وسط تكرار الحديث الأميركي عن انسحاب «قريب» للقوات المنتشرة في الشرق والشمال السوري، لحساب تعزيز تواجد قوات «حليفة» لواشنطن في تلك المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديموقراطية»، لم يشهد الميدان هناك تغيرات كبيرة، عدا تحضيرات لإعادة تنشيط الجبهات المشتركة بين «التحالف الدولي» وتنظيم «داعش». إذ انصبّ الجهد الأميركي خلال الفترة الماضية على بناء هياكل إدارية يمكن الاعتماد عليها كبديل عن المؤسسات الحكومية في مرحلة «إعادة الإعمار» الخاصة بمناطق النفوذ الأميركي. وهي مرحلة قد تشهد بداية لسحب بعض الوحدات العسكرية الأميركية المنتشرة من منبج حتى شرق الحسكة، مروراً بالرقة وبلدات الضفة الشمالية (الشرقية) لنهر الفرات، في حال تم تحضير بديل مسؤول عن حفظ الأمن ومنع تغيّر خريطة السيطرة لحساب أطراف أخرى، وبخاصة الحكومة السورية وحلفاءها.

الحديث المتكرر عن توسيع الدور الفرنسي في مناطق نفوذ «التحالف الدولي» لم ينعكس في شكل لافت وكبير على أرض الواقع، حتى الآن، على رغم ظهور دوريات للقوات الفرنسية في عدد من تلك المناطق. أبرز النقاط التي حضر فيها الفرنسيون كانت حقول «كونوكو» والجفرة والعمر النفطية والغازيّة، في ريف دير الزور الشرقي، وهي مناطق توتر بين «قوات سوريا الديموقراطية» والقوات الحليفة للجيش السوري، تُرجم باشتباكات أكثر من مرة. كذلك شهد ريف منبج الشمالي حضوراً فرنسياً مشتركاً مع الأميركيين في منطقة عون الدادات، قرب نهر الساجور الذي يشكّل الحد الفاصل بين مناطق سيطرة «قسد» ومناطق النفوذ التركي جنوب جرابلس. وعلى رغم هذا الانتشار، فإن حجم الحضور الفرنسي لا يزال هزيلاً هناك، ولا يمكن البناء عليه، مرحلياً، للقول إن الأميركيين في طريقهم إلى انسحاب «قريب».
في المقابل، بدا لافتاً بعد أشهر من الهدوء، انطلاق تحضيرات لعودة التصعيد بين قوات «التحالف» و«داعش» على طول المناطق التي يسيطر عليها الأخير، من محيط البوكمال الشمالي، وعلى طول الحدود شمالاً حتى بلدة تل صفوك الحدودية في ريف الحسكة. وأتت هذه التحضيرات بعد غارات عراقية متكررة استهدفت عدداً من مواقع «داعش» على الضفة الشمالية للفرات. المعركة التي يتوقع أن تنطلق خلال مهلة قصيرة، استبقت بعديد من عمليات الإخلاء التي نفذها «التحالف» في مناطق سيطرة «داعش»، عبر تكثيف لعمليات الإنزال الجوي خلال الأسبوعين الأخيرين. كذلك، شهد الأسبوع الجاري لقاءات بين قادة عسكريين في «التحالف» وممثلين عن «قسد»، ناقشت التطورات المرتقبة في تلك المنطقة.
وفي انتظار جلاء الغموض الذي يلفّ الخطط الأميركية عن «نشر الحلفاء» لقوات عسكرية هناك، تتضارب الأحاديث حول الدور المرتقب لتركيا في المناطق المحاذية لحدودها، والتي سبق لأنقرة أن هددت غير مرّة باجتياحها. كذلك ينتظر الدور السعودي هناك، في ضوء الحديث عن «كبح النفوذ الإيراني» في الشرق السوري، وتعزيز المملكة لتعاونها مع «قسد» منذ انطلاق عمليات «تحرير» الرقة. وأثارت التصريحات الكردية التي تحدثت عن مفاوضات تشارك فيها أطراف إقليمية متعددة، لنقل عناصر «جيش الإسلام» إلى الرقة، جدلاً واسعاً، قبل أن ينفي المتحدث باسم «الجيش» حمزة بيرقدار، وجود مثل هذا الطرح حالياً. بدوره، نفى رئيس «مجلس سورية الديموقراطية» رياض درار، في حديث إلى «الأخبار» وجود أي مفاوضات أو اتصالات لدخول «جيش الإسلام»، ولا لدخول «قوات من دول عربية» إلى مناطق سيطرتهم. ولفت في الوقت نفسه إلى «إمكان حصول اتفاق لمشاركة قوات عربية إلى جانب الأميركيين في حماية المنطقة، على رغم عدم وجود مؤشرات كهذه حتى الآن»، مبدياً تخوفاً «من انسحاب أميركي مفاجئ من المنطقة، لأنه سيفتح المجال أمام الأطماع التركية بتحقيق حلم الكانتون الإسلامي في المنطقة». ولفت درار إلى «وجود رغبة لدى مجلس سورية الديموقراطية بالدخول في مفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية، بعيداً حتى عن التنسيق مع التحالف الدولي»، معتبراً أن ذلك «غير ممكن حالياً بسبب عدم امتلاك الحكومة السورية قرارها، خصوصاً أن التقارب كان ممكناً من خلال عفرين، إلا أن ذلك قوبل بخذلان سببه الرفض الروسي لتقارب كهذا».