في عام 1935 ولد الإمام الصادق المهدي، لعائلة حملت ثقل الانبعاث الجديد للإسلام، وما بين تفسير الجدّ لآلية «الوحي» الذي جاءه على محمل «الاتصالات الروحية بالرسول الأعظم» الذي يقول إنّه يخبره فيها بأنه إمام الزمان والمهدي المنتظر، وبين الزعامة الزمنية لبيت المهدي والأنصار التي آلت إليه بعد وفاة والده الصديق عبد الرحمن عام 1959، نشأ ما أطلق عليه «المهدية الوظيفية»، التي تجمع بين فهم صوفي مستنير لأصول الدين الإسلامي، من كتاب مقدس وأحاديث وبين الحال السودانية الاجتماعية والسياسية.

كان مُقدراً له أن يدرس الهندسة الزراعية، لكن الصدف الوقتية آنذاك قادته لدراسة الاقتصاد والسياسة والفلسفة في أكسفورد، كأن قدره أن يكون مهندساً لسياسات الانبعاث السوداني المتخبّط بين هوية إسلامية غير واضحة التوجه وصعود يساري ناشط في تلك العقود وانفتاح على «الأفريقية السودانية»، ناهيك عن عسكرة تتربص بكل هذا ومشكلة الجنوب السوداني الطامح للانفصال.

حكم في ديموقراطية مرتبكة
لا ريب أن سياسياً إشكالياً مثل الصادق المهدي، بكاريزماه الفذة ولغته الساخرة الفجة التي تأخذ من الموروث الشعبي مقتطفات ذكية تتحول لاحقاً إلى مواقف أو مختصرات شعاراتية لأنصاره، يمثل نموذجاً قلّ وجوده في عالم السياسة، ورغم خلافاته الكثيرة مع حلفائه وشركائه في العمل السياسي والفكري في السودان، إلا أنّ أحداً منهم لم يستطع أن ينكر حضوره القوي على سدة الولاء الشعبي. وفي الفترتين اللتين صرفهما رئيساً لوزراء السودان (في الفترة من 25 تموز 1966 حتى أيار 1967، ومن نيسان 1986 حتى 30 حزيران 1989)، تحققت إلى حدّ ما أجزاء من توجهاته «في الاقتصاد ومحاربة الفساد»، لكن الأهم من هذا كله هو «الإيمان المستمر بجدوى الديموقراطية»، كما يقول، في بلد تتنازعه الولاءات ويعبث به القاصي والداني، من النظام المصري الأخ اللدود إلى نظام القذافي الليبي الذي كان يعادي التدخل المصري، وبريطانيا التي اتهم بالعمالة لها والولايات المتحدة صديقة الأنظمة العسكرية الشمولية، و«لاءات» عربية وأفريقية وغربية جعلت أنصاره يغالون في دعمهم له، الى حدّ تصريح أحد مناصريه وهو أستاذ في جامعة الخرطوم أنه «لو أمره بالتصويت لحمار لفعل»، وجعلت خصومه ينفون عنه أي إيجابية، فوصفه الدكتور منصور خالد بأنه «وقواقة مرتبك في نفسه، مربك لغيره»، كما وصف جون قرنق حكومته بأنها «أفشل حكومة في تاريخ السودان».

معارضة مدنية ضد العسكرة
السياسي الذي دخل معترك التحزّب باكراً كوريث لزعامة قبلية وحزبية، والآتي من معترك الدراسة في الغرب، لم يدّخر وسعاً دبلوماسياً سلمياً غالب الأحيان وعسكرياً في أحيان قليلة، في معارضته لأنظمة الحكم التي كان خارجها، واستطاع إقامة العديد من التحالفات المتناقضة في سعيه هذا من الحزب الاتحادي ذي الميول القومية إلى الإخوان المسلمين، ومن دعم بعض الحكومات الأفريقية والدعم البريطاني، إلى دعم النظام الليبي السابق. جهدٌ حثيثٌ ودؤوب لتحقيق «الاستقلال الكلي» السياسي والاقتصادي عن مصر و«لإقامة ديموقراطية يُحتذى بها»، وليمنع تحقق مقولة وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق آفي ديختر بأن السودان «دولة مصطنعة مصيرها التفكك إلى خمس دويلات».
تركزت معارضته للنظم التي خلفته في الحكم، على أساس من رفض العسكرة بما فيها من شمولية وقمع للحريات وكمّ للأفواه وتقييد الحركات النقابية وعدم القبول بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية الحرفية، التي فرضها نظام عمر حسن البشير بتبرير فقهي إخواني، دون النظر إليها على أساس زمني مغاير لما وجدت له، وعلى أساس اقتصادي تنموي يبحث في استدامة التنمية ومحاربة الإسراف وإصلاح النظام الضريبي على جناح الاقتصاد الحر وليس على جنحة الشريعة الإسلامية، والاتجاه نحو دعم الزراعة والصناعة في السودان والاستفادة من العائدات البترولية لغايات تنموية ورفض ربط نصيب جنوب السودان بعائدات البترول إنما بحجم الثروة الوطنية تشجيعاً له على العودة.
انتقد تجربة الإخوان المسلمين في الحكم في مصر والسودان، معتبراً أن التجربتين وقعتا في أخطاء فادحة تستوجب إعادة المراجعة، وتوجّس من العلاقة الحالية بين نظام أردوغان التركي الإخواني ونظام عمر البشير في السودان، واعتبر أنها علاقة تمثل صفقات شخصية تمنح التركي استثمارات في الأراضي السودانية، لكن دون إصلاح اقتصادي، ما يجعلها أقرب إلى الشبهة.

اتهام بـ«التوفيقية»
الزعيم الذي أدرج اسمه معهد نيودلهي الإسلامي ضمن قائمة مئة شخصية إسلامية مؤثرة في فئة القادة والحكام، لطالما اتُّهم بالتوفيقية بين الثنائيات التي تحكم العقل الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً، الروحي والمادي (النقل والعقل، الديموقراطية والشريعة، والتأصيل والحداثة)، ولطالما حاول أن يُقارب مسألة الحكم الإسلامي بعقلية مستنيرة تقبل الاختلاف وبما تبحث عنه أيضاً، وهو عبر خطبه العديدة ولقاءاته وكتبه المطبوعة والتي قارب عددها الخمسين، سعى إلى إقامة نوع من التوازن بمبررات «الضرورة» بين المتناقضات وتصحيح الفهم الخاطئ لمسألة الحداثة والحكم في الإسلام. هذه التوفيقية والوسطية في مقارباته أخذت عليه في بعض الأحيان، فوصف بالمتردد في اتخاذ القرارات، حتى إنه شبّه بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، من حيث استشعاره مكامن الخطر قبيل حدوثه، مفضلاً الهرب من المواجهات.
«الوريث المستنير» الذي آمن بالديموقراطية وحاول تأصيل الرؤية الاسلامية لها دون أن يتعارض ذلك مع «قدسية النص»، وضع برؤيته مجموعة من المبادئ سماها «الرايات العشر»، «تصلح لأن تكون ميثاقاً فكرياً سياسياً يقوم عليه الحكم الإسلامي»، ونظّر لإمكانية الالتحاق بالركب الحضاري الحقوقي والأخلاقي (إن لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرابط إسلامية تمنحها جذوراً خلقية وروحية وتجعلها عصيّة على الإهدار). هذه المبادئ تؤسس أيضاً لفك «الخلاف الفقهي السني/ الشيعي» وتضعه على سكّة الحل، مبادئ هي أقرب رؤية إسلامية لعلمانية الدولة طالما تعترف بالاختلاف وبحق المختلف في الحضور في المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي، بما فيها من نظر للتقنيات الحديثة وربطها بالتنمية وإعادة إصلاح النظم التعليمية وإقامة دولة المؤسسات. يقول: إنّ خلوّ حكم خلافة الإسلام الأولى من المؤسسات جعلها سبب فتنة أدت إلى اغتيال ثلاثة من الخلفاء وقيل الأربعة، مضيفاً، وهو صاحب كتاب «الديموقراطية عائدة وراجحة في السودان»، أن لا تعارض بين الوطنية والإسلام، لا بل يُغلّب مفهوم الوطنية على الفقه الشرعي للحكم ويغلّب الأحكام الوضعية التي تتغير بتغير «الزمان والمكان والحال».



بين القذافي ودارفور
في مقال «الكارثة في دارفور من منظور تاريخيّ»، يتحدث المؤرخ روبرت كولينز عن أدوار الفاعلين في الأزمة، ومن بينهم الصادق المهدي. يقول كولينز إنّ المهدي صار لاجئاً لدى القذافي في السبعينيات، بعدما هرب من نظام جعفر النميري. بدأ الزعيم الليبيّ في تشكيل مخيمات في جنوب ليبيا، تدرّب فيها ألفا عنصر من عرب البقارة الموالين للمهدي ووحدات من «الفيلق الإسلاميّ» الذي سيؤدي دوراً مهماً في دارفور.
في 2 تموز 1976، وعند استقبال النميري القادم من جولة دوليّة، تعرّض المطار في الخرطوم لهجوم، جاء ضمن محاولة انقلاب، وأعلن الصادق المهدي في تسجيل له «النصر»، قبل أن يتبيّن فشل الهجوم. لكن جهود المهدي للوصول إلى السلطة لم تنتهِ، فبعد سقوط نظام النميري عام 1985، انتُخب الرجل عام 1986 وشكّل حكومة تحالف. ولردّ الجميل للقذافي، سُمِح لـ«الفيلق الإسلاميّ» بالنشاط في دارفور (كان ذلك جزءاً من مخطط «وحدويّ» للقذافي يشمل أيضاً حربه الطويلة مع التشاد).
استقطب «الفيلق» مقاتلين من القبائل العربيّة في دارفور، ومع وجود «نزعة تفوّق» لدى بعض قادة هذه القبائل تجاه القبائل «الأفريقيّة»، وبدعم من القذافي وتواطؤ من المهدي، بدأ الصراع يأخذ طابعاً أهليّاً في الإقليم.
تدريجاً، يقول كولينز، صار حاكم السودان في مأزق، فهو يتعرّض من جهة لضغوط داخليّة لإخراج «الفيلق الإسلاميّ» من دارفور، لكن إدارته وسلطته صارت شبه غائبة في أجزاء واسعة من الإقليم، ويتعرّض من جهة ثانية لضغوط من القذافي لإعلان وحدة بين البلدين (كجزء من برنامج وحدة يمتد عبر الساحل الأفريقيّ) ويتحجّج بمعارضة القوى العربيّة الإقليميّة لهذا المشروع. وصل الأمر في الفترة الأخيرة لحكم المهديّ إلى إعلان المعارضة، ضمن الجمعيّة التأسيسيّة، نقدها الشديد له، لفشله في السيطرة على دارفور، معلنه بسخرية مُرّة أنّه خلق «جمهوريّة دارفور المستقلة».
لا يمكن طبعاً حصر أزمة دارفور في فترة الصادق المهدي، فهي لها جذور ممتدة ومعقّدة، لكن سماحه للقذافي بالحصول على موطئ قدم في الإقليم لتطبيق مشاريعه المغامرة، وما لحقه من تدفّق كميّات كبيرة ونوعيّة من الأسلحة، ساهم بلا ريب في حصول المأساة المعروفة لاحقاً.
(الأخبار)