الاحتفاء بتاريخية العلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا، ومحاولة ماكرون، كعادته، إظهار قدرته على التفاوض، لم يغيّرا طبيعة القمة الأميركية الفرنسية التي احتضنها البيت الأبيض مساء أمس، ولا وجهتها. فدونالد ترامب لا يبالي كثيراً بتاريخية الروابط بين ضفتي الأطلسي، إذا لم تأتِ بمردود له، في وقت أنّ ماكرون انحاز عملياً في نهاية الأمر إلى ما يريده ترامب بخصوص إيران، وبالتالي لم يكن مفاوضاً ناجعاً، بل سمساراً، إذ قدّم خطةً جيدة لمحاوره تضمن توافقاً «شاملاً».

من دون الذهاب بعيداً والقول إنّ موقف ماكرون سببه إدراكه للأزمة التي تهزّ التعاون الأوروبي الأميركي ضمن المنظومة الغربية، خاصة منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وعدم قدرة عاصمة مثل باريس على التأثير منفردة في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الفرنسي في المؤتمر الصحافي المشترك: «يمكنني أن أقول إننا عقدنا محادثات صريحة جداً في هذا (الموضوع)، فقط نحن الاثنين»، مضيفاً: «نأمل اعتباراً من الآن العمل على اتفاق جديد مع ايران». وللإشارة، كان ترامب كان قد استقبل ماكرون بالقول له أمام الصحافيين: «الاتفاق مع إيران كارثة... هو فظيع ولم يكن ينبغي التوصل إليه مطلقاً».
الموقف المتشدد لترامب، نجح ماكرون، من المنظور الفرنسي، في تليينه، ولكن من خلال تقديم خطة عمل، تقوم على «أربع ركائز»، هي وفقاً له: ضمان ألا تنتج إيران أسلحة نووية حتى عام 2025، ومن ثم على المدى الطويل، معالجة أزمة الصواريخ الباليستية لإيران، ومعالجة نفوذ إيران الإقليمي، إذ إنّها «تنتشر في عدد من دول المنطقة». وعليه، تحوّل النقاش من تعديل الاتفاق النووي الحالي، أو «تمزيقه» كما يهدد ترامب، نحو مسألة التفاوض مع إيران على كل الملفات، ومن بينها الملفات الإقليمية، علماً بأنّها المرة الأولى التي يخرج فيها تصريح غربي بهذا الوضوح في هذا الشأن. وقد أكد ماكرون أنّ التفاوض حول «اليمن والعراق... وسوريا، يأتي ضمن هذه النقاط الأربع».

تقوم الصفقة الشاملة مع إيران التي عرضها ماكرون، على أربع ركائز


جدير بالذكر أنّه قبيل هذه القمة، نشرت «نيويورك تايمز» تقريراً، تقول فيه إنّ «المفاوضين الأوروبيين والأميركيين أحرزوا تقدماً نحو الوصول إلى اتفاقات ترسم ضوابط جديدة أمام إيران... منعاً لفرض عقوبات من قبل الغرب»، مضيفة أنّ «المفاوضين توصلوا بصورة عامة إلى اتفاق بشأن تدابير تقيّد برنامج إيران البالستي... لكنهم يبقون منقسمين بشأن كيفية توسعة قيود الاتفاق الأصلي (الموقع عام 2015) لتشمل الفترة اللاحقة لعام 2025»، أي التاريخ الذي تبدأ خلاله بعض القيود التقنية المفروضة على الأنشطة النووية تسقط تدريجاً. ويقول التقرير إنّ «الأوروبيين يريدون ضمانات بأنّه إذا جرى التوصل إلى توافقات جانبية، فستبقى الولايات المتحدة في الاتفاق النووي»، وألا تنسحب في شهر أيار المقبل، إذ إنّ ترامب يهدد بأنّه لن يصدّق في 12 من ذاك الشهر على «التزام إيران موجبات الاتفاق النووي».
ماكرون الذي استبق زيارته الأميركية بعقد لقاء مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، نسقا خلاله نقاطاً عالقة بين الأميركيين والأوروبيين (علماً أنّ ميركل ستلتقي ترامب في غضون هذا الأسبوع)، نجح عملياً في رسم خطة طريق شرق أوسطية لواشنطن ولحلفائها الخليجيين، تضمن لهم وللأوروبيين أيضاً، مفاوضات مع طهران حول كل الملفات الإقليمية، بما في ذلك الحل السياسي في سوريا. الدبلوماسي الأميركي آرون دايفيد ميلر، علّق بالقول: «أراهن على أنّ ترامب وجد سبيلاً لعدم الخروج من الاتفاق (النووي)، وإذا أراد ماكرون رصيداً (credit)، فليأخذه».
بعد وقت قليل من انتهاء المؤتمر الصحافي المشترك بين الرئيسين، نشرت وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية، مقابلة مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قال فيها إنّه «إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، فإنّ النتيجة الفورية، والأكثر احتمالاً، ستكون ردّ إيران بالمثل والانسحاب»، مضيفاً أنّه «لن يكون هناك أيّ صفقة لإيران حتى تبقى فيها». ونقلت الوكالة عن ظريف قوله إنّ أولئك الذين كانوا يخشون أنّ إيران تطوّر قنبلة نوويّة، عليهم أن يخشوا إذا أصبحت غير مرتبطة بقيود حول التخصيب والتصنيع، وحينه «ستكون وضعيّة مختلفة تماماً، بدايةً من منظور أولئك الذين أثاروا الكثير من الجلبة حول برنامج إيران النوويّ». وباستحضار القمة المرتبقة بين ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جانغ أون، قال ظريف في هذه المقابلة المعدّة مسبقاً، إذ لا يظهر فيها نقاش حول المعطى الجديد الذي أعلنه ماكرون، إنّ الولايات المتحدة «ليست شريكاً تفاوضيّاً جديراً بالثقة»، مشيراً إلى أنّهم «مستعدون لقبول كلّ ما تقترحه، ثم يتراجعون عن الوعود التي قدموها ضمن الاتّفاق... ذلك يجعل الولايات المتحدة شريكاً غير محتمل في أيّ اتّفاق دوليّ».
في الشأن الإقليمي الذي بات مرتبطاً من الآن فصاعداً بإعلان ماكرون الواضح والذي يبدو أنّه حظي بموافقة ترامب، فقد أجاب الأخير عن سؤال بشأن الانسحاب الأميركي من سوريا، قائلاً: «نريد العودة للوطن، وسوف نعود، لكننا نريد أن نترك أثراً قوياً ودائماً... أريد سحب القوات الأميركية من سوريا، لكنني لا أريد أن أعطي لإيران منفذاً مفتوحاً على البحر الأبيض المتوسط». وفي سياق إجابته، قال ترامب إنّ بلاده «محرجة في الشرق الأوسط... فقد دفعنا هناك 7 تريليون دولار، ولم نحصل على شيء (مقابل ذلك)، حصلنا على أقل من لاشيء»، مكرراً أنّ على دول أخرى في المنطقة «الانخراط والدفع» وإشراك قوات ميدانيّة. وقال إنّه يريد اتّفاقاً جديداً حول إيران له «أساسات صلبة»، وإنّه في حال تهديد إيران للولايات المتحدة بأيّ طريقة كانت فإنّها ستدفع «ثمناً لم يدفعه سابقاً إلاّ عدد قليل من الدول».
وكان ماكرون قد بدأ كلمته في المؤتمر الصحافي بنبرة مخالفة لما قاله لاحقاً، إذ توجه بدايةً إلى ترامب بخصوص الملف الإيراني، بالقول: «لقد ذكّرتَ بمواقفك الرئيسة، ولا غموض: ليس لدينا نفس المواقف». وبعدما عرض رؤيته، أشار إلى أنّ الاتفاق الشامل مع إيران «يضمن» إقامة شروط للاستقرار الإقليمي. وحين أحرجت مراسلة «فرانس برس» الرئيس الفرنسي، بأنّه «يُغيّر موقفه»، أنكر بداية قبل أن يضيف: «نحن لا نمزّق اتفاقاً لنذهب نحو لا شيء. يجب (التوصل) إلى اتفاق موسع حول إيران، وذلك لاستقرار المنطقة... توجنا (اللقاء) بمناقشة لا بدّ منها حول الشرق الأوسط... وإرادتنا هي في بناء الاستقرار في كل المنطقة»، مؤكداً في الوقت نفسه أنّ التوصل إلى حل في سوريا يجب أن يكون بحضور روسيا وتركيا.



التجارة مع الصين حاضرة
إلى جانب تكرار الرئيس الأميركي لمواقفه بشأن القمة المرتقبة بينه وبين الزعيم الكوري الشمالي، تطرق إلى مسألة التجارة مع الصين والاتحاد الأوروبي. وقال إنّ بلاده ستتوصل «على الأرجح» إلى اتفاق للتجارة مع الصين، مضيفاً أنّ مسؤولين من الجانبين سيجرون مفاوضات خلال أيام قليلة.
وكان ترامب وماكرون قد تطرقا إلى مسألة الرسوم الجمركية التي يريد الرئيس الأميركي فرضها على شركائه وتتعلق بالفولاذ والألمنيوم. وفي موقف لافت، أعرب أمام ماكرون عن أسفه لوجود الاتحاد الاوروبي كمحاور حول القضايا الاقتصادية، وقال إنّ «مسألة التجارة مع فرنسا معقدة بسبب وجود الاتحاد الأوروبي، أفضل التفاوض فقط مع فرنسا». وأضاف أنّ «الاتحاد الأوروبي يعاملنا بقساوة شديدة. لديهم حواجز جمركية غير مقبولة». وجدير بالذكر أنّه حين استقبل ترامب نظيره الفرنسي في المكتب البيضاوي، أقدم على إزالة آثار قشرة الرأس عن سترة ماكرون السوداء اللون، وقال: «لدينا علاقة مميزة للغاية، فضلاً عن أنني سأزيل هذه القشرة القليلة»!


ما قل ودل


في سياق التعليقات الفرنسية على لقاء ماكرون وترامب، كتب الزعيم اليساري جون لوك ميلانشون، في تغريدة على «تويتر»: «اصطفاف مؤسف لماكرون في خطّ ترامب. في إيران، ثمة حرب في الأفق»، مضيفاً أنّ «ماكرون خطر على السلام». من جهتها، علّقت النائبة المعارضة السا فوكيون، على تهنئة الرئيس الأميركي لنظيره بشأن قانون اللجوء والهجرة، وقالت: «تلقى ماكرون التهاني من ترامب على قانون اللجوء والهجرة، إنّه تتويج للعار».