بدءاً من «المرحلة الحساسة» التي سيصل اليها البلد إذا «واصلنا السير كما كنا في الماضي (وصولاً) إلى مؤتمر» باريس 4، حيث «لدينا فرضياً، في حال جاءت كل القروض 11 الى 12 مليار دولار، 92 ملياراً وبعد عدة سنوات خدمة دين يصبح دَيننا 100 مليار». إذاً، «هناك مشكلة حقيقية في الإيرادات «وامشوا لَيْنا» لنفرض ضرائب جديدة».

عرض دقيق قدمه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله من باب التشديد على ضرورة «أن يكون لدينا نواب في المجلس النيابي ويكون لدينا حكومة لا يأتي فيها أحد يركّب عليها ديوناً ليحلّ مشاكل شخصية». وبالعربي «المشبرح» قالها: «ما حدا ياكلنا راسنا»، محذراً في ضوء هذه المعطيات من مغبّة فرض ضرائب جديدة، وإلا فلن يكون لحزب الله «عقدة النزول الى الشارع حتى ولو كان ممثلاً في الحكومة».
من خلال الخطابين الأخيرين لنصرالله، يتبدّى بوضوح أن حزب الله يستعد في المرحلة المقبلة ليتعامل مع الشأنين الاقتصادي والمالي وكأن خطرهما يوازي الخطر الاسرائيلي على البلد.
رفض السيد كل المقاربات المعتمدة لإدارة البلد اقتصادياً، والتي تستند إلى مراكمة الدين العام والاقتراض. ومواجهة هذه السياسات تتطلب آليات تنفيذ عملية داخل الحكومة، ومناقشة القروض الآتية ومحاربة الفساد المستشري.
وانطلاقاً ممّا تقدم، لن يواجه حزب الله في المرحلة المقبلة عقدة النزول الى الشارع، موجّهاً رسالة في هذا الشأن «إلى كل من يمثل إدارة السلطة في البلد، من العهد الى رئيس الحكومة سعد الحريري الى وزير الخارجية جبران باسيل والمخططين الاقتصاديين ممن كانوا لفترة طويلة شركاء في هذه السياسة الفاسدة التي تجر البلاد نحو القاع أكثر فأكثر». وبالتالي، فإنه في مرحلة ما بعد الانتخابات ومع بدء الحديث عن تشكيل الحكومة الجديدة «سيكون الحزب أمام مسار جديد للعمل السياسي قد يغيّر كل معالم المواجهة المقبلة».
لا يربط حزب الله قراره السياسي بمكافحة الفساد بالانتخابات النيابية المقبلة: «هو طرح بدأنا بتنفيذه عملياً من خلال الإمساك بعدد من الملفات ومتابعتها من داخل مؤسسات الدولة، وتحديداً مجلس النواب. لكن المستجد هو استشعار محاذير الوضع الاقتصادي الصعب والتداعيات المحتملة على الاستقرار. لذلك، ناقشت قيادة الحزب هذا الوضع واتخذت قرار مواجهة الفساد، وصولاً إلى مأسسة الموضوع وتشكيل هيئة لمكافحة الفساد وتقديم عدد من اقتراحات القوانين الجديدة أو تعديل بعض القوانين القائمة بهدف إخضاع أي صفقة في الدولة لإدارة المناقصات العمومية، ووفق آليات شفافة تكون ملك الرأي العام، وليس بطريقة الصفقات بالتراضي، كما درجت العادة في معظم المناقصات التي تحصل داخل الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة».

يبدي حزب الله تفهّماً لمسار التحالفات المتصل بالانتخابات النيابية


بعد الانتخابات النيابية مباشرة، يستعد حزب الله لتدشين ما يسميه مرحلة جديدة من التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمالية. وفي انتظار تلك المرحلة، تنشط ماكينات حزب الله الانتخابية لرفع الحاصل الانتخابي قدر المستطاع، وذلك في كل الدوائر التي تخوض فيها لوائح الحزب معارك انتخابية (خصوصاً البقاع الشمالي وبيروت الثانية وكسروان ـــ جبيل وبعبدا).
ورشة رفع الحاصل الانتخابي سترافقها سلسلة إطلالات للأمين العام لحزب الله، في الثالث عشر من نيسان والأحد في 15 منه. الهدف هو تزخيم المشاركة ورفع الحاصل، «أما توزيع الصوت التفضيلي، فسيكون وفق خريطة وحسابات دقيقة في كل دائرة من الدوائر التي يشارك فيها حزب الله، وهي مسألة تخضع للفحص والتدقيق، ويمكن بتّها قبل الانتخابات بأيام قليلة».
يبدي حزب الله تفهّماً لمسار التحالفات المتصل بالانتخابات النيابية، ولا سيما لتلك المتعلقة بخيارات رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الانتخابية. في اللقاء الأخير الذي جمع السيد نصرالله بباسيل، جرى نقاش تفصيلي في الخيارات الانتخابية في كل دائرة وظروفها، فكان التوافق على أن تحالفات التيار «هي انتخابية بالدرجة الأولى وليست سياسية»، وأن التفاهم بين الحزب والتيار قائم ولا يمسّ، وهو خيار استراتيجي للطرفين.
لهندسات جبران باسيل الانتخابية سقفها. يسعى الرجل إلى تكريس زعامته مسيحياً. يبحث عن خصم سياسي تقوم عليه حملته الانتخابية، فيجد في الحرب ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري ضالته. همّه أن يؤمن كتلة نيابية وازنة تجعله رئيس الكتلة المسيحية الأقوى (ربطاً بمعادلة المرشح الأقوى للموقع الماروني الأول مستقبلاً). المعطيات الأولية لا توحي بقدرته على إعادة استنساخ تجربة عام 2005 ولا 2009. التنبّؤ بالنتيجة مسبقاً غير ممكن، ولكن من المفيد أن يتواضع الجميع في التعامل مع الانتخابات ونتائجها.
على مستوى الحكومة المقبلة، وإذا كان التيار يحسم أن سعد الحريري سيعود رئيساً لمجلس الوزراء، فإن باسيل سيسعى إلى أخذ أكثر من حصته في الحكومة الحالية، ولو أدى ذلك إلى تطيير حصة القوات اللبنانية واستبعادها عن الحكومة المقبلة، لكن ثمة محاذير دون خيار كهذا، إذ إنه لن يكون من السهل في ضوء ما سيفرزه القانون النسبي من نتائج استبعاد أيّ مكوّن من المكوّنات عن الحكومة المقبلة.
وسواء من خلال تحالفات التيار الوطني أو تحالفات القوى الأخرى، يدرك حزب الله أن ما يجري هدفه رسم معالم معركة سياسية لم تعد بين 8 و14 آذار. الكل يتعاطى على أنها معركة أحجام تحدد معالم «حكومة العهد الأولى» (الرئيس ميشال عون يعتبر أن الحكومة الحالية ليست حكومة العهد)، وبالتالي «بروفا» معركة رئاسة الجمهورية المقبلة.
هي إذاً معركة تكريس زعامات وأحجام ستمتدّ معالمها إلى انتخابات عام 2020. صحيح أن لا أحد قادر على التنبّؤ بتركيبة المجلس الجديد، لكون «الأمر يبقى مفتوحاً على مفاجآت بسبب القانون النسبي، لكن المؤكد أن حصرية التمثيل ستنكسر، «ما يعني أن الانتخابات النيابية ستفرز توازنات سياسية جديدة، على الجميع أن يستعد لها وأن يأخذها في الحسبان»... «فالتمثيل شبه الأحادي للطائفة السنّية من خلال تيار المستقبل الذي تكرس في أعقاب انتخابات 2005 و2009 لن يكون هو ذاته وفق نتائج انتخابات 2018، وهناك نتائج ستفرض نفسها مع احتمال تمثيل قوى سنيّة أخرى مثل الأحباش وفؤاد مخزومي وعبد الرحيم مراد ونجيب ميقاتي وجهاد الصمد وفيصل كرامي وأسامة سعد وغيرهم. مجرد هذا الكمّ من الترشيحات في مواجهة الحريري يعني كسراً لحصرية زعامته السنيّة، فكيف إذا ربح معظمهم، وهذا مرجَّح وفق الدراسات الانتخابية».
إلا أن هذه التوازنات السياسية الجديدة التي يجري الحديث عنها منذ الآن لن تغيّر في معادلة رئاسة المجلس التي يحسمها حزب الله لمصلحة الرئيس نبيه بري. يضع حزب الله إصرار البعض على فتح معركة الرئاسة الثانية في مواجهة الرئيس بري في خانة «الغباء السياسي»، لأن «الرئاسة محسومة سلفاً للرئيس بري»، وكل كلام خلاف ذلك «مجرد تخبيص». وبمعزل عن إحجام التيار الحر عن عدم التصويت لبري، رداً على مجريات انتخابات رئاسة الجمهورية في نهاية عام 2016، فإن عملية حسابية بسيطة تشير إلى أن الأكثرية النيابية ستؤيد انتخاب بري، حتى وإن صوّت نواب التيار بأوراق بيضاء.