كان | اليوم، ينطلق الحدث السينمائي الأبرز على الساحة العالمية. يسجّل المهرجان هذه السنة عودة السينما العربية بعد سنين عجاف، مع منافسة اللبنانية نادين لبكي، والمصري أبو بكر شوقي على السعفة الذهبية. إلى جانب الأسماء الجديدة التي تنضم إلى السباق، نحن على موعد مع أبرز المعلمين والمخرجين؛ على رأسهم الإشكالي لارس فون تراير، وأصغر فرهدي، وماتيو غاروني، وسبايك لي وجان لوك غودار.

في دورته الـ 71، التي ستفتتح اليوم الثلاثاء، وتستمر لغاية 19 أيار (مايو) الحالي، يراهن «مهرجان كان السينمائي الدولي» على التجديد والمغايرة. من بين الأفلام الـ 21 المرشحة لخوض سباق «السعفة الذهبية»، لا نجد هذه السنة سوى سينمائي وحيد سبق له أن نال هذا التتويج الأبرز عالمياً. إنه المعلم التركي نوري بيلج جيلان، الذي يعود بجديده «شجرة الإجاص البرية»، بعدما كان قد خطف «السعفة» عام 2014، برائعته «سبات شتوي».
في المقابل، تتضمن التشكيلة الرسمية جرعة تجديدية قوية، من خلال سبعة أفلام لم يسبق لمخرجيها أن خاضوا سباق «السعفة الذهبية» من قبل. يشكل هذا العدد القياسي من الوافدين الجدد سابقة في تاريخ الكروازيت، ما يعد باكتشافات ومفاجآت قد تقلب الطاولة على «زبائن المهرجان الدائمين»، من السينمائيين المكرّسين. بعض هذه المفاجآت قد تكون عربية. إذ تشهد دوره هذه السنة عودة السينما العربية إلى الواجهة بعد سنين عجاف، وينافس فيلمان عربيان على «السعفة الذهبية»، هما «كفرنحوم» لنادين لبكي، و«يوم الدين» لأبو بكر شوقي (راجع الكادر أدناه).
هذه الجرعة التجديدية غير المسبوقة، لا تعني غياباً كاملاً لكبار صناع الفن السابع عن تشكيلة هذه الدورة. فيلما الافتتاح والاختتام يحملان توقيعي اثنين من أبرز أقطاب سينما المؤلف عبر العالم، وهما الإيراني أصغر فرهدي، الذي سيفتتح فيلمه «الجميع يعلم» (بطولة بينيلوبي كروز وخافيير بارديم) فعاليات المهرجان، والبريطاني تيري غيليام، الذي سيختتم هذه الدورة بجديده «الرجل الذي قتل دون كيخوته».
يضاف إلى هؤلاء مخرجان يعدان من أكبر السينمائيين الأحياء، بلا منازع. أحدهما سيشارك في المسابقة الرسمية بجديده «كتاب الصورة»، وهو «شيخ» السينما جان لوك غودار (87 سنة)، الذي يعود لينافس على السعفة بعد أربع سنوات من افتكاكه جائزة لجنة التحكيم بفيلمه «وداعاً للغة». أما الثاني، فهو الدنماركي لارس فون تراير، الذي سيحطّ الرحال مجدداً على الكروازيت، ليقدّم ثريلر بعنوان «البيت الذي بناه جاك» (يُعرض ضمن التشكيلة الرسمية، لكن خارج المسابقة). يأتي ذلك بعد سبع سنوات من الحظر، منذ أن أُعلن صاحب «الراقصة في الظلام» (السعفة الذهبية ــ 2000) «شخصاً غير مرغوب فيه» على الكروازيت، إثر مزحة استفزازية اعتبرها بعضهم تمجيداً للنازية وتحريضاً على معاداة السامية، خلال المؤتمر الصحافي الخاص بفيلمه «ميلانخوليا» (جائزة أفضل ممثلة لكريستين دانست ــــ 2011).
بين هذا وذاك، يرتقب أن تشكل مشاركة الإيطالي ماتيو غاروني بجديده Dogman واحدة من أبرز محطات هذه الدورة. فالمعلم الإيطالي ألهب الكروازيت في كل مرة شارك فيها. خطف «الجائزة الكبرى» مرتين برائعتيه «غومورا» (2008) و«واقع» (2012).

غياب كامل لهوليوود مقابل حضور سينما المؤلف الأميركية


ضمن المرشحين لسباق السعفة الذهبية، نجد سينمائيين مخضرمين آخرين يسجلان، هذه السنة، عودتهما بعد طول غياب. يتعلق الأمر بالكوري لي شانغ دونغ، الذي يحط الرحال مجدداً على الكروازيت، بجديده «حارق»، بعدما انقطع عن السينما طوال ثماني سنوات، إذ لم يقدّم أي جديد منذ «شِعر» (جائرة السيناريو ــ «كان» 2010). وهناك أيضاً الأميركي سبايك لي، الذي انقطع هو الآخر عن الكروازيت، طوال سبع سنوات، وها هو يعود هذه السنة بجديده BlacKkKlansman، المقتبس عن قصة واقعية لشرطي أميركي أسود تمكن من اختراق طائفة Ku Klux Klan اليمينية المتطرفة المعروفة بعدائها الشديد للسود.
إلى جانب سبايك لي، تضم التشكيلة الرسمية فيلماً أميركياً ثانياً بعنوان «تحت البحيرة الفضية» للمخرج ديفيد روبرت ميتشل، وهو سينمائي شاب من الأقطاب الجدد للسينما الأميركية المستقلة. وكانت الكروازيت قد اكتشفته، عام 2014، من خلال فيلمه «كفى» It Follows الذي عُرض تظاهرة «أسبوع النقاد».
في المقابل، تشهد هذه الدورة غياباً كاملاً للسينما الهوليوودية، في سابقة لا نجد مثيلاً لها في تاريخ «كان» سوى في دورة عام 2003، حين قاطعت هوليوود المهرجان الفرنسي، في خضم الأزمة الدبلوماسية التي نشبت بين البلدين، على أثر اعتراض فرنسا، في مجلس الأمن، على الغزو الأميركي للعراق. غياب يفسّره النقاد بتخوف الاستوديوهات الهوليوودية من تبعات «فضيحة وينستين»، واحتمال تجدد الجدل على الكروازيت بخصوص تستر هوليوود على فضائح التحرش في الوسط السينمائي.
للاستعاضة عن هذا الغياب الهوليوودي، أفسح المهرجان المجال أمام السينما الآسيوية التي ستكون لها حصة الأسد بأربعة أفلام تنافس على السعفة الذهبية، مقابل أربعة أفلام أيضاً فرنسية، وفيلمين لكل من إيطاليا وروسيا وإيران. ضمن هذه اللائحة الآسيوية، التي ستتصدر سباق السعفة الذهبية، نجد الى جانب فيلم لي شانغ دونغ المشار اليه آنفاً، فيلماً صينياً بعنوان «الخالدون» لجا جنكي، وفيلمين يابانيين هما «أساكو 1 و2» لريوسوكي هاماغوتشي، و«مسألة عائلية» Shoplifters لهيروكازو كوري إيدا.
السينما النسائية ستحظى باهتمام خاص في هذه الدورة، من خلال ثلاثة أفلام ستنافس لافتكاك ثاني «سعفة نسائية» في تاريخ الكروازيت، إذ ما زال فيلم «درس البيانو» لجين كامبيون هو العمل النسوي اليتيم الذي نال السعفة الذهبية (1993). إلى جانب نادين لبكي وجديدها «كفرنحوم»، نجد ضمن هذه المشاركات النسائية، المخرجة الفرنسية الشابة إيفا حسون التي ستنافس بفيلم يحمل عنوان «بنات الشمس» يثمن بطولات المقاتلات الكرديات في الحرب ضد داعش، من خلال صداقة قوية تنشأ بين إحداهن (غولشيفته فرحاني) وصحافية فرنسية (إيمانويل بيركو) يتم انتدابها لتغطية الحرب. وتعود السينمائية الإيطالية الشابة أليس رورواتشر (37 سنة)، لتخوض سباق السعفة الذهبية ثانية بجديدها «سعيد مثل لازرو»، بعدما كانت قد أحدثت المفاجأة بافتكاكها «الجائزة الكبرى» عن رائعتها «التحف» عام 2014.
على صعيد المضامين، تتصدر أفلام هذه الدورة تيمة «الحب الممنوع»، من خلال ثلاثة أفلام. يحمل الأول توقيع البولندي باول باوليكوفسكي، الذي تم تكريسه ضمن كبار صناع السينما، إثر النجاح العالمي لفيلمه Ida (أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2015). تحتضن الكروازيت هذه السنة جديده «حرب باردة»، الذي يروي قصة حب ممنوعة بين موسيقار بولندي ومغنية فرنسية في فترة الحرب الباردة. التيمة ذاتها نجدها في فيلمين آخرين لمخرجين فرنسيين: قصة حب مثلية ذكوريّة في «أن تعجِب وتحب وتركض بسرعة» لكريستوف هونوريه، وقصة حب مثلية أنثوية في «السكين في القلب» ليان غونزاليس.
السينما النضالية ذات النبرة الاجتماعية واليسارية سيكون لها نصيب في تشكيلة هذه الدورة. بعد ثلاث سنوات على رائعته «قانون السوق»، التي منحت النجم فانسان ليندن جائزة أفضل ممثل في «كان»، يعود الفرنسي ستيفان بريزي ليرافع باسم العمال المسحوقين في جديده الذي يحمل عنوان «في حالة حرب». فيلم يعود فيه فانسان ليندن ليتقمص شخصية عمالية، من خلال شخصية زعيم نقابة يقود حراكاً عمالياً لمنع إغلاق مصنع في مرسيليا تكاد تعصف به رياح العولمة.
وكما جرت العادة، تحرص الكروازيت على تثمين حرية التعبير، والدفاع عن السينمائيين المضطهدين في بلدانهم. من هذا المنطلق، تحتضن المسابقة الرسمية عملين لسينمائيين يوجدان رهن الإقامة الجبرية في بلديهما، وهما الروسي كيريل سيريبرينيكوف والإيراني جعفر بناهي.
صاحب «يوم بلا نهاية في يورييف» (جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «لوكارنو» – 2008)، الذي اكتشفته الكروازيت، عام 2016، من خلال فيلمه «المُريد»، الذي عُرض ضمن تظاهرة «نظرة ما»، ينافس على «السعفة الذهبية» هذه السنة بجديده «صيف»، الذي يروي سيرة فيكتور تسوي، زعيم تيار الروك الاحتجاجي في لينينغراد، خلال عقد الثمانينيات.
أما صاحب «الدم والذهب» (جائزة لجنة التحكيم ـــ كان 2003)، فسيشارك في سباق السعفة هذه السنة بجديده «ثلاثة وجوه». وفيه يواصل المنحى المينمالي الذي اتخذته أفلامه منذ صدور قرار بمنعه من التصوير في بلاده، عام 2010. مينمالية قسرية لم تمنعه من بلوغ قمة صنعته الفنية في فيلمه الأخير «تاكسي طهران» («الدب الذهبي» في مهرجان برلين – 2015).



العرب حاضرون بقوة... وغودار يتأمل زيف «ربيعهم»

الحضور العربي البارز في «كان» هذه السنة لن يقتصر فقط على خمسة أفلام عربية تشارك في مختلف تظاهرات المهرجان (المسابقة الرسمية، نظرة ما، أسبوعا المخرجين). بل سيكون للعالم العربي حضور من نوع خاص من خلال مضمون الفيلم الجديد لشيخ «السينما المفكرة» جان لوك غودار. إذ يسعى الأخير في عمله «كتاب الصورة» الذي يخوض به سباق «السعفة الذهبية»، لكشف أكاذيب وزيف أكاذيب ما سمي «الربيع العربي». يتم ذلك من خلال ما يصفه غودار بـ«فيلم تأملي من ستة أجزاء، خمسة منها عبارة عن مقدمات تمهّد لجزئه السادس والرئيسي، كما لو أن المشاهد يكتشف خمسة أصابع متتالية قبل أن يرى اليد بأكملها». وترصد هذه اليد «قصة ثورة زائفة يدبرها زعيم إمارة عربية خيالية وغير نفطية».
باقي المشاركات العربية تتوزع بين المسابقة الرسمية وتظاهرتي «نظرة ما» و«أسبوعي المخرجين». تحتضن المسابقة فيلمي «كفرناحوم» لنادين لبكي، الذي سيكون أول فيلم لبناني ينافس على «السعفة الذهبية» منذ «خارج الحياة» لمارون بغدادي (جائزة لجنة التحكيم – 1991)، و«يوم الدين» لأبو بكر شوقي، الذي سيكون أول فيلم مصري ينافس على «السعفة الذهبية» منذ «المصير» ليوسف شاهين (سعفة خمسينية «كان» 1997). فيلم «المصير» يستعيده المهرجان، هذه السنة، لتوجيه تحية خاصة الى يوسف شاهين، ضمن تظاهرة «سينما الشاطئ»، التي توفر لمرتادي الكروازيت عروضاً مجانية يومية لكلاسيكيات السينما، تقام في الهواء الطلق على «شاطئ المهرجان».
في تظاهرة «نظرة ما»، يشارك فيلمان عربيان، وهما «صوفيا» للمغربية مريم بن مبارك، و«قماشتي المفضلة» للسورية غايا جيجي. وينافسان هذان العملان أيضاً على جائزة «الكاميرا الذهبية»، التي تكافئ الأفلام المشاركة في مختلف تظاهرات المهرجان، التي تمثل الأعمال الأولى لمخرجيها. من جهتها، تخصص تظاهرة «أسبوعي المخرجين» مكانة بارزة للسينما التونسية، إذ يشارك في مسابقتها الرسمية فيلم «ولدي» للتونسي محمد بن عطية. وتحتضن تظاهرة «محترف الأفلام» Film Factory، التي خُصصت في العام الماضي للسينمائيين الجدد في لبنان، أربعة أفلام متوسطة تم تصويرها في تونس من قبل ثمانية مخرجين من ست دول: «قانون الصمت» للتونسية مريم فرجاني والفرنسي مهدي حمنان،Leila’s blues للتونسي إسماعيل والإيرانية فاطمة أحمدي، و«العصفور الأزرق» للتونسي رفيق عمراني والسيريلانكية سوفا سيفاكوماران، و«أجمل يوم في حياتي» للتونسية أنيسة داود والأفغاني أبو ذَر أميني.
عثمان...