لا يمكن القفز فوق مشاهد صور المرشحين واللافتات التي تملأ السماء والأرض، على طرق لبنان وأبنيته. ثمة سوريالية في مراقبة هذه الشعارات، والوعود التي يغدقها المرشحون واللوائح. العبرة الأولى التي يخلص إليها أي مراقب بعد أسابيع حافلة بالخطب والشعارات والإطلالات التلفزيونية وجولات المرشحين، أن ثمة فريقاً واحداً يخوض المعركة تحت سقف سياسي واضح هو حزب الله.

فإذا كان هدف الانتخابات إعادة تكوين السلطة، فإن القوى التي تخوضها، اليوم، لا تخوض حملات سياسية، برؤية واضحة لتكوين سلطة بالمفهوم المتعارف عليه. وإذا لم يكن مطلوباً التشبه بما حصل في عام 2009، فإن ما حدث حينها، بغض النظر عن الانقسام بين 8 و14 آذار، أعطى للمعركة الانتخابية نكهة خاصة، سواء من خلال الترشيحات لشخصيات حاضرة بقوة في المشهد السياسي، أو من خلال التمركز كفريقين يخوضان منافسة انتخابية واضحة العناوين.
الأكيد أن تيار المستقبل يستعد للانتخابات من دون أي مضمون سياسي. أصلاً، تحالفاته تشي بذلك. فما دام هدفه سنياً، مقارعة خصومه في الشارع السني، كما يحصل بشكل فاقع في طرابلس وعكار، أو محاولة تدجين بعض حلفائه السابقين والانقلاب عليهم، كما حصل في البقاع الغربي، فهذا لا يتطلب منه خطاباً سياسياً، بل مجرد عبارات وشعارات تمزج بين الاقتصاد والتجييش العاطفي. والأكيد أيضاً أن رئيس الحكومة سعد الحريري لا يخوض الانتخابات خائفاً على موقعه في رئاسة الحكومة، طالما أن أفرقاء التسوية لا يزالون ملتزمين إعادته الى هذا الموقع، حتى لو حصل على مقعد واحد فقط زيادة عن حصص منافسيه السنّة.

الأكيد أن تيار المستقبل يستعد للانتخابات من دون أي مضمون سياسي


ولا يختلف واقع القوى المسيحية عن تيار المستقبل، إذ إن المعركة، ترشيحات وحملات، تتمحور حول السيطرة على النفوذ المسيحي، وتقاسم الشخصيات الممولة ورجال الأعمال والمستقلين، الى حد أن هذا الشق تحوّل إلى عصب أساسي في الحملة الانتخابية للقوى والأحزاب التي غاب عن خطابها أي توجه سياسي كبير يفترض أن يطبع أي حياة سياسية وأي انتخابات نيابية، لينقسم المرشحون بين مروّجين للعهد، ومنتقدين له ومتحدثين عن برنامج إصلاحات ووعود. في حين يجمع الطرفان تعدادهما لإنجازات يفترض أن تكون بديهية في أي من الوزارات الخدماتية، والتنديد بالفساد، وكأن جميع المنددين خارج السلطة والحكم والتركيبة القائمة منذ سنوات. ويجمعهما أيضاً غياب العامل الإقليمي عن أي خطاب انتخابي، بخلاف الأعوام الماضية.
وسط لامبالاة المرشحين، ما خلا الرغبة في الوصول الى ساحة النجمة، تبرز قوة حضور حزب الله في المشهد الانتخابي.
ليست المرة الأولى التي يخوض فيها الحزب معركة انتخابية، لكنها المرة الأولى التي يدخل فيها المعركة، ساعياً الى أن يكون حاضراً بقوة في السلطة، بما هو أبعد من السقف الذي رسمه له خصومه، بأنه يتحكم بالبلد ويمسك بمفاصله بواسطة سلاحه. ولأن حضور الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، المتكرر كان واضحاً في تحديد مسار المعركة الانتخابية سياسياً واقتصادياً، يمكن الإحاطة بالانتخابات من وجهة نظر الحزب. فهي ليست سبيلاً الى تأمين وصول نواب الثنائية الشيعية فحسب الى المجلس النيابي، إنما أيضاً في تحديد معالم المرحلة المقبلة، بعد الانتخابات النيابية.
لا شك أن الحزب، وسط قلق إقليمي كبير يسود منذ أسابيع وليس فقط بعد الضربة الإسرائيلية لمطار تي فور والتهديدات الأميركية، يستعد للانتخابات النيابية وفي باله احتمال إلغائها بسبب الوضع الإقليمي. لكن ذلك لا يمنع استعداده لها، لأنه أيضاً يحضر لما بعدها، وربطاً بالتطورات الإقليمية. فالحزب يدرك تماماً صعوبة الوضع الإقليمي، والمفاوضات المقبلة لوضع أطر جديدة للمنطقة، لذا يحتاج أكثر من أي وقت مضى الى أن يكون عنصراً ضابطاً وأساسياً في السلطة التي تنجم عن الانتخابات، بما يتعدى قرار السلم والحرب وحماية سلاحه. وهو هنا يقول خطاباً سياسياً واقتصادياً ومالياً واضحاً، وإقليمياً أيضاً. ودقة ما يقوم به، أنه حضر سلفاً أرضية صالحة لما بعد الانتخابات، مهما تكن نتيجتها، وهو ما سبق أن اعتمده كثابتة منذ سنوات. فالحكومة التي ستأتي بها أي انتخابات، هي إما حكومة اتحاد وطني جامعة، وإما حكومة من طرف واحد، أي طرفه، كما حصل مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. وإذا كان هذا الواقع قد أصبح مكرساً، حكومة بعد أخرى، إلا أن التطور الأبرز الذي استجدّ على أداء الحزب، لا بل الثنائية الشيعية، هو التعامل مع الحكومة، من ضمن رؤية اتفاق الطائف لها، أي أن السلطة هي في يد مجلس الوزراء، فلا يتحول الوزراء الى موظفين لدى رئيس الحكومة.
وإذا كانت المطالبات السابقة بوضع نظام داخلي لمجلس الوزراء قد طواها القلق من ردود فعل لدى الأطراف السنية التي يمكن أن تتخذ منها مناسبة لإعادة فتح جروح الصراع السني الشيعي، إلا أن ذلك لا يمنع أن ثنائية أمل وحزب الله فرضت أمراً واقعاً من الصعب التخلي عنه، مهما تكن نتيجة الانتخابات، في تشكيل الحكومة، والأهم دورها الثابت فيها. وأداؤهما في الحكومات الأخيرة، مهما كان شكل العهد ورئاسة الحكومة، يعبر تماماً عن هذا التوجه.