«الروس قادمون!»، عبارة تكاد تختصر حالة الذعر التي سادت بلدة فادسو الواقعة على الحدود النرويجية الروسية الأسبوع الماضي، عقب سماع صفارات الإنذار لمدة 15 دقيقة إثر خلل فني. انهالت الاتصالات، من منتصف الليل حتى ساعات الصباح الأولى، على مركز الشرطة في البلدة النرويجية، في حين ارتفعت الأصوات المحذرة من احتمال اشتعال الجبهة مع الدولة المجاورة، روسيا، على الرغم من استقرار العلاقات بين البلدين اللذين يتشاركان حدوداً برية تمتد على أكثر من 196 كيلومتراً، وأخرى بحرية بطول يوازي 24 كيلومتراً.

فادسو لم يدخلها أيّ جندي روسي منذ أواخر الحرب العالمية الثانية، لكن ردّ الفعل غير العادي لفت الأنظار، إذ أكد أنّ أطياف حملات «شيطنة» موسكو ورئيسها باتت مهمينة: «خلل فني» في بلدة نائية لا يتعدى عدد سكانها ستة آلاف نسمة، رفع الغطاء عن «كابوس الحرب» الذي يُلاحق سكّان الدول المجاورة لروسيا، وفضح «الرهاب الهستيري من الروس»، المتفشّي نتيجة التهويل المستمر بـ«الخطر الروسي».
في المشهد العام، وعلى مدى السنوات الماضية، وتحديداً منذ إشعال الجبهة الأوكرانية عام 2014، كانت نسب النجاح الروسي في الحدّ من وطأة هذه الهجمات الإعلامية تتفاوت، لكن هذا لم يمنع الطرف المقابل من تصعيد مستوى حملاته إلى حدّ اتهام موسكو بشنّ «هجمات عسكرية» مباشرة على الأراضي الأوروبية.

حلقة الجاسوس
أجدد حلقة من هذا المسلسل الغربي الطويل عُرِضت فصولها الشهر الماضي في مدينة سالزبري البريطانية، حيث تحوّلت جريمة تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته إلى «هجوم عسكري (روسي) على أراضي المملكة المتحدة»، وفق رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، التي أضافت أيضاً أنّ «الروس سبق أن استخدموا غازات الأعصاب في هجمات على الأراضي الأوروبية... كنوع من الاستهزاء والازدراء والتحدي».
في حديث إلى «الأخبار»، يستغرب الخبير البريطاني في شؤون العلاقات الخارجية ورئيس تحرير مجلة «بوليتيكس فيرست»، ماركوس بابادوبولوس، ربط الحديث عن حرب باردة جديدة بحادث تسميم الجاسوس السابق، الذي أفادت تقارير صحافية، الأسبوع الماضي، بأنه بعد أيام من تعافي ابنته «تجاوز مرحلة الخطر»، في حين تبحث بريطانيا إمكانية منحهما هوية جديدة وتوطينهما في الولايات المتحدة.
«ما نراه اليوم هو ثمرة سنوات من التراجع الأميركي والتقدّم الروسي، وهو اعتراف ضمني من قبل الولايات المتحدة بتفكك النظام الأحادي القطب»، يؤكد بابادوبولوس، متّهماً لندن في السياق باستغلال حادث التسميم لـ«زيادة الإنفاق العسكري على الدفاع وتبرير تعزيز الوجود العسكري لحلف شمال الأطلسي في المناطق القريبة من الحدود الروسية» (راجع كادر الخارجية الروسية أدناه).
في هذه الحلقة، لعب الإعلام الغربي المسيطر دوراً متقدماً، علماً بأنّ الاتهام البريطاني لروسيا بشأن الجاسوس لم تثبته حتى المختبرات البريطانية، أهمها المختبر العسكري في «بورتون داون». على سبيل المثال، يؤكد الصحافي جوناثن لانداي، في حديث إلى «الأخبار»، أنّ «روسيا قامت بتسميم سكريبال». لكنّ هذا الصحافي الذي كان من بين القلائل الذين شكّكوا سابقاً في مزاعم إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش لغزو العراق، وتحوّل في حينه إلى قدوة في العمل الصحافي «المستقل والنزيه»، يتهرّب من الإجابة حين يُسأل عن «الدليل» الذي يُدين موسكو بشكل قاطع. يلجأ إلى مهاجمة وسائل الإعلام الروسية «الناطقة باسم الكرملن»، التي تعمل على «الترويج للأكاذيب بهدف إرباك الرأي العام وتضليله».

صراع طويل مع واشنطن لا لندن
«الصراع المتجدّد حول الخطط الأميركية لبناء قواعد الدرع الصاروخية في بولندا وجمهورية التشيك، أي في المناطق الواقعة قرب الأراضي الروسية، هو دليل جديد على أن العلاقات الأميركية الروسية تتدهور بشكل سريع، وتتجه نحو اندلاع حرب باردة جديدة»، قال كوهين في مقالة أخرى نشرها عام 2007 عقب تعرضه لانتقادات واسعة تأجّجت بصورة خاصة بعد اتهامه «معظم المسؤولين الأميركيين والصحافيين والأكاديميين» بـ«تجاهل» حقائق النهوض الروسي، لأنّهم يخافون «مواجهة سياساتهم غير الحكيمة وتحليلاتهم الخاطئة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991».
بعد مرور عشرة أعوام، أي في تشرين الأول الماضي، كتب كوهين الذي سيصبح رئيس تحرير «ذا نيشن» التي تُعدُّ راهناً المجلة الأسبوعية الأقدم في الولايات المتحدة، مقالةً جديدة بعنوان «الحرب الباردة الجديدة أكثر خطورة من سابقتها»، وقال إنّ العالم يشهد تهديدات اقتصادية وأمنية «غير مسبوقة» تُنذر بمواجهة أميركية روسية قريبة، مستدركاً بأنّ الإعلام الغربي «يتجاهل» الواقع لناحية أنّه «غير مكترث» بتداعيات التسويق، عن قصد أو غير قصد، لسياسة العداء لروسيا.
بهدف تدعيم وجهة نظره، حدّد كوهين ستة عوامل أساسية تجعل «الحرب الباردة الجديدة أكثر خطورة من سابقتها»، مضيفاً إليها في وقت لاحق عاملاً سابعاً في مقالة بعنوان «روسيافوبيا في الحرب الباردة الجديدة»، نشرها في الرابع من حزيران الجاري، وهو: «إشاعة الرهاب والخوف من روسيا».

ما نراه هو ثمرة سنوات من التراجع الأميركي والتقدّم الروسي


هذه العوامل بدأت تنجلي في الأشهر الأولى من العام الجاري، لا بل جعلتها «أزمة الجاسوس الروسي» ملموسة، خاصة لناحية دور الإعلام فيها. إلا أنّ درجة الخطورة ترتبط بشكل مباشر، وفقاً للباحث الأميركي، بواقع أنّ «مركز التصادم» في هذه الحرب لن يكون عند الحدود المشتركة لبرلين المنقسمة، أو في ما كان يُسمى «العالم الثالث»، بل «على حدود روسيا مباشرةً» ويمتد من دول البلطيق وأوروبا الشرقية وصولاً إلى أوكرانيا والبحر الأسود، حيث «نشهد نمواً متسارعاً للوجود العسكري الأطلسي»، يتمثّل في إرسال المزيد من القوات والعتاد والطائرات والسفن الحربية، بالإضافة إلى إنشاء قواعد الدفاع الصاروخي. ومنذ عام 2016، يقيم «الناتو» مناورات ضخمة في بولندا، التي ينظر إليها الغرب كـ«خاصرة روسيا الضعيفة» في الشرق الأوروبي، وكذلك في دول البلطيق الثلاث: لاتفيا، إستونيا، وليتوانيا المتصلة اقتصادياً وجغرافياً بدولتي السويد وألمانيا، وهي باتت تُشكّل أولوية لروسيا قد تطغى على الأولوية البولندية.
الوجود العسكري الأجنبي الأضخم على الحدود الروسية منذ الغزو الألماني النازي عام 1941، دفع موسكو إلى تأمين حدودها من خلال العمليات العسكرية المضادة، كما في جورجيا وأوكرانيا، وزيادة حشدها العسكري في كالينينغراد، المنطقة الروسية المطلّة على البلطيق، والواقعة بين ليتوانيا وبولندا. للإشارة، في تموز الماضي، أعلن وزير الخارجية البولندي، فيتولد فاشيكوفسكي، أنّه «فور انتهاء أعمال بناء قاعدة الدفاع الصاروخي الأميركي في مدينة ريدزيكوفو، سيتم نشر قوات الأطلسي والقوات الأميركية فيها»، مشيراً إلى إمكانية أن تصبح بولندا «دولة من الفئة الأولى» في الحلف. وجاء ذلك بعد أكثر من عام على تدشين أولّ قاعدة للدرع الصاروخي الأميركي، مزودة بمنظومة «إيجيس أشور» في بلدة ديفيسيلو الرومانية.
إزاء هذه الوقائع، يدعو ستيفن كوهين إلى إجراء مقارنة بين الوجود العسكري «الملموس والواضح» لحلف شمال الأطلسي حول روسيا، وما يشكله الأمر من تهديد عسكري مباشر لموسكو، وبين «روسيا غايت» ومزاعم «التدخل» الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، التي «لا دليل» عليها سوى ما ينشره الإعلام الموالي لدعاة الحرب.

سوريا: مركز تصادم أيضاً
«مركز التصادم» الثاني في هذه الحرب هو سوريا نفسها. الباحث الأميركي يرى «احتمالاً أكبر» لنشوب نزاع عسكري أميركي روسي مباشر في سوريا، لا سيما «مع اقتراب القوات السورية المدعومة من روسيا من هزيمة المقاتلين المناهضين للأسد، والذين ينتمي معظمهم إلى منظمات إرهابية». وتتجه الأنظار اليوم إلى سوريا مع تصاعد الحديث عن ضربة أميركية قد تكون «القشة التي ستقصم ظهر البعير» بين واشنطن وموسكو، فتقود نحو «اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة» بين البلدين (تُذكر هنا تغريدة ترامب نفسه أمس، التي قال فيها إنّه سيقوم بقصف سوريا بصواريخ «حديثة وذكية»، داعياً روسيا إلى «الاستعداد»، ومضيفاً أنّ العلاقات الثنائية «أسوأ الآن مما كانت عليه في أي وقت مضى، بما في ذلك أثناء الحرب الباردة»).



قضية سكريبال «القذرة»


الأسبوع الماضي، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في مؤتمر صحافي، أنّ «تضخيم لندن لقضية سكريبال هو محاولة لتبرير النفقات العسكرية»، وهو «تكتيك» استخدمته واشنطن وقامت بتسويقه وتصديره إلى العالم، لا سيما إلى الدول الأعضاء في «الناتو». ومذكرةً بتصريح لوزير الدفاع البريطاني طالب فيه بتحديث القوات المسلحة البريطانية على خلفية «الهجوم بدم بارد على سكريبال»، قالت زاخاروفا: «صلة مباشرة: روسيا هاجمت بريطانيا، نريد أموالاً لأننا نحتاج إلى المزيد من الأسلحة»، فيما وصفت القضية بـ«القذرة».