، على حدّ قول ماريا زاخاروفا، في حملة دعائية ـــ دبلوماسية، يراد من خلالها، بحسب توصيف صحيفة «كومرسانت»، جعل روسيا «مسؤولة بلا شك» عن عملية تسميم سكريبال، بدلاً من أن تكون «مسؤولة على الأرجح»، وهي العبارة التي وردت على الأرجح في خطاب تيريزا ماي أمام مجلس العموم.
بشكل عام، يمكن تخليص الرد الروسي في ما قاله المشرف على مختبر الرقابة الكيميائية والتحليلية في المركز العلمي لوزارة الدفاع، البروفيسور أيغور ريبالتشينكو، للموقع الإلكتروني لقناة «زفزدا»، حين قدّم تحليلاً منطقياً، يقوّض جذور «الأدلّة» البريطانية، التي اقتصرت على سرد تاريخي لـ«تورّط» في عمليات سابقة، وتسلسل زمني لـ«قضية سكريبال»، وشرح سطحي لتأثير غاز «نوفيتشوك» في الإنسان، حتى بدت «أشبه بعرض تقديمي على الكومبيوتر لطلاب المدارس الثانوية»، ومجرّد مجموعة من «الكليشيهات الغبية» لتغذية «الروسوفوبيا»، وفقاً لتعليق الموقع نفسه.
البروفسور ريبالتشينكو أشار إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا تملكان القدرة على إنتاج «نوفيتشاك»، لكونهما حصلا على عيّنات من هذه المادة السامة. وأوضح: «لديّ نسخة مطبوعة من الدليل الموجود بمكتبة المركز الوطني للمقاييس في الولايات المتحدة، حيث يُعرَض الطيف الكتلي لهذه المادة»، متطرقاً إلى أدلة إضافية لتأكيد هذه الفرضية، وأبرزها أن التحقيق في «قضية سكريبال» أجراه الغربيون حصراً، وبالتالي إنّ الخلاصات التي يتحدثون عنها، لا يمكن الوصول إليها، ما لم يكونوا ممتلكين فعلاً لتركيبة المادة السامة نفسها.
وإذا كان بالإمكان الحصول على التركيبة، فإنّ تصنيعها سيكون ممكناً من قبل الجهات التي تمتلك البيانات الخاصة بها، بحسب ما يؤكد ريبالتشينكو، الذي يشير إلى أنّ الولايات المتحدة أنتجت بالفعل «نوفيتشوك» في أحد المختبرات في ولاية ماريلاند، مع العلم بأنها، وبخلاف روسيا، لم تدمر مخزونها الكيميائي، ولا تزال تؤجل المواعيد النهائية بذرائع لا متناهية.

قال السفير الروسي لدى واشنطن: خصومنا لا يحبّذون رؤية روسيا قوية


ويورد ريبالتشينكو ملاحظات إضافية، لدحض الاتهامات البريطانية، من بينها أن مادة «نوفيتشوك» يمكن الحصول عليها من أيٍّ من المختبرات المعتمدة من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي يوجد منها نحو أربعة وعشرون حول العالم، علاوة على اعتراف رئيس المركز البريطاني لدراسة المواد السامة في بورتون داون، في بريطانيا، غاري ايتكينهيد، بأنه أُنتجت بالفعل كميات صغيرة منها في المختبرات التابعة لهذه المؤسسة «لأغراض الحماية» (راجع الكادر أدناه)... ومن قبيل الصدفة، فإنّ المسافة الفاصلة بين هذا المختبر، ومدينة ساليزبوري، حيث سُمِّم سكريبال، هي 13 كيلومتراً فقط!
الخبير الروسي السابق في اللجنة الأممية الخاصة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية إيغور نيكولين كشف، بدوره، في حديث إلى قناة «روسيا اليوم»، عن معطى إضافي في هذا الشأن، إذ أشار إلى أن عملية إتلاف مخزون من مادة «نوفيتشوك» جرت على أراضي جمهورية أوزبكستان السوفياتية في عام 1999، تحت إشراف الولايات المتحدة، ومن دون مشاركة أي دول ثالثة.
أمّا المفاجأة المدويّة، فكانت على لسان فيل ميرزايانوف، الذي يزعم أنه كان أحد مخترعي مادة «نوفيتشوك»، والمقيم منذ فترة طويلة في الولايات المتحدة. فقد خرج هذا العالم الكيميائي إلى العلن ليردّد، عبر «صوت أميركا»، الاتهامات الغربية ضد روسيا، مع إضافة مهمة، تجنّبت وسائل الإعلام الغربية الإضاءة عليها، وهي أنه نشر شخصياً التفاصيل الفنية لتلك المادة السامة في أحد كتبه، ما يعني أن صيغتها الكيميائية باتت علنيّة، وبالتالي يمكن إنتاجها في أي مكان، غير روسيا «العارفة الوحيدة بأسراها» وفق المزاعم البريطانية.
في «قضية سكريبال» تبدو «الحجة ضعيفة» عند الغربيين، كما عنوَن كيريل كوكيشين مقاله في صحيفة «إزفستيا»، قبل أن يقتبس من ونستون تشرشل عبارته الشهيرة: «إذا كانت حجتك ضعيفة فارفع صوتك». ولكنّ «رفع الصوت» لن يحقق الأهداف المنشودة، هذه المرّة، فالأكاذيب باتت مكشوفة، فيما «كاتالوغات» الحرب القذرة، تبدو مفتقدة إلى التحديث، الذي يراعي التحوّلات العالمية التي جعلت تلك «الإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس» مجرّد خادمة عند أسياد البيت الأبيض!



«نعرف الغاز... لا مصدره»


بشكل مفاجئ أمس، أقرّ رئيس المركز البريطاني لدراسة المواد السامة في بورتون داون، في بريطانيا، غاري ايتكينهيد (الصورة)، في مقابلة مع شبكة «سكاي نيوز»، بأنّه لم يستطع تحديد ما إذا كانت روسيا مصدر غاز الأعصاب الذي استُخدم لتسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال. وقال: «تأكدنا من أنّ الغاز هو نوفيتشوك، وتأكدنا من أنه غاز للأعصاب من النوع العسكري، (ولكن) لم نتمكن من تحديد مصدره»، معتبراً أنّ الحكومة البريطانية التي حمّلت روسيا مسؤولية الهجوم استخدمت «عدداً معيناً من المصادر الأخرى للتوصل الى استنتاجاتها». وقال ايتكينهيد: «يقتضي عملنا تأمين الأدلة العلمية لتحديد نوع غاز الاعصاب هذا، لقد حددنا أنه من هذا النوع وأنه من النوع العسكري، لكن تحديد مكان تصنيعه ليس من اختصاصنا».