كان يومَ أحدٍ صيفياً حاراً، وكنتُ قد قررت بعد تراجع وهج الظهيرة النزول للتسوق وشراء بعض الحاجيات. كان يومَ عطلة عادياً، وأنا أسرع الخطى في شارع قرطاج، أحد الشوارع المتفرعة من جادة الحبيب بورقيبة، وألاحق ظلال الأشجار المتفرقة على جانبَي الطريق العريضة... اقترب مني شاب غريب، وناداني: «يا قطوسة» (القطة باللهجة التونسية). للوهلة الأولى، بدا الأمر حدثاً «عادياً»، شكلاً من أشكال المغازلة الفجة، الذكوريّة، السائدة في شوارع العاصمة التونسية منذ زمن...

لكن هذا الغريب سرعان ما تجاوز حدود «المغازلة»، وحاول محادثتي بعدما لاحقني بضعة أمتار، وما كان منه سوى أن أمسك بذراعي، طالباً إليّ التوقف. هنا كان ردُّ فعلي عنيفاً، إذ نزعت يده عن ذراعي وانتهرته بلهجة حادة. كيف أقبل من شخص لا أعرفه في الشارع أن يمدّ يده إليّ؟ وكيف يسمح هو لنفسه بلمسي لمجرد أنني كنت فتاة تسير في الشارع من دون مرافقة «ذكر»؟ كنت أخال أن الحادثة ستنتهي هنا، وكلي ثقة بأن نظرتي الحادة ستجعله يلزم حدوده، وينتهي الموقف. لم أتخيّل لحظة أنني سأعود إلى منزلي في سيارة الشرطة، بملابس مغبّرة، وكاحل مجروح.
قبل أن ألتفت، كانت يد غليظة، قاسية، قد انهالت عليّ ضرباً، ولكمات عشوائيّة. رماني الرجل أرضاً، وعاجلني بركلة، مواصلاً تسديد الضربات كيفما اتفق، وهو يكيل لي أقذع الشتائم... رحت أصرخ بكل ما أوتيت من حنق وقهر وخوف، متأمّلة أن يتدخّل أحد العابرين أو العابرات لإنقاذي من براثن هذا الوحش. لكن لا، لم يتدخّل أحد. في أحد شوارع العاصمة الأكثر ازدحاماً، وفي وضح النهار، وعلى مرأى من الجميع، رجل يعتدي على فتاة ويوقعها أرضاً، ويواصل الضرب للحظات طويلة. ولا أحد يتدخل.
لم يتوقّف الرجل الغريب إلا بعدما تعب وشفى غليله. عندها قفزت واقفة، وأخذت أصرخ باحثة عن عناصر الأمن الذين تعوّدت لمحهم في ذلك المكان. كان يحركني مزيج متدفق من الرعب والحنق، وأنا أبحث، بلا جدوى، عن أية وسيلة أردّ بها على ذلك الاعتداء الشنيع. حتى الحجارة اختفت من الطريق في تلك اللحظة. وحين رأيته يبتعد، ركضت وراءه تلقائياً، وأنا أصيح «أمسكوه... شدوه»، وسط نظرات الفضول المحيطة بي بلا أي تفاعل. عندما انتبه إلى أنّي ألاحقه، لاذ بالفرار. بقيت أركض والمارة يسألون: «ماذا سرق منك؟ هل هو نشال؟». وأنا أواصل صراخي وركضي من دون أن أعير هؤلاء الفضوليين المتلصصين أي اهتمام.
انتهى بي المطاف داخل مخفر للشرطة، ذكّرني بمخفر آخر كنت عرفت فيه استقبالاً غير مبهج في عهد نظام بن علي، ونلت فيه نصيبي من الضرب أيضاً. رحت ألتقط أنفاسي، وأمسح دموعي، فيما «البوليسيّة» يقدمون إليّ الماء ويهدئون من روعي. سردت لهم ما حصل، وأنا أرجوهم أن يلحقوا به قبل أن يتوغل في الأزقة الكثيرة التي تملأ العاصمة. لم يكترث أحد برجائي، وبدلاً من ذلك انهالت عليّ الأسئلة الملأى بالاتهامات الضمنيّة: «أنت متأكدة من أنه لا علاقة تجمعكما؟ ماذا قلت له حتى يفعل ذلك؟ ماذا تفعلين وحدك في الشارع؟ إلى أين كنت ذاهبة؟». ومع كل سؤال، كان الأمل في اعتقال المعتدي ومعاقبته يتلاشى، وندمي على الذهاب إلى مركز الأمن يتفاقم.
في سيارة الأمن، قمنا بجولة «لطيفة» عبر شوارع العاصمة، عدنا إلى مكان الاعتداء، وطبعاً لم يكن الجاني في انتظارنا للأسف. وطبعاً لا شهود محتملون: لا أحد هناك رأى شيئاً، أو سمع شيئاً. تُرى، هل كان كل ما عشته من نسج الخيال؟
أمام بيتي ترجّلت من سيارة الأمن والعبرات تتدافع في مقلتي. أفلتت مني جملة هادئة أخيرة: «إنْ عثرتم على جثة شاب ثلاثيني مطعون يرتدي قميصاً أصفر، وسروال جينز، فاعلموا أنّه الرجل الذي اعتدى عليّ». أغلقت الباب على ابتسامتين هازئتين، ودخلت شقتي الصغيرة في الطبقة الرابع. ومع كل درج كانت آلام كعبي تعصرني، وحينها فقط انتبهت إلى إصابة كاحلي، دخلت غرفتي وانفجرت دموعي مجدداً. شتمت البلاد والعباد والرجال جميعاً، ولم أسرد الواقعة إلا لصديقات مقربات بحثاً عن شيء من التآزر العزاء.
طبعاً، فتحت الشرطة ملف «بحث ضد مجهول»، ولا شك في أنّها لن تعثر على الفاعل. أما أنا، «المتحررة القوية الثائرة المتمردة» التي تعيش في أحد أكثر البلدان العربية «صوناً» لحقوق المرأة واعتزازاً بـ«تحررها»، فصرت منذ ذلك الحين، أي منذ ست سنوات، أتجنب الخروج وحيدة حتّى في وضح النهار. وحين أمشي في الشارع أنظر إلى المارة بارتياب دائم. لا أجيب أيَّ سائل. أدعي دائما أنني لا أسمع المتحرشين أو المغازلين وأسرع الخطى إلى برّ الأمان. أنا مصابة برهاب من الذين يسيرون خلفي، أتوقف وأنتظر مرورهم لأكمل طريقي، وأنا أراقب الجميع بحذر.
وجبت الإشارة إلى أن هذه الحادثة وقعت خلال أيّام «ما بعد الطوفان» في تونس. فترة عمّت فيها الفوضى، واقتصر الأمن على حضور شكلي في الشوارع. فترة الانفلات تحت جنح الظلام، بعدما كانت سنة 2011 عام «الانهيار التام».
يقال إن الثورات تخرج أفضل ما في الشعوب وأسوأه، وأظنّ أن هذا القول ينطبق على تونس. رأينا لأشهر كل مظاهر التضامن والتحضر والإنسانية تعرض على شاشات التلفاز، وشاهدنا أيضاً الإجرام والعنف، وصفات الإنسان البدائي في الشوارع: نشل وخطف واعتداءات مجانية، فقط لأن الفرصة كانت متاحة لذلك. تحرّك في هؤلاء كره دفين، كره الانتماء الجغرافي، وكره الانتماء الطبقي، وكره النوع والجنس. ولأنّ النساء طالما وُسمن «بالمحميات من النظام»، واستُعملت شعارات حقوق المرأة كسجل تجاري لنظام بن علي، يبدو أن بعضهم استغل سقوطه ليخرج حقده وغيظه المكتوم لسنين على الجنس الأنثوي، وصارت النساء مستهدفات من المنحرفين والمهووسين والمتشددين. ولا أبالغ.
في السابق، لم يكن أحد يجرؤ على التعرّض لامرأة في وضح النهار في الطريق العام، فالجميع كان يتصدى له، من مارة وعناصر أمن على السواء. لم يكن وعياً بقدر ما كان خوفاً على صورة البلاد البراقة التي لا يجب أن يلوثها شيء. في عهد ابن علي، كانت المرأة أفضل مزيّن لكل محافله، وكانت تؤثث كل خطاباته، وكانت منظومته البوليسية تعرف ذلك جيداً وتحرص على حفظه. اليوم اختلف الحال وتغيّر وضع الأمن ومؤسسة وزارة الداخلية، وعرفت انفلاتاً كبيراً، بعض جوانبه تبدو انتقاماً. ولأن عناصر الأمن «رجال تونسيون نمطيون» في النهاية، لم يكمل أغلبهم تعليمه، طفت عقدهم بدورها على السطح، وصارت ممارساتهم لا تختلف على تصرفات المنحرفين، وشهدت تونس أحداث تجاوزات لا تحصى للأمنيين وصل بعضها حد الاغتصاب.
قد لا يُعمم هذا المشهد، لكن الجميع تأقلم: يمكن أن تشهد في أي وقت ثأراً أنثوياً تلقائياً مما يحدث في الشارع وفي المواصلات، ومن الصمت الفظيع غالباً. سترى امرأة تشتم متحرشاً بما جادت به قريحتها، وتكيل له ما طاب من السباب. وقد يصل الأمر إلى ضربه إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً. غالباً ما من نصير لها غير بنات جنسها اللاتي عادة يتدخلن إذا ما تطور الموقف، ويسندن الضحية قولاً أو فعلاً، ويتطوعن للشهادة في مراكز الأمن والمحاكم إنْ اتخذ الأمر منحىً قضائياً.
يحفظ التونسيون عبارة شهيرة للرئيس السابق الحبيب بورقيبة: «لقد شيّدت بناءً صلباً سيدوم بعدي»، قالها ردّاً على سؤال عن مصير تونس من بعده. أظن أن العنصر الصلب، والأشد متانة، الذي تكوّن غداة الاستعمار الفرنسي واشتد مع بناء الدولة التونسية الحديثة، وشهر أسلحته بعد ذلك، هو التضامن النسائي (وليس «النسوي») الذي يهبّ تلقائياً بلا مقدمات، كلما لاح خطر أو تهديد. في تونس، يرزح الفكر والحراك النسوي تحت ثقل الفئوية الضيقة والعزل والتشويه، فتجد النسويات موسومات بشتى الصفات والنعوت: «عانسات»، «عاهرات»، «يتيمات فرنسا»... وهو ما يجعل الحراك نسائياً غريزياً في أغلب الأوقات.
إن كان الشارع مرآة المجتمع، فلا بد أن ما يحدث وراء الأبواب الموصدة مفزع أكثر. كم من امرأة في المدن والقرى التونسية دفنت حية، أو ضربت حتى الموت، أو أغتصبت لسنوات... والفاعلون غالباً من محيطها العائلي الضيق. حقيقة يعرفها الجميع ويغمضون عنها أعينهم، عجزاً أو تخاذلاً.
تونس امرأة، ترتدي في كل مناسبة أجمل ما لديها، لتخفي حروقاً وندبات، وجروحاً تنزف... فاقتليه إنْ لزم الأمر.