ككثيرين، حجز زياد، وهو أب لولدين في الصف الثالث ثانوي، مقعدين دراسيين لكل منهما قبل الظهر وبعده. الأول في مدرسة صباحية والثاني في «معهد» مسائي. يقر بأن الدروس الخصوصية ترهق ميزانيته، لا سيما أن ولديه يتابعان في المعهد، ثلاث مواد: اقتصاد ورياضيات وفيزياء، بكلفة 50 ألف ليرة لكل مادة، أي ما مجموعه 200 دولار شهرياً. لكن، «لا غنى عن هذه الدروس في المواد الأساسية في هذه السنة الدراسية الحاسمة، لأن بعض المعلمين لا يوصلون المعلومات بطريقة صحيحة، ولا أريدهما أن يعيدا السنة».

لم يعد الأهالي يلجأون، كما في السابق، إلى ما يسمى «صفوف الدعم والتقوية» أو «مساعدات الدقيقة الأخيرة» لأبنائهم قبيل الامتحانات الرسمية. باتوا، منذ بداية العام الدراسي، يؤمّنون لأولادهم مقعدين: في المدرسة والمعهد. والثاني أصبح أكثر أهمية، خصوصاً لبعض تلامذة الشهادات الرسمية وأهاليهم، بسبب قناعة تترسخ عاماً بعد آخر بأنّ المدرسة هي مكان للتسجيل وفتح الملف للحصول على بطاقة الترشيح للامتحانات، فيما حظوظ النجاح مقترنة، حتماً، بالانتساب إلى «المعهد» المسائي!
هذه المعاهد، المُسمَّاة تعليمية، ليست مدارس أكاديمية أو مهنية خاصة خاضعة لرقابة وزارة التربية. هي عبارة عن شقق وطبقات انتشرت، أخيراً، على نحو واسع وباتت تضم صفوفاً بعدد صفوف المدارس، بعدما طوّر بعضها أساليب عمله لمتابعة ما يسمّى «الأجندة»، أي استقبال الطلاب من كل الصفوف لتدريسهم ومساعدتهم على أداء فروضهم المنزلية، فتجري مراجعة للدروس المُقرَّرة في المناهج، والتي يفترض في الحالة الطبيعية أن «تُهضَم» في الصفوف المدرسية.
المعهد هو الحل؟

(مروان طحطح)

بعض الأهالي، كأماني وهي أم لتلميذة، يعتقدون بأن المدرّس في الصف غير قادر على التوقف عند كل نقطة كما يفعل مدرّس المعهد، لأنه يريد أن يكمل برنامجه، والطلاب ليسوا جميعاً على مستوى واحد من الاستيعاب ما يحتّم مضاعفة الجهد اليومي في المنزل. هنا يأتي المعهد حلاً. في المقابل، تجتذب بعض المعاهد طلاب الشهادات لأنها لا تعتمد الدروس العادية المقررة في المنهج، بل تعدّ ملخصات وتركز على أسئلة الامتحانات الرسمية، كما يقول مصطفى.
جنى، الطالبة في فرع الاجتماع والاقتصاد، قررت الالتحاق بمعهد بعد منتصف السنة الدراسية حين وجدت انها تعاني من ضعف في مادة الاقتصاد الأساسية: «هدفي أن أنجح في الامتحان الرسمي، وتطمئنني نسبة النجاح العالية التي يحصدها طلاب المعهد في الامتحانات الرسمية»، نافية ما يقال عن أن التلميذ يضيع بين طريقتي المعلم في المدرسة والمعلم في المعهد «لأننا نتبع الطريقة التي نشعر أنها أسهل».
لكن للاساتذة رأياً مختلفاً. فالتلميذ المنتسب إلى المعهد يذهب إلى المدرسة صباحاً وفي ذهنه أنه ذاهب عصراً إلى المعهد، وهذا يؤدي، بحسب استاذة الاجتماع وئام شريم، إلى خلل في انتظام الصف والتشويش على رفاقه. إذ يصبح التلميذ «غير واثق من المعلومات التي نعطيه اياها، ومش قابضنا. وغالباً ما نصادف اعتراضاً على الشرح كأن يقال لنا: استاذ المعهد يقول غير ذلك».
اللافت هو التهافت الكبير لطلاب المدارس الخاصة على هذه المعاهد


برأي سوسن جابر، وهي أستاذة اقتصاد، تعمل هذه المعاهد «على القطعة»، فتقارب المنهج على أنه امتحان فقط، في حين أن الأستاذ في المدرسة مسؤول عن برنامج كامل له أهداف تربوية مترابطة، وله إجراءاته تحضيراً وتدريساً وتقييماً، ويُساءل من وزارة التربية أو إدارة المدرسة عن النتيجة. أما الأستاذ في المعهد فلا من يراقبه». وتلفت الى ان المادة التي تدرّسها، مثلاً، «دسمة وتحتاج وقتاً لهضمها. ولا يمكن تدريسها بشكل عشوائي وعدم احترام تدرج المفاهيم كما في المقرر».
ما يحصل، تقول أستاذة الاجتماع، دانيا اللقيس، هو «امتداد لفكرة التجارة في التعليم، وتشتد خطورته في العلوم الإنسانية الموكول إليها بناء شخصية المواطن. الأسوأ أن الاتكال على المعهد منذ بداية العام الدراسي يقتل الإبداع لدى التلميذ، ويجعله اتكالياً لا يقوى على مواجهة ضعفه والمشكلات التي تصادفه». لكن اللقيس لا تغفل أن هناك مشكلة في مكان ما. فتعاظم ظاهرة المعاهد ليس من فراغ «واللافت هو التهافت الكبير لطلاب المدارس الخاصة على هذه المعاهد، وهذا يفرض مواكبة حقيقية لمشكلة المدارس نفسها سواء اكانت رسمية أو خاصة ومعرفة ما يدفع التلميذ الى الهروب منها».



وزارة التربية: لا نعرف ماذا يحصل!
تقر مصادر في وزارة التربية بأن معظم معاهد التقوية تعمل من دون ترخيص من الوزارة، «ولا نعلم ماذا تفعل بالضبط». وتؤكد أن «هذه المعاهد مدارس غير منهجية لا تخضع لأي سلطة رقابية. إذ لا ترفع لوائح بأسماء التلامذة للوزارة ولا تعطي افادات مصدقة ولا تقدم موازنات». وتشير المصادر إلى أن الوزارة لا تفرض على هذا النوع من المعاهد شروطاً صعبة. إذ أن من يطلب ترخيصاً يملأ نموذجاً باسم «معهد لغات ودروس تقوية». ويكفي ان يحمل المدير اجازة تعليمية، في حين أن دوره في أغلب الأحيان يكون صورياً. أما المدير الحقيقي فهو صاحب المعهد الذي ليس بالضرورة أن يكون مجازاً.


خمسة آلاف ليرة في الساعة
تؤكد مسؤولة أحد المعاهد أن «الطالب يأتي إلينا من دون ضغط أو إجبار، انما بسبب الرغبة في تحصيل معلومات بأسلوب مبسط». وتقول إن «هذه الحاجة التعليمية نلمسها سنة بعد أخرى، والدليل أن عدد الطلاب قفز بين سنة وأخرى من 270 طالباً إلى 500». وتلفت الى «أننا لا نستقبل الطلاب الضعاف فحسب، بل يأتون إلينا من كل المستويات، وكثيرون منهم من المدارس الخاصة. والهدف يكون في بعض الأحيان تحسين معدل النجاح وليس النجاح فحسب». وتشير الى أن المعهد «لا يقدم وصفة سحرية للنجاح في الامتحانات، ولا نطلب من طلابنا أن يتكلوا علينا بالكامل». وعن الكلفة توضح أن «الطالب يحصل مقابل 100 دولار في الشهر على 18 ساعة تدريس، بمعدل 5 آلاف ليرة في الساعة، في حين بعض الأساتذة الخصوصيين يتقاضون 50 دولاراً في الساعة الواحدة».