الضحايا وسوق السياسة

حتّى نتوقّى من منطق الثنائيات والأخلاقيات الزائفة، يجب، قبل أيّ حديثٍ عن الضّربة الغربيّة القادمة، أن يكون هناك اتّفاقٌ على منطلقين. أوّلاً، أنّ الحرب وأسبابها ونتائجها لا ترتبط بأيّ شكلٍ بحماية المدنيين أو الحرص على السوريين أو غيرهم من العرب؛ وأيّ محاولةٍ لخلع لبوسٍ «أخلاقيّ» على هذه الحرب سيوصلنا، حكماً، الى إشكالٍ منطقيّ. هذا ليس فقط لأنّك ستجعل من أشخاصٍ كدونالد ترامب (أو ماكرون، أو بن سلمان) سلطةً «أخلاقيّة» ومرجعاً للحقّ في هذا العالم، بل ايضاً لأنّه ـــ بحسب القواعد «الديمقراطية والليبرالية» في العلاقات الدوليّة ـــ فإنّ كلّ ما يفعله الحلف الأميركي في بلادنا هو عمل حربٍ خارج القانون، وهو «جريمةٌ» في عرف القانون الدولي. وحدَه إيفو موراليس، الرئيس البوليفي، ذكّر بأنّ تلويح اميركا بشنّ الحرب، هي وحلفائها، مع إذن دولي أو بغيره هو انتهاكٌ للقانون الدولي يستدعي المحاسبة (مثلما كان غزو العراق، ايضاً، حرباً غير قانونيّة، ولم يحاسَب عليها أحد).
المشكلة هي ليست حين تنحاز الى صفّ المؤسسة الغربيّة وأتباعها في الوطن، بل هي حين تحاول أن تعطي انحيازك هذا بعداً أخلاقيّاً. من هنا كان الجناح «الانساني الليبرالي» بين النّخب العربيّة هو، تحديداً، مَن دعم كلّ حربٍ غربيّةٍ كاسحة في السنوات الماضية دمّرت بلاداً وفكّكت مجتمعات كاملة، من العراق الى ليبيا وسوريا، ووقف في صفّ أيّ ميليشيا تحظى برضى واشنطن، وهو فعل ذلك بكلّ راحة ضمير وطمأنينة (مع «ليبراليين» كهؤلاء، انت لا تحتاج الى فاشيّين). لهذا السّبب يجب تجنّب الخطاب الأخلاقوي السّهل في مجال السّياسة، دفاعاً عن الأخلاق والمبادئ وليس لاجتنابها. فأنت، حين تتدثّر بالأخلاق والضّحايا وانت تقف خلف ترامب وحروبه، أو تصدح بها من على منبرٍ خليجيّ، فأنت تخفض من قيمة هذه المبادئ وتسفّهها، ولا ترفع من شأن قضيّتك أو تجعلها منطقيّةً وحقّة.
المنطلق الثاني هنا هو أنّ الضّربة القادمة، مهما كان شكلها وتبعاتها، ليست أمراً جديداً أو حالة قطعٍ واستثناء. الجيوش الأميركية موجودة في بلادنا من أقصاها الى أقصاها، وهي تضرب في سوريا منذ سنوات، والجميع يعرف أنّهم لم يأتوا لكي يرحلوا بسهولة. ومن مسح مدناً مثل الرقّة والموصل بمن فيها لن يوفّر دمشق أو غيرها. الحرب قائمة، وليس على مستوى سوريا فحسب، بل هي أصبحت عاملاً مشتركاً في تاريخ كلّ بلدٍ في المنطقة. أكثر هذه الدّول إمّا عاشت حروباً مباشرةً وغير مباشرة تديرها واشنطن، أو وجدت نفسها لسنواتٍ تحت حصارٍ وعقوبات كاسرة، أو وقعت تحت الغزو المباشر والإحتلال. حتّى الشعوب التي لم يزرها الغزو الأميركي بطائراته، مثل مصر والأردن وفلسطين، كانت أقدارها السياسية وهويّة أنظمتها والعوامل الأهمّ في تقرير حياة أهلها تشكّلها الإرادة الأميركية وجدول حروبها في الاقليم. أكثر من ذلك ففي حالة سوريا، يجب أن نكرّر لمن ينسى، فإنّ ما تفعله اميركا وتركيا والسعودية وقطر وغيرها منذ سنوات، من تصدير الميليشيات والسّلاح الى فتح الحدود والتنسيق لتدمير البلد، هو «إعلان حربٍ» بأيّ مقياس؛ وهم ببساطة اختاروا مرحلةً يعرفون أن الجيش السوري فيها لم يكن قادراً على مبادلة العدوان بمثله. الوهم هنا هو فيمن يعتقد بأنّ المواجهة تحصل في حلقاتٍ وتنقطع، أو أنّ في الإمكان تجنّبها وعقد «تسويات»، أو أنّ الحرب على اقليمنا ـــ في السياق العالمي الحالي ـــ يمكن أن تتوقّف. كلّ ضربةٍ، أو تراجعٍ اميركي، أو حربٍ جديدة وتصعيد، ليست بداية العالم ولا نهايته، بل هي مجرّد مرحلةٍ جديدة في صراعٍ مستمرّ، يأخذ أشكالاً مختلفة في كلّ بلد ولكنّه، في الآن نفسه، يجمعنا معاً.

حربان ونخبتان
من الأوهام الشائعة في بلادنا فرضيّة أن اوباما كان «متردّداً» وجباناً، تجنّب التدخّل في سوريا. هذا غير صحيح من جهةٍ لأنّ اوباما تدخّل بالفعل، ولولاه لما كانت الحرب حصلت بهذا الشكل وهذا الكمّ من الضحايا والاقتتال الدّولي، ومن جهةٍ أخرى لأنّ ما منع اوباما عن رمي جيشه في سوريا (إن كان هذا هو ما يقصده دعاة «التدخّل» بالتّعبير) كانت حسابات عقلانيّة وعسكريّة وسياسيّة، شاركه فيها الكثير من قيادات جيشه، والّا لكان الجوّ السياسي مهيّأً: كيري كان يؤيّد حرباً على سوريا ومثله هيلاري وطاقم الخارجيّة، الإعلام كان «إعلام حربٍ» لصالح المواجهة، والنّخب الأميركية المؤثّرة كانت (ولا تزال) في إجماعٍ على تأييد الحرب. واليوم ايضاً، بعد كلّ ما جرى، يجمع معلّقٌ يمينيّ متعصّب مثل تاكر كارلسون في «فوكس» وصحافي يساري كغلين غرينوولد، محرّر «ذا انترسبت»، بأنّ لا وجود لمساحة نقاشٍ حول سوريا بين النّخب الأميركيّة، وأنّ أي رأيٍ خارج الصيغة المعلّبة في تأييد الحرب يجري إسكاته والتعامل مع صاحبه على أنّه عميلٌ روسيّ أو محبٍّ للطّغاة، وهذا في اميركا. المغزى هنا، لمن ينتظر الغزو منذ سنوات، أنّك لم تتعرّض الى مؤامرةٍ وخديعة، ولا اوباما خذلك، بل تمّ عرض الحرب المباشرة في سوريا على البرلمان في بريطانيا وأميركا حيث واجه مقاومةً ورفضاً، وكانت المخاطرة العسكريّة كبيرة، وليس لدى السوريين وحلفائهم يومها ما يخسرونه (الّا إن كنت تعتبر اوباما خادماً لديك، وهو يجب أن يتحدّى الكونغرس لأجلك، ويتورّط في حربٍ بلا أفق، ويدمّر إرثه السياسي ومكانه في التاريخ، والّا فهو خدّاعٌ متآمر).
المسألة هنا، سواء بالنسبة الى العرب أو الأميركيين الذين يدعون الى الحرب، هي في أنّه على عكس حالة العراق قبل سنوات (أو ليبيا حتى) فلا أحد هنا يدّعي امتلاك مشروعٍ سياسيّ، أو أنّه سينقذ سوريا عبر القصف، هو مجرّد إجماعٍ على الحرب لذاتها. السؤال يصبح أكثر كشفاً حين نستعيد أنّ المتشابه في كلّ الحروب الغربيّة في السنوات الماضية هو اشتراكها في النتيجة: تدمير بلدٍ وإغراقه في موجةٍ من العنف والتخلّف. كانت هذه هي الفرضية المحوريّة لمن وقف ضدّ غزو العراق، أنّ لا علاقة بين صدّام وطبيعة نظامه وبين أهداف الغزو، وأنّه لا يحقّ لأحدٍ أن يدمّر بلداً بحجّة أنّه يقاتل ديكتاتوراً، وأنّ الاحتلال هو عكس الديمقراطيّة ـــ ضمن أيّ مفهومٍ لها (بالنتيجة حتّى صدّام، في أحلك أيّامه، لم يفعل بالعراق ما فعله الأميركيون وأعوانهم، من الحصار الى الغزو). ولكنّ هذا النقاش قد حُسم وقد طواه التّاريخ، ومن يدافع عن الغزو اليوم يعرف جيّداً المصير الذي يتمنّاه لأهل سوريا ومن حولها، ولا حجّة له في تجميل موقفه.
هذا الإجماع، في الحالة الغربية، قد يكون مفهوماً عبر دراسة حالة هذه الدّول وأزماتها وظروفها الداخلية. هم يريدون الحرب في الشرق الأوسط ربّما لأنّهم يخافون أفول الهيمنة الغربيّة، ووجدوا أنّ ضربةً ضدّ خصمٍ لا يملك سلاحاً نووياً قد تكون «حاجةً» اليوم لإعادة فرض هيبتهم ومنع التّراجع. أو هم ربّما يتّفقون على أن اقليمنا لا يجب أن يُترك لغيرهم، أو أن يُسمح لقوى مخالفة فيه بالبقاء والتمدّد. بل ربّما هم، ببساطة، لا يعتبرون أهل هذه البقاع بشراً مثلهم، فالحرب ضدّهم أمرٌ سهل ومستساغ طالما هي غير مكلفة.
أمّا في الحالة العربيّة، فإنّ الخطاب الذي يؤيّد الحرب حولنا لا يعكس الّا فشل الدّولة العربيّة في بناء نخبٍ تعمل لمصلحتها القوميّة وتملك منظاراً مستقلّاً لشؤونها، حتّى أصبح أكثر مثقّفي ومفكّري هذه البلاد يستثمرون في مشاريع تعلن الحرب على شعبهم. الغربيّ بعيدٌ وقد لا يقدر على التّماهي مع أهل هذه الأرض وفهم ظروفهم الحقيقية، أو هو ببساطة يجهل سياقنا، ولكنّ حماسة نخبٍ «عربيّة» للحرب والضّربة هي حالة انحيازٍ سياسي وأخلاقي أكثر وضوحاً. بعضهم يوقّع عرائض في المطبوعات الغربيّة ليلعب دوره الصغير في شرعنة احتلال بلاده، كأنّ من يتموّل من الحكومات الغربيّة ويعمل لديها يملك أن يعطيها «إذناً» في هذا المضمار؛ والبعض الآخر يستاء ويطلب منّا الحذر لأنّه يخشى أن لا تكون الضربة كبيرةً كفاية، وكاسحةً كفاية؛ هو «يخشى» أن لا يحصل لبلده ما حصل للعراق وليبيا. الوضع اسوأ اليوم من حالة غزو العراق، وهو يؤشّر الى تطوّر «الاقتصاد السياسي» للثقافة والإعلام في بلادنا منذ عام 2003. أيّام حرب بغداد، كانت حجّة من يؤيّد الغزو تقوم على افتراضين مترابطين؛ الأول نفعيّ متفائل وهو يزعم وجود «فرصة ذهبيّة» لـ«تحرير» العراق من صدّام، وإخراجه من ربقة الحصار، وتحويله الى بلدٍ ديمقراطيّ مزدهر، وأنّ كل ذلك في المتناول وبكلفة قليلة (من يرفض عرضاً كهذا؟). الافتراض الثاني كان في أخذ الادّعاءات الأميركية على أنّها حقيقة، وأنّ الأميركيين يطمحون فعلاً الى بناء دولةٍ قوية ومزدهرة مكان العراق «القديم».
اليوم، حتّى هذا المنطق البسيط المخادع لم يعد موجوداً. لا أحد يزعم بأنّ أميركا صادقة في وعودها أو أنّها ستبني بلده من جديد وتحوّله الى سويسرا؛ و«قادة الرأي» بين العرب، من أرفع الشيوخ الى «المثقّف الحديث»، يؤيدون حرباً وهم يعرفون جيّداً ماذا تعني لنا: هم يقولون لنا، ببساطة، إنهم يريدون لبلادنا أن تدمّر ولأهلنا أن يموتوا، حرفيّاً؛ ويضيفون أنّ هذا هو موقفهم «الأخلاقي»، لأنّهم «ضدّ الأسد»، ويفترض بنا أن نأخذ كلامهم بلطفٍ وتفهّم. هذا، بالطّبع، ليس غريباً في بلادٍ مفكّكة تتخللها الشروخ والحروب، ولا معايير فيها ولا حدود للطموح الفردي والتبعيّة. منذ فترةٍ قصيرة، مثلاً، كان مثقّفون لبنانيّون في الإمارات يحاضرون علناً في «الحاجة» الى حربٍ على بلدهم للجم نفوذ المقاومة و«حزب الله» (ولا نذكر هذا للمطالبة بالمحاسبة، أو بتطبيق القانون، بل فقط لتوضيح مستوى المواجهة ونوعية النخب وشراسة الخصم).

خاتمة
المغزى هنا هو أنّه، كما يقول العديد من الباحثين، فإنّ هدف اميركا في حروبها هو ليس بناء حكومات بديلة، وهم يعرفون (على عكس عميلهم المحلّي) بأنّ مثال الآلوسي لا يمكن أن يحكم العراق وأنّ سوريا لن يعيّن حاكمها أميرٌ خليجيّ وأن حربهم، على الأرجح، لن تنتج نظاماً مستقرّاً. هدف الحرب هنا هو التدمير بذاته كما يقول علي القادري وغيره، وإسقاط نظامٍ معادٍ وفتح البلد كميدان حرب، ولو كان تدمير المجتمع «ضرراً جانبياً». الشيء الوحيد الذي في صالحنا هو أنّ الحرب الحقيقية لا تجري على «تويتر» ولا بين النّخب ومراكز الأبحاث والتمويل، بل هي تجري على أرضٍ ذرتها الحرب أصلاً وضدّ شعبٍ تحمّل ـــ على مدى سنين ـــ ما لا يُطاق.
هناك العديد من المقارنات التي تجري بين الضربة القادمة في بلادنا وبين غزو العراق عام 2003. في اميركا، يحذّر البعض من التورّط في سوريا خوفاً من «عراقٍ ثانية»، ومستنقع عسكري آخر، ومئات المليارات من الدولارات. ولكن، على الرغم من المتشابهات الكثيرة، الّا أنّ هناك فرقاً أساسياً. اميركا لا تزال تحكم العالم وهي قادرة على الضّرب والتدمير، وطيرانها يمكن أن يطال أيّ مكانٍ في أرضنا؛ هذا لم يتغيّر، ولكن الاقليم تغيّر بشكلٍ جذريّ. عام 2003، كان الشرق الأوسط مكاناً مختلفاً تماماً. التنظيم العسكري الأكثر نشاطاً يومها كان «حزب الله» (ببضعة آلاف من العناصر)، وإمكانات المقاومة ـــ محلياً ودولياً ـــ كانت في حضيضها. شعوبنا مفقرة وغير منظّمة، ولا حاجز بيننا وبين الإحتلال سوى حكوماتٍ متهالكة، وجيوشٍ قديمة لا تملك خطّةً لمواجهة خصمٍ غربيٍّ متفوّق. في السنوات التي مرّت أصبح الجميع مدرّباًَ على السّلاح، وخرجت تنظيماتٌ تضمّ مئات الآلاف من المقاتلين المجرّبين، وجيلٌ جديدٌ من العراقيين وإخوانهم يتحسّر لأنه لم يتح له أن يقارع الأميركيين حين جاؤوا الى أرضه في المرّة الأولى، وهو لا يتدرّب الّا على منع ذلك من التكرار. حين يصطدم النّصل بالنّصل سنفهم جيّداً الفارق بين السياقين، وأنّ ما يجب أن تخشاه أميركا هو ليس تكرار «حرب العراق»، لأنّ ما سيأتي سيكون أسوأ عليها بكثير؛ ومن عجنته الحرب والمأساة أصبح يتقن لعبة البقاء.