احتفت الجامعة الفرنكوفونية باللغة العربية. دغدغت اليسوعيّة «حنين» الطلاب إلى القواميس العربيّة التي يشكّل التعامل معها ومعرفة تقليب صفحاتها «مشكلة». رُتِّبت نسخات المنجد على الرفوف، «حُصّنت» المراجع والمقالات القديمة والنسخات الأصلية داخل صناديق زجاج، رُكّزت لوحة للأب لويس معلوف واضع «المُنجد»، ولوحة أخرى للأب فرديناند توتل واضع «مُنجد الأَعلام». بدا «المُنجد» في هذه الاحتفالية متجدداً أكثر من اللغة العربيّة نفسها.

بينما تواجه اللغة العربيّة «همّ» التحديث واللحاق بالإضافات اللغوية في الميادين التكنولوجيّة والعلميّة، تبدو الجامعة اليسوعيّة في بيروت أكثر حماسةً من كبريات المجامع اللغوية العربيّة في هذا المجال. تستند الجامعة «الفرنكوفونيّة» إلى تاريخ طويل وعمل دؤوب لليسوعيين في حقل اللغة العربيّة. أبرز إنجازات أولئك الرهبان قاموس «المُنجد» الذي احتفلت الجامعة بمرور 110 أعوام على إصداره عبر إطلاق المنجد المفصّل (عربي ــــ فرنسي، وعربي ــــ إنكليزي) والمنجد الإلكتروني.
في الأساس اختار المنظّمون عنوان «المنجد... المعاصر دوماً». 110 أعوام على عمر الطبعة الأولى (1908) من قاموس «المُنجد» الذي وضعه الأب لويس معلوف اليسوعي. صدرت منه إلى اليوم 35 طبعة، و600 ألف نسخة حملت توقيع المطبعة الكاثوليكية و«دار المشرق». مع «مُنجد» اليسوعيين أصبح القاموس في متناول الجميع وخصوصاً الطلاب. اقترب «المُنجد» من الجمهور أكثر من «لسان العرب» لابن منظور، وتخطّى نشره «السياسة» لابن سينا. على مرّ السنين، أُدخل إليه تباعاً اللون الأحمر إلى جانب الأسود، أضيفت صور وخرائط، زيدت آلاف الكلمات، وجرى تطوير استخدامه، ولحقت بالمفردات الموجودة شروحات…
«المُنجد» الذي وضعه الأب معلوف أصبح مرادفاً للقاموس في اللغة العربية، ثم راكم الآباء اليسوعيون إسهاماتهم في هذا «الإنجاز» اللغوي الذي بسّط اللغة وقرّبها أكثر من الطلاب والباحثين. من بين أولئك الأب فرديناند توتل اليسوعي الذي عمل على «المنجد في اللغة والأعْلام» (1930) منطلقاً من المعاجم العربية الأصيلة ومضيفاً كلمات عربية تقرّها المجامع العربية أو يستخدمها الأدباء والعلماء، وهذا المعجم يُعاد النظر فيه كل سنة أو اثنتين. ثم توالت إنجازات «اليسوعيين»: المنجد الوسيط (2004)، منجد الطلاب الحديث (2013)، والمنجد الكبير في اللغة والأعلام (2016)، والمنجد المعاصر للطلاب (2017)، المنجد المفصّل (المفردة، المقابل والاستعمال في السياق: عربي ــــ فرنسي أو عربي ــــ إنكليزي) والمنجد الإلكتروني (2018). وللمناسبة، احتفلت جامعة القديس يوسف في بيروت و«دار المشرق»، أول من أمس، بالإصدارين الجديدين اللذين أتيا نتيجة جهد وعمل كلية اللغات والترجمة في الجامعة نفسها، وبمشاركة مجموعة من الشباب خريجي مدرسة الترجمة في الجامعة وأساتذة فيها.

الشباب والعربيّة
في مسرح بيار أبو خاطر في حرم العلوم الإنسانية في اليسوعية، طغى حضور الشباب والطلاب رغم الصورة «النمطية» عنهم: الابتعاد عن العربيّة لصالح اللغات الأجنبيّة ولغة «الشات». طلاب كليّة الترجمة التي يُحسب لها هذا العمل حضروا أيضاً. في قاعة الاستقبال عُرضت صور وكلمات للمترجمين الشباب الذين عملوا على «المنجد المفصل: عربي ــــ فرنسي أو عربي ــــ إنكليزي». بين دردشات الحضور «بالفرنسيّة»، يمكن قراءة تعريف «المنجد» على لوحة كبيرة كما عرّفه الأب كميل حشيمه اليسوعي (مجلة النور، لندن عدد 119، نيسان 2001): «إسم علم ولكن بسبب الشهرة التي نالها أصبح كإسم «للجنس» فقد أصبح تعبير «المنجد» يستعمل للدلالة على أي قاموس».

راكم الآباء اليسوعيون إسهاماتهم في هذا «الإنجاز» الذي بسّط اللغة وقرّبها من الطلاب والباحثين


في كلمة رئيس جامعة القديس يوسف الأب سليم دكاش، لم يغب أصل الأب لويس معلوف اليسوعي «ابن زحلة ومن عائلة معلوف التي لها علاقات طويلة باللغة العربية وانفتاحها على الثقافة الأوروبية». برأيه «شكّل المنجد أداة لإخراج اللغة العربية من الانحطاط وللإسهام في النهضة العربية الكبرى التي كان اليسوعيون أحد دعائمها». والأب معلوف الذي وضع «المُنجد» أجاد لغات عدة، وبحسب دكاش «اطلع معلوف خلال وجوده في فرنسا لدراسة اللاهوت على العديد من المخطوطات العربية وقام بنسخها».
«يقال راجع المنجد والقصد مراجعة القاموس» بهذه الكلمات اختزل مدير «دار المشرق» الأب صلاح أبو جودة عمر المنجد مع الدار. وقد وصلت شهرته إلى دول عديدة منها «إندونيسيا والهند» قال. إنه «مفخرة» لليسوعية. أما وزارة الثقافة فقد أبدت «اعتزازها» بالمشاركة في المهرجان وفق كلمة الوزير غطاس خوري، التي ألقاها البروفيسور أمين فروخ. هذا ما اكتفت به الوزارة، أما فرّوخ فكانت له كلمة لاحقة أسهب فيها.

«جعة أم بيرة؟»
المحطّة الأكثر قرباً من جمهور الشباب الحاضر في الصالة كانت مع البروفيسور هنري عويس، مدير مرصد اللغات العربيّة وأخواتها في الجامعة، بعنوان «ماذا تأخذون: الجِعة أم البيرة أم عصير الشعير؟». ثم سأل عويس «ولماذا تأخذون وليس تشربون؟»… كلمات عويس التي اختارها بعناية مثل «أنا ذاهب إلى اليمّ واللجة للسباحة، وليس إلى البحر» كان لها وقعها على الحاضرين. هو دوزَن الكلمات حين أشار إلى جهد واضع «المُنجد»، أو جهود المترجمين حالياً، حين «يدوزِنون» الكلمة، وللمفارقة لفت عويس إلى أن كلمة «دوزن» تركية الأصل. أما نداء التحديث في اللغة، فجاء صريحاً على لسان مدير المعهد العالي لإعداد الدكتوراه في علوم الإنسان والمجتمع في الجامعة البروفيسور جرجوة حردان، إذ تحدّث عن إضافات ضرورية وغياب مصادر الكلمات الأعجمية إلى اليوم، داعياً «إلى إعداد لائحة علميّة للكلمات المستعملة واقعاً وحالياً، وإلى تطوير مشروع لائحة الكلمات العربية الأكثر استعمالاً».

«إضحك» مع الترجمة
وإذ عملت كلية اللغات في اليسوعية على المنجد المفصل ونقله إلى الفرنسية والإنكليزية، اعتبرت عميدة الكلية البروفسورة جينا أبو فاضل «أن المنجد القديم يتوجّه إلى مثقف القرن الواحد والعشرين، فيما المنجد الثنائي الجديد (عربي ــــ فرنسي، عربي ــــ إنكليزي) يخدم المترجم المحترف الذي ينقل للمثقف المعلومات». وفي هذا النقل «أُسقطت من المنجد الثنائي أصول المفردات، وتمّ الإبقاء على الميدان الذي تنتمي إليه المفردة مثل الطب والفيزياء وسواها». وأوردت أبو فاضل العديد من المفردات التي لها ترجمات مختلفة، مثل إبرة وجسم. وأسهبت في تعداد الصور البلاغية التي تزدحم بها اللغة العربية، والتي كان من الصعب نقلها إلى الأجنبيّة، مثل نقل الصورة البلاغية «فجعلناه هباءً منثوراً». وهنا استطردت أبو فاضل لتقول «لكن الصور لا ترتحل من لغة إلى أخرى وتبقى على حالها». مثال آخر اختارته أبو فاضل: «وراء الأكَمة ما وراءها»، وفيها دلالة إلى صخور الأكمة التي انتظرت الحبيبة خلفها مجيء حبيبها، وهنا يصبح النقل إلى الفرنسية موازياً لعبارة «il y a anguille sous roche»، وبالإنكليزية «there is something fishy». لكن الأمر يختلف مثلاً عند نقل الصورة البلاغية «يعرف من أين تؤكل الكتف»، حيث اكتفى المترجمون بترجمة المعنى إذ لا توجد صورة مشابهة لها في الفرنسية فتصبح مثلاً: «avoir de l’expérience»، أما في الإنكليزية فلها عبارة قريبة في المعنى وهي «to know on which side one’s bread is buttered». الترجمة الحرفية لصورة «وأعزّ من بيض الأَنوق» هي ترجمة مثيرة لـ «الضحك»، مما جعل المترجمين ينقلونها إلى الفرنسية بعبارة معناها «أكثر قيمة من الحياة». لكن ترجمة القول تصبح أسهل مع أقوال مثل «الولد سرّ أبيه»، وتصعب أمام «لا تطلب أثراً بعد عين». العثور على ترجمة «ترضي المترجم نفسه» أمر يتطلّب جهداً ووقتاً. ومراكمة الجهود أمر نجح به اليسوعيون وجامعتهم.