على الورق تبدو الأمور مثالية. قانون الانتخاب الحالي، والقوانين التي سبقته، كفلت حق ذوي الاحتياجات الخاصة بالمشاركة في الاقتراع عبر توفير اللوجستيات التي تتيح لهم ممارسة هذا الحق من دون عوائق وعراقيل. ولكن يبدو أن «تغييب حقوق هذه الفئة وإقصاءها مقصود» بحسب أمين سر اتحاد المقعدين اللبنانيين ومنسق حملة «حقي» جهاد اسماعيل الذي أكد لـ«الأخبار» أن مسحاً أجرته الحملة لكافة مراكز الاقتراع المعتمدة في لبنان أظهر أن أياً منها ليس مهيئاً لاستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة. احتجاجاً على هذ الازدراء بحقوق شريحة واسعة من اللبنانيين دعت «حقي» الى اعتصام في ساحة رياض الصلح قبل ظهر اليوم تحت شعار «جريمة الانتخابات النيابية 2018 ـــ تغييب المعايير الدامجة».

لا ينحصر ذوو الاحتياجات الخاصة بالمقعدين ومن لديهم إعاقات حسية وبصرية وذهنية (الأخيرة على مستويات عدة)، بل يشملون، بحسب اسماعيل، «الحوامل والمسنّين وكل من لديهم إعاقات غير ظاهرة كمرضى الديسك مثلاً». هكذا نحن أمام أعداد كبيرة من المقترعين لم يتم تقدير عددهم لغياب الإحصاءات، وهم ــــ وفق منظّمي الحملة ــــ «يتجاوزون 15 في المئة ممن الناخبين، لم تتوفر لهم التسهيلات والشروط الملائمة للإدلاء بأصواتهم، ما يعدّ انتقاصاً من استقلالية الإنتخابات المقبلة». الأسوأ، وفق اسماعيل، هو ما يحدث في كل انتخابات. إذ «يجري تنخيب ذوي الاحتياجات الخاصة بما يمثّل إهانة لكرامتهم وحجزاً لحريتهم وتقييداً لسلامة اختيارهم». فغياب الإجراءات والتسهيلات اللازمة يدفع مختلف الجهات الحزبية في كل دورة انتخابية إلى أخذ المبادرة وتجنيد أشخاص لنقل ذوي الاحتياجات الخاصة إلى مراكز الاقتراع بسيارات إسعاف أو في باصات خاصة، ما يؤثر في قرارهم الانتخابي، «ولا أحد يبادر إلى مثل هذه الخدمة مجاناً إن لم يكن يحتاج الى صوت المعوّق». يشبه اسماعيل عملية نقل هؤلاء الناس كما لو كانت عملية نقل أكياس باطون: «خود هالفوج لنجيب اللي بعده». بعضهم يؤتى بهم الى مراكز الاقتراع على «حمّالة» بما يعدّ امتهاناً لكرامتهم. أما من يأتون بمفردهم، فيتولّى عناصر القوى الأمنية أو شرطة البلدية حملهم إلى القلم مما يعرضهم لأذى جسدي ونفسي. هذا الانتهاك يُستكمل داخل مركز الاقتراع. فكثيراً ما يجري تنخيبهم خارج الستارة لعلو الصندوق بالنسبة للمقعدين، وعدم تخصيص مندوبين من خارج رؤساء الأقلام لمساعدتهم على الاقتراع بحرية، والأمر أكثر تعقيداً بالنسبة للمكفوفين الذين لا تتوفر لوائح بصيغة «بريل».

يشمل ذوو الاحتياجات الحوامل والمسنّين ومرضى الديسك


حسن كرنيب الذي يشارك في الاعتصام اليوم تحدث عن «مرارة» ترافقه في كل دورة انتخابية. فمركز الاقتراع حيث أدلى بصوته في الانتخابات البلدية الأخيرة «لم يكن مجهزاً لاستقبال من هم في مثل حالتي، ما اضطر عناصر الدرك لحملي إلى الطابق الأول. أما داخل القلم، فلا تفصيل يلحظ حاجات المعوقين. إذ لم أتمكن من الدخول وراء الستارة على كرسيّ المتحركة، ولم أتمكن من الوصول الى الصندوق، فأدخل رئيس القلم الورقة في الصندوق بدلاً مني».
وكانت «حقي» طالبت، تقليلاً لحجم الانتهاكات التي يتعرض لها ذوو الاحتياجات الخاصة، بتخصيص 10 مراكز نموذجية في كل المناطق اللبنانية تسهل عملية الاقتراع إلا أنه لم يؤخذ باقتراحها. الأمينة العامة للجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات «لادي» مايا نصار أكّدت لـ«الأخبار» أن لا جدية لدى من يتولون إدارة الانتخابات في تأمين حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، واعتبرت أن الدولة «تعتمد المراوغة في كل دورة انتخابية، وتبادر إلى إجراءات شكلية في الوقت القاتل». لا سبب، وفق نصار، يدفع الدولة الى هذا الاستهتار والانكفاء عن قيامها بواجباتها إلا الرغبة في «إبقاء هذه الفئة من الناخبين مرتهنة للماكينات الانتخابية».