«ألستوم» ترغب في اقتحام العاصمة الإدارية الجديدة في مصر. نائب الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجموعة الفرنسية، صرّح قبل مدة بذلك، خلال جولة أعدّتها الشركة لمجموعة من الصحافيين المصريين، قائلاً إنّ الشركة تسعى الى تنفيذ مشروعات خطوط المترو والترام في المدينة الجديدة، التي يريد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إنشاءها، لتكون عاصمة بديلة للقاهرة.

طموح المجموعة الفرنسية مفهوم بالطبع، فهي تعدّ من بين الشركات الرائدة في العالم في قطاع السكك الحديد، ولكن المشكلة تكمن في أن الحكومة المصرية ستتجاهل، إن وافقت على عملية التلزيم، تورّط «ألستوم» في عدة مشاريع ذات طابع «تهويدي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، علاوة على انخراطها في مشروع «سد النهضة» الذي يشكل واحداً من أخطر التهديدات الإقليمية للأمن القومي المصري.
وكانت الشركة قد أقدمت على تنفيذ مشروع «ترام القدس»، وسط تنديد شعبي ودعوات لمقاطعتها، حيث عمل المشروع على ربط المستوطنات الإسرائيلية المتاخمة للشطر الشرقي من مدينة القدس، بشطرها الغربي، ما ساهم في نمو تلك الكتل الاستيطانية، وإحكام الحصار على القدس الشرقية، وفصلها عن الضفة الغربية، إضافة إلى مصادرة مساحات ضخمة من الأراضي الفلسطينية.
والجدير بالذكر، في هذا الإطار، أن الجامعة العربية سبق أن ندّدت، خلال قمّة الخرطوم (آذار عام 2006) بـ«البناء غير الشرعي لترام القدس»، ودعت حينها الشركات المساهمة في هذا المشروع، ومن بينها شركة «ألستوم» إلى الانسحاب فوراً، مع التهديد باتخاذ إجراءات ضدها، كما طالبت الحكومة الفرنسية، التي تملك أسهماً في الشركة، باتخاذ موقف يتناغم مع مسؤولياتها السياسية، ومع أحكام القانون الدولي.
يضاف إلى ذلك، أن «الستوم» نفسها لها دور كبير في بناء «سد النهضة» الإثيوبي، الذي يشكل إحدى أكبر الأزمات التي تواجهها مصر حالياً، إذ سبق أن وقّعت مع الحكومة الإثيوبية عقداً بقيمة 250 مليون يورو، لتزويد السدّ بـ«التوربينات» والمولدات الكهربائية اللازمة للتجهيزات الكهرومائية.
وكانت المجموعة الفرنسية قد أكدت، في بيان، أنها ستورّد وتشرف على تركيب كل المعدات الكهروميكانيكية للمشروع الإثيوبي، وأنّ العقد يشمل أيضاً أعمالاً هندسية داخل السد الذي سيحرم مصر من جزء كبير من حصتها في ماء نهر النيل.
وعلاوة على ما سبق، فإن تاريخ «ألستوم» بالغ السوء في عملياتها داخل مصر، إذ سبق أن أشارت وسائل إعلام مصرية إلى أن عدداً من المشاريع التي نفذتها المجموعة الفرنسية شهدت «كوارث ضخمة»، من بينها توقف عدد من محطات الكهرباء التي تولّت تنفيذها، عن العمل، بسبب عيوب فنّية، وكان أشهرها انفجار «محطة التبين» بعد 26 شهراً من التشغيل، والتي وُصفت بأنها كانت واحدة من أسوأ كوارث «ألستوم» في مصر.

تاريخ «ألستوم» بالغ السوء في عملياتها داخل مصر


كما كان للمجموعة الفرنسية دور كبير في حدوث شروخ في جدران السد العالي، حين تعرض جسم السد لبعض الاهتزازات الأرضية، التي أعادها، أحمد عبد الجواد، الخبير الهندسي ورئيس فريق الأبحاث في معهد الكويت للأبحاث العلمية، إلى عمليات تطوير لأجهزة التحكم التي قامت بها «ألستوم»، إلى جانب تغيير الأرياش الروسية وتدميرها بشكل كامل حتى لا يعاد استخدامها. وقد تم سد جزء من فتحات السد (تصل إلى حوالى 90 سنتيمتراً) بالاسمنت والمواد الخرسانية المسلحة، ما أدّى إلى تقليل كفاءة المولدات الكهربائية، وتغيير الشكل التصميمي الذي بُني السد العالي على أساسه.
وبرغم ذلك، قامت الحكومة المصرية بالتعاقد مع الشركة الفرنسية في عدد كبير من المشاريع، فبجانب تنفيذها الخطين الأول والثاني من مترو الأنفاق داخل القاهرة، جرى التعاقد مع «ألستوم» لتنفيذ أعمال صيانة البنية التحتية والإشارات للمرحلتين الأولى والثانية للخط الثالث لمترو القاهرة، والمشاركة في الأعمال الخاصة بالمرحلتين الثالثة والرابعة (ب) للخط الثالث، وتجديد السكك الحديد الرئيسية بالمساهمة مع هيئة سكك حديد مصر.
ما سبق يثير تساؤلات عدّة، ربما يمكن العثور على طرف خيط، للإجابة عنها، من خلال نتائج تحقيقات أجراها القضاء الأميركي مع «ألستوم»، وانتهت في كانون الأول عام 2014، إذ خلصت إلى الكشف عن رشى دُفعت لمسؤولين مصريين لتسهيل حصول المجموعة الفرنسية على عقود المشاريع. الجدير بالذكر أن التحقيقات الأميركية أتت في سياق سعي «ألستوم» للحصول على صفقات لشبكة نقل وتوزيع الكهرباء في مصر، تنافست فيها شركات عالمية، ومن بينها مشروع بقيمة 30 مليون دولار، وآخر بقيمة 15 مليون دولار، مموّلان جزئياً من «هيئة المعونة الأميركية».
ووفقاً لنتائج التحقيقات، فقد استعانت الشركة الفرنسية بثلاثة مستشارين، أحدهم كانت مهمته تقديم رشى لمسؤولين مصريين للتأثير على فوز الشركة بالعطاءات، وقد تم تسجيل الرشى في حسابات الشركة باعتبارها أتعاب استشارات وعمولات.
وقد أشارت الوثائق إلى شخص يُدعى عاصم الجوهري، الذي كان يعمل في منصب المدير التنفيذي لشركة «بيجسكو»، وإلى تلقيه رشى من «ألستوم»، وحكم عليه بالسجن 42 شهراً، وإعادة خمسة ملايين دولار من الرشى التي تلقاها. والجوهري مصري يحمل الجنسية الأميركية، وكان يشغل منصب المدير التنفيذي للشركة التي كانت تقدم خدمات استشارية لوزارة الكهرباء، وتمتلك شركة «بكتل» الأميركية 40 في المئة من حصتها، بينما تمتلك وزارة الكهرباء 40 في المئة، في حين كانت حصة 20 في المئة مملوكة من قبل «البنك التجاري الدولي»، ثم اشترت شركتان مصريتان الحصة الأجنبية في الشركة، التي أقرت بتلك التهم ووافقت على تسديد 772 مليون دولار، لإنهاء التحقيقات بتسوية تعدّ أكبر غرامة تدفع في تاريخ قانون الفساد الأميركي.



«الفساد أقوى من كل الاعتبارات»
في حديث إلى «الأخبار»، يقول المهندس عمرو رؤوف، وهو خبير دولي في الأنفاق والسكك الحديدية، إنّه قام برفع دعوى لوقف إنشاء الخط الثالث من مترو أنفاق القاهرة لعدة أسباب، من بينها «مشاركة شركة ألستوم في الأعمال وإهدار المليارات في المشروع، وبسبب وجود أخطاء انشائية فيه، إلا أن قانوناً أصدره المستشار عدلي منصور، رئيس الجمهورية السابق، أوقف النظر في القضية لأنّه نصّ على عدم أحقية المواطنين في الاعتراض على العقود الموقعة بين الدولة والشركات».
ويضيف رؤوف أنّ من الغريب الإصرار على التعاقد مع «ألستوم» في كل تلك المشاريع رغم تاريخها المليء بالفساد والكوارث في مصر، حتى إنّها «أصبحت تمثل تهديداً على الأمن القومي رغم وجود بدائل أفضل بكثير، مثل الشركات اليابانية أو الصينية أو الروسية، فمثلاً شنغهاي فيها أكبر شبكة مترو أنفاق في العالم، والصين فيها أكبر شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم، إلا أنّ من الواضح أن الفساد أقوى من كل الاعتبارات في مصر».