لم يكن مفاجئاً الكشف عن أنّ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدعم النهج العدواني الذي تروّج له القيادات السياسية، والذي تجلت نتائجه في استهداف مطار «T4» وأدى إلى استشهاد وجرح العديد من عناصر «الحرس الثوري». لكن هذا الكشف مدروس ويهدف أيضاً إلى توجيه رسالة مفادها أن إسرائيل متحدة في مؤسساتها المهنية والسياسية في خيارها العسكري الذي انتقلت إليه على الساحة السورية. وبالتالي يصح وضعه كجزء من أدوات الضغط التهويلية بأن تل أبيب ماضية في خيارها مهما كانت الاثمان، وفي محاولة للإيحاء بأن مساحة الرهان على توازنات داخلية تسهم في كبح هذا المسار، ضيقة للغاية. مع ذلك، لن يكون مفاجئاً أيضاً أن يتم الكشف لاحقاً عن أصوات وتقديرات داخل المؤسستين الأمنية والسياسية، كانت قد حذَّرت من هذا النهج المغامر. ليس لكونهم يختلفون في تشخيص طبيعة التهديد وحجمه ومفاعيله، بل خوفاً من التداعيات التي قد تترتّب على هذا النوع من الخيارات المغامرة. مع ذلك، ينبغي التأكيد أن مفهوم إسرائيل للتهديد يختلف عمّا هو متعارف لدى الأغلبية الساحقة من الجماعات والمجتمعات. فهي ترى أنه ممنوع على محيطها امتلاك القدرات التي تُمكّنه من حماية نفسه منها، وترى في امتلاك القدرات للرد على اعتداءاتها تهديداً لا يطاق، بل إن الرد على اعتداءاتها يعني أن المسؤولية عن التدهور تقع على عاتق المستهدَف والمدافع عن نفسه.

يأتي دعم القيادات الأمنية لخيار الاستهداف المباشر للوجود الإيراني ترجمة لرؤية وتقدير تتبنّاهما المؤسسة الإسرائيلية، إزاء مفاعيل التطورات في الساحة السورية على المعادلات الاقليمية، وتحديداً على مستقبل الأمن القومي الإسرائيلي. برزت معالم هذه الرؤية في مواقف المسؤولين والقادة الإسرائيليين على امتداد العام الماضي، بدءاً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مروراً بوزير الأمن أفيغدور ليبرمان وصولاً إلى رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت، فضلاً عن العديد من المسؤولين والخبراء الذين تنوّعت تعبيراتهم عن التوجه الإسرائيلي الذي تمحور حول ضرورة منع عودة سوريا عمقاً استراتيجياً للمقاومة في لبنان وفلسطين، وتحوّلها إلى جبهة مُكمّلة للبنان في معادلة الردع الاقليمي ضد الكيان الإسرائيلي، وهو ما يُجمله المسؤولون في تل أبيب، بحسب أدبياتهم المدروسة والهادفة، بشعار «منع التمركز الإيراني في سوريا».
في البدء كان الرهان الإسرائيلي معقوداً على موسكو وواشنطن؛ الأولى كي تلعب دور الكابح، والثانية كي تنتقل إلى دور المهاجم الموازي للدور الروسي في الساحة السورية. لكن توالي التطورات السياسية والميدانية، أدى في حينه إلى استنفاد هذه الرهانات ووضع صانع القرار الإسرائيلي من جديد أمام مروحة خيارات بديلة، حول ما ينبغي القيام به لمواجهة مفاعيل انتصار محور المقاومة في الساحة السورية. ولم يتظلل أيزنكوت، خلال مقابلات عيد الفصح، في تحديد هدف إسرائيل على الساحة السورية، بالاعلان الصريح، في مقابلة مع صحيفة «هآرتس»، عن أنّ «الوضع النهائي المرغوب فيه هو انسحاب جميع القوات الإيرانية ــ الشيعية من سوريا، بما في ذلك حزب الله والميليشيات». وفي سياق المقابلات نفسها، أوضح رئيس أركان الجيش أن إسرائيل لن توفر أي وسيلة تؤدي إلى إخراج أطراف محور المقاومة من الساحة السورية.
بعد سلسلة من الرهانات الفاشلة، والرسائل التهويلية العقيمة، وفي ظل استمرار تقدم الجيش السوري وحلفائه، بدت إسرائيل أكثر حاجة إلى تطوير خيارها العدواني. وعلى المستوى النظري يمكن عرض مروحة من السيناريوات العدوانية، تتموضع على جانبي خيار استهداف مطار «T4». وتهدف من وراء هذا الخيار – من ضمن مجموعة أهداف أخرى ــ إلى محاولة رمي كرة التصعيد في الملعب المقابل، وفي الوقت نفسه تكون قد أوصلت رسالة أكثر جدية حول عزمها على الذهاب حتى النهاية. وكجزء من التمهيد لهذا السيناريو، أضفى المسؤولون الإسرائيليون على اعتدائهم ومجمل خيارهم العدواني في الساحة السورية العنوان الاستباقي. ويهدف هذا الترويج إلى إضفاء مشروعية داخلية على هذا الخيار، خاصة في حال تدحرجت التطورات نحو مواجهة واسعة، وأيضاً بهدف كسب مشروعية دولية.
في كل الأحوال، يصح القول إنّ إسرائيل الآن هي في موقع المتوثّب والمراقب، كي تبني تقديراتها وخياراتها في ضوء المسارات التي ستسلكها التطورات، بدءاً من الخيار العدواني الأميركي المفترض على الساحة السورية، وما سيرافقه ويليه من تداعيات، وصولاً إلى تداعيات الاعتداء الذي نفذته ضد عناصر «الحرس الثوري». وأيّاً كانت المسارات التي ستسلكها التطورات، ستشكل محطة كاشفة عن وجهة التطورات التي ستشهدها الساحتان السورية والاقليمية، ولكل منها رسائلها ومفاعيلها على مكانة إسرائيل الاستراتيجية، وأمنها القومي.