تونس | في انتظار الانتخابات البلديّة المرتقبة يوم الأحد المقبل، التي سوف تكون فرصة لإعادة تقييم موازين القوى قبل سنة من الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، وفي ظلّ حكومة يتحسّس وزراؤها كراسيهم وهم يرقبون تقرير مصيرهم في إحدى الغرف المغلقة في قصر قرطاج، وبرلمان تحوّل إلى مكتب أختام يُصادق ولا يُبادر، يبدو الزمن متوقفاً في تونس بعد سبع سنوات من انتفاضة شعبيّة خلخلت نظام بن عليّ وحملت وعوداً كثيرة لشعب أعياه الانتظار. وسط هذا المشهد المُثقل بالخيبات، تشكّلت منظومة سياسيّة جديدة، أساسها أن يلعب الجميع ولا يفوز أحد... لكن لا تسأل عن الأحلام بعدما تفرّقت بين القبائل.

بين 17 كانون الأوّل/ ديسمبر 2010 و14 كانون الثاني/ جانفي 2011، أثبتت الأحداث في تونس أنّ الدولة الأمنية التّي شكّلتها منظومة الحكم منذ إعلان الجمهورية في تموز/ جويلية 1957، بلغت منتهاها في القدرة على السيطرة والتسيير: القبضة التي تقمع، والعقل الذي يوجّه، والهيكل الحزبي الذّي يرصد ويحشد، لم يستطيعوا في نهاية المطاف منع تهاوي نظام ترهّل بفعل الجمود واجترار الخيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة ذاتها طيلة عقود.
ذلك الواقع المستجد، جعل الحاجة ملحّة أمام المنظومة المهزوزة حينها لخلق قواعد جديدة للسيطرة، وبعْث فاعلين جدداً قادرين على ضبط الطموحات الكبرى التّي انتعشت عقب المشاهد المتواترة لانهيار أركان النظام السابق. من هنا نشأ تكتيك «توريط الجميع»، أو كما أسماه رئيس الجمهوريّة الحالي الباجي قائد السبسي، في أحد خطاباته: «غمس أيادي الجميع في العجين».

بقيت أزمة تحييد «اتحاد الشغل» حاضرة، ولا تزال تداعياتها ثقيلة


مسارٌ انطلق مع تشكيل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديموقراطي في 15 آذار/ مارس 2011 والتّي ضمّت 12 حزباً سياسياً و19 نقابة ومنظمة من منظمات وجمعيات المجتمع المدني وقطاع الأعمال وعشرات الشخصيات السياسيّة والأساتذة والمعارضين المستقلين وممثّلين عن الجهات وعائلات الشهداء. أعمال هذه الهيئة التي استمرت لثمانية أشهر، تمخضت عن المصادقة على قانون الانتخابات وتكوين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، إلا أنّ هذا الوعاء الجديد، بتلك الفسيفساء والتناقضات الرهيبة بين مكوّناتها، مثّلت الملامح الأولى لمنظومة الحكم الآتية.
بعد انتخابات 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، التي أفرزت المجلس الوطني التأسيسي المُكلّف بكتابة دستور البلاد الجديد، تمّ تحديد أطر الحراك السياسيّ المستقبلي ضمن منظومة جديدة قائمة على تقاسم السلطات بين القصور الثلاثة (قرطاج والقصبة وباردو)، وتحديد المجال المسموح به لتحرّك قوى المعارضة ضمن العمل النيابي والأطر «الديموقراطية». عُرفٌ كاد أن يترسخ بمرور الوقت، قبل أن تشتعل أزمات متعاقبة، بدأت مع اغتيال القيادي المعارض شكري بلعيد في شتاء 2013، وتفاقمت مع اغتيال النائب محمد البراهمي بعد نحو خمسة أشهر، ما فرض «الحوار الوطني» كهيئة حكم أزاحت «الترويكا» الحاكمة بقيادة «حركة النهضة» وجاءت بمهدي جمعة رئيساً للحكومة التي ستحضّر لانتخابات 2014.
«الحوار الوطني»:

منظومة حكم بديلة
ما قبل أزمة اغتيال الشهيد محمد البراهمي، وقبله شكري بلعيد، سرى وهم في البلاد أنّ أضلاع منظومة الحكم الرسميّة، ممثّلة في السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة، تتم دسترتها وتُحدد أدوارها. لكن ما إنْ تعاقبت الأزمات، حتى جرى إرساء قواعد أخرى للعمل السياسي وفق اتفاق غير مكتوب، تضمّن إفساح المجال لهوامش الحركة والتفاوض في الكواليس والغرف السوداء، وللتوافقات التشريعية. هذا الخيار نشأ بعد اغتيال الشهيد محمّد البراهمي في تموز/ جويلية 2013، عبر الإعلان عن تشكيل ما عُرِف بـ «الرباعي الراعي للحوار» المكوّن من الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة، والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنيّة للمحامين بتونس، إضافة إلى أغلب مكوّنات المشهد السياسيّ من السلطة والمعارضة.
هذا الهيكل الجديد الذي أنهى حكم «الترويكا»، بإجبار «النهضة» على التخلّي عن السلطة التنفيذيّة وهي تراقب بتوجّس السيناريو المصريّ في حينه، طرح على نفسه تأمين الوضع السياسيّ في البلاد إلى حين الانتخابات العامة عام 2014. ولكنّ هذه التجربة بارتداداتها السياسيّة وثقل مكوّناتها السياسيّة والنقابيّة وأريحيّة الإدارة عبرها، لم تنتهِ بعد ذلك التاريخ، وإنّما وضعت الأسس الجديدة لـ «منظومة التوافق».
المنظومة الجديدة:

هياكل شرعيّة بلا سلطة
الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة في نهاية 2014، أفرزتا مشهداً سياسيّاً جديداً، وَضَعَ حزبي «النهضة» و «النداء» في صدارة الكتل النيابيّة، ليُشكّل «الشيخان» (راشد الغنوشي والسبسي) ائتلافاً حاكماً تعزّز بدعم قوّي من «منظّمة الأعراف» (نقابة رجال الأعمال التونسيّون) التي استطاعت، بصورة غير مباشرة، أن تحوز على 11 في المئة من المقاعد البرلمانيّة، ولتبدأ بذلك مرحلة جديدة اتسمت بتسريع وتيرة هيكلة الاقتصاد التونسيّ وإعلان برنامج تدريجيّ للتفريط في القطاع العام وفق روزنامة هيئات النقد الدوليّة. هذا الوضع أوجب تحييد أحد أهمّ أطراف «الرباعي الراعي للحوار»، وهو الاتحاد العام التونسي للشغل، ولكنّ المشهد لم يستمر طويلاً إذ إنّه انتهى بإطاحة رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، وبدأ البحث عن إعادة هيكلة «مسار موازٍ» للحكم في تونس لا يزال «اتحاد الشغل» خارجه.
نجاح منظومة التوافق كان رهن تحييد الهياكل الشرعيّة لإدارة البلاد، ممثّلة في الحكومة ومجلس نوّاب الشعب والمحكمة الدستوريّة. وهذا ما تمّ عبر خلق فضاءات بديلة أمسكت بزمام القرار ضمن السلطات الثلاث، وجعلت من الأخيرة مجرّد أدوات تنفيذيّة لمقرّرات غرف التوافقات التّي توزّعت بين قصر قرطاج الرئاسي ومبنى مجلس نوّاب الشعب.
البداية كانت مع إعلان الباجي قايد السبسي، في تموز/ جويلية 2016، عن مبادرة رئاسيّة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تشمل جميع أطياف المشهد السياسي والمنظّمات النقابية، تحت مسمّى وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية المقبلة، أو ما اصطُلح على تعريفه بـ «اتفاق قرطاج». وقد تضمّن هذا الاتفاق قرار الموقّعين بإنهاء مهمّة رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، الذّي لم يعد رجلاً «صالحاً» لمقتضيات المرحلة المقبلة كما يراها أصحاب القرار الحقيقيّون، كما أنّه رسم أضلاع مرّبع الخيارات وهامش التحركات المقبلة للحكومة الجديدة، وذلك حتّى قبل أن يتمّ تعيين رئيسها.
هذه الخطوة التي أنهت استقلاليّة القصبة (مقر رئاسة الحكومة) وجعلت من رئاسة الحكومة رهينة لإملاءات «المسار الموازي»، تبلورت بشكل أكثر وضوحاً في التعديلات الحكوميّة اللاحقة. لكن تحييد السلطة التنفيذيّة، كان فاتحة لضرب السلطة التقريريّة لمجلس نوّاب الشعب، ليتحوّل البرلمان إلى ما يشبه صندوق أختام، مهمّته المصادقة على القرارات ومشاريع القوانين المتّفق عليها سلفاً في «لجنة التوافقات». هذه اللجنة «البدعة» لم يكن لها أساس قانونيّ، وقد أنشِئت بتوافق الحزبيّن المهيمنين على المجلس بعد تفاهمات جماعيّة انتهت إلى خلق قناة خلفيّة لتصريف الخلافات السياسيّة بعيداً عن القاعة الرئيسية لمجلس نوّاب الشعب. وهذا مسار موازٍ آخر، ساهم في ضرب فاعليّة السلطة التشريعيّة التي انصاعت بحكم موازين القوى إلى المصادقة الآليّة على مشاريع القوانين والخيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التّي تتمّ هندستها خارج المجلس. ضمن هذا المشهد، بقيت أزمة تحييد «اتحاد الشغل» حاضرة، ولا تزال تداعياتها ثقيلة على المشهد السياسي. ولذلك انطلقت عملية منذ ثلاثة أسابيع هدفها توقيع «اتفاق قرطاج 2» قد يُنهي بدوره حكم يوسف الشاهد، لكنّ الأكيد أنّ الحاكمين لا يريدون دوراً للنقابة المركزية نظراً إلى إنصياعهم خلف برامج اقتصادية تُبعد الدولة عن دورها الاجتماعي.
الضلع الثالث والأهمّ، ممثّلاً في المحكمة الدستوريّة، عكس كسره المسار الأوضح لرغبة منظومة التوافق في الحفاظ على علويّة قراراتها، إذ لا تزال المحكمة الدستوريّة معطّلة وفق تفاهمات مسبقة لغرفة لجنة التوافقات. وهكذا، تحوّلت آليّة «التوافقات» إلى عائق رئيسيّ أمام إنهاء ما يُعرف بالمسار الانتقاليّ في ظلّ اتفاق ضمني على تعطيل مختلف الهيئات والمؤسّسات المستقلّة المنبثقة من الدستور.
المسار الموازي...

وأطر جديدة للمعارضة
التأمّل في مسارات الانتفاضات التي شهدتها معظم ولايات البلاد خلال السنوات الست الماضية، يكشف تغيّر آليات الحراك الاحتجاجيّ وخطابه وإستراتيجيّة السلطة في التعامل معه. فمن سليانة عام 2012، مروراً بقرقنة والكامور وجمنة وحملة «مانيش مسامح» و «فاش نستناو»، بدا جليّاً مرّة تلو الأخرى أنّ الشارع تجاوز مسالك الحركة السياسيّة التقليديّة بأطرها الحزبيّة ليصنع حراكه وموقفه وشعاراته وليبدأ بطرح مبادرات جديدة تكون حاملة بديلة للحراك الاجتماعي والسياسيّ.
على رغم تداخل الأطراف والدوافع والأهداف والرؤى وسقف الطموحات ومدى التغيير المطلوب، فإنّ تراكمات الحراكات الشعبيّة التي لا تزال غير مهيكلة وتائهة في تحديد مسارات واضحة، استطاعت بعد سبع سنوات من «ثورة جانفي»، إرباك الفاعلين «الكبار» في المشهد السياسيّ وخلق معارك خاصّة في أكثر من محطّة وجهة.
هذه التحركات الغضّة، إذ إنّها لا تزال في طور اكتشاف مكامن قوّتها وتشكيل عقلها وبصيرتها السياسيّة، استطاعت على رغم ضراوة المواجهة والحصار الإعلاميّ الرسمي ومحاولات التدجين من قبل أحزاب السلطة والمعارضة على حد سواء، أن تكسر الطوق الرئيسيّ والمسلك الإجباريّ الذّي رسمه الآخرون للحراك الاجتماعيّ والاحتجاجيّ، وأن تعيد طرح السؤال الأهمّ: من يحكم البلاد فعلاً؟ سؤال لن تجيب عنه الانتخابات المحليّة الصورية المرتقبة بعد ستة أيام، إذ سوف يختلط فيها المال الفاسد بمرتزقة الإعلام والسياسة، ولن تكون نتائجها سوى تعزيز لمنظومة «الغرف البديلة» التي يتشكّل فيها المستقبل وفق «متلازمات السلطة والثروة والفساد».



عناصر الشرطة والجيش يقترعون


للمرة الأولى في تاريخ تونس، توجّه شرطيون وعسكريون، أمس، إلى مكاتب الاقتراع للتصويت، إذ يجيز القانون الانتخابي الجديد لقوات الأمن والجيش التصويت فقط في الانتخابات البلدية. وقال سيف الله الهيشري، وهو رئيس «جمعية آفاق للأمن الداخلي والديوانة» التي ستتولى مراقبة عملية تصويت الأمنيين والعسكريين في الانتخابات البلدية، إنّه مكسب تاريخي لتونس. إلا أنّ الهيشري أسف لأنه يُحظر على الشرطيين والعسكريين المشاركة في الحملات الانتخابية او التجمعات العامة.
من جانبه، قال نائب رئيس الجمعية معز الدبابي، إنّ «هذا الحق منقوص نظراً الى القيود العديدة المفروضة». وبعد أكثر من ثلاث ساعات على بدء الاقتراع، كانت مشاركة العسكريين والأمنيين «ضعيفة جداً» كما قال شكري الطالبي من شبكة «مراقبون» من المجتمع المدني المكلفة مراقبة الانتخابات في تونس.
(أ ف ب)