بشتّى الوسائل حاولت قيادة تحالف العدوان منع اليمنيين من الاحتشاد في عاصمتهم لتشييع الرئيس الشهيد صالح الصماد، لكن محاولاتها تلك لم تفلح في إفشال الفعالية التي جاءت، في الشكل والمضمون، وفق ما أرادتها سلطات صنعاء. بدأ الأمر منذ ليل الجمعة ــ السبت بغارات مكثفة على العاصمة، استهدفت مقرّ وزارة الداخلية ومعسكر النجدة. ترافق ذلك مع ضخّ إعلامي مكثف تركّز حول ادعاءات بمقتل قياديين في تلك الغارات، في ما أريد منه ترهيب المواطنين وردعهم عن النزول إلى ميدان السبعين.

طَلَع صباح السبت ليثبت أن الادعاءات المذكورة لم تكن أكثر من تمنيات في وسائل الإعلام الموالية للسعودية والإمارات. تقدّم الرئيس الجديد للمجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط، ومعه رئيس «اللجنة الثورية العليا» التابعة لـ«أنصار الله» محمد علي الحوثي صفوف المشيّعين، الذين حضر من ضمنهم أيضاً وزير الداخلية في حكومة الإنقاذ عبد الحكيم الماوري، بعدما كانت زعمت بعض الأنباء مقتله في غارات صنعاء. كذلك، حضر مراسم التشييع القيادي فارس مناع، والمسؤول العسكري في «أنصار الله» أبو علي الحاكم، اللذان زُعم أنهما قُتلا هما الآخران في الضربات. أما الرجل الثاني في وزارة الداخلية عبد الحكيم الخيواني، المعروف بـ«الكرار»، فتفيد مصادر «الأخبار» بأنه لم يكن موجوداً أصلاً في مقر وزارة الداخلية في منطقة الحصبة، موضحة أن هذا المقرّ لم يعد مستخدماً منذ مدة بسبب استهدافه بعشرات الغارات من قِبَل طائرات «التحالف».

نفت مصادر «أنصار الله» تقدّم قوات «التحالف» على جبهة الساحل


أخفقت إذاً الخطة الأولى، واحتشد عشرات الآلاف من اليمنيين في «مسجد الشعب» وميدان السبعين رافعين صور الرئيس الصماد، ومردّدين الهتافات المتحدّية للعدوان السعودي المتواصل بشراكة أميركية. خَطَب فيهم رئيس «اللجنة الثورية» ليؤكد «(أننا) أمام خيارَين لا ثالث لهما: إما النصر وإما الشهادة»، جازماً بـ«أنكم لن تنالوا منا بالقتل وسنبقى أشداء». رسالة عزّزت وقعها مشاركة فرق من مختلف الوحدات العسكرية، بما فيها حرس الشرف، في مراسم التشييع، ومواراة جثمان الشهيد في ثرى ميدان السبعين، الذي لطالما كان شاهِداً على المفاصل السياسية في تاريخ اليمن.
كل تلك التفاصيل استفزّت، على ما يبدو، قيادة تحالف العدوان، التي سرعان ما ترجمت سخطها بغارتين استعراضيتين على محيط ميدان السبعين، استهدفت من ورائهما ترهيب المشاركين. وهو ما رأى فيه قائد حركة «أنصار الله»، السيد عبد الملك الحوثي، تعبيراً عن «تصرفات طائشة ورعناء وحمقاء، تدلّ على مدى الانحطاط والإسفاف والخسّة والدناءة الذي تتصف به قوى العدوان». وفي كلمة له أعقبت التشييع، جدّد الحوثي القول إن جريمة اغتيال الصماد «لن تمرّ من دون عقاب»، واصفاً مراهنة «التحالف» على أن تؤدي الجريمة إلى «تمزيق الصف الداخلي»، أو إلى «إثارة مشاكل داخل أنصار الله»، بأنها «أوهام وخيالات وأحلام». ونفى أن «(نكون قد) باشرنا شيئاً من الضغوط على المؤسسات، أو أن نكون قد فرضنا عليها إملاءات معينة»، لافتاً إلى «(أننا) تحدثنا إلى الإخوة في المؤتمر الشعبي العام»، مضيفاً أن «اللحمة أقوى من أي وقت مضى». وسبقت كلمةَ الحوثي رسالةٌ باليستية جديدة باتجاه السعودية، استهدفت مواقع «اقتصادية وحيوية» في منطقة جازان، بحسب وكالة الأنباء اليمنية الرسمية. وأفادت الوكالة، نقلاً عن مصدر عسكري، بأن القوة الصاروخية في الجيش واللجان أطلقت ثمانية صواريخ باليستية من نوع «بدر 1» على تلك الأهداف. وإذ أقرّت قيادة «التحالف» بالهجوم، فإنها تحدثت عن اعتراض أربعة من الصواريخ، التي أدى «تساقط شظايا» منها إلى مقتل مواطن سعودي وفقاً لمديرية الدفاع المدني في منطقة جازان. وبمعزل عمّا تسبّب به الهجوم، فإن توقيته تزامناً مع تشييع الشهيد الصماد بعث برسالة تحدٍّ إلى السعودية، التي كانت قد تفاخرت بقتلها مَن «توعّد بأن يكون هذا هو عام إطلاق الصواريخ الباليستية على المملكة، فأتاه الرد من الأبطال» على حدّ تعبير السفير السعودي في واشنطن، خالد بن سلمان.
تفاخرٌ صاحبه استمرار الترويج لـ«إنجازات» مفترضة على جبهة الساحل الغربي، التي بات يتولى قيادة عمليات «التحالف» فيها نجل شقيق الرئيس السابق، طارق محمد عبد الله صالح. لكن مصادر عسكرية من «أنصار الله» تنفي وجود أي تقدم لقوات «التحالف» على هذه الجبهة، مُتحدثة عن «هروب المئات من المقاتلين تحت لواء صالح». وتشير المصادر إلى أن آخر محاولات التقدم سُجّلت يوم الخميس الماضي، حيث تصدّت قوات الجيش واللجان لهجوم شرقي معسكر خالد، انتهى بـ«مقتل العشرات من المهاجمين، وتدمير عدد من المدرعات».