طغت أنباء المعارك التي نشبت بين تنظيم «دولة الإسلام في العراق والشام» و«جيش المجاهدين» على المشهد الميداني السّوري. وترافقت المعارك مع حشد إعلاميّ كبير لمصلحة «الجيش» الذي ظهر في صورة المخلّص لأبناء المناطق التي سيطر عليها سريعاً، تماماً كما صُوّر «داعش» في هذه المناطق عندما سيطر عليها. وبدا أنّ جهات عدّة ترغب في استثمار الانكفاء الذي مُني به التنظيم، وتجييره لمصلحة «الجيش الحر» الذي تزايدت محاولات تعويمه في الأيام الأخيرة. فما هي حكاية «جيش المهاجرين» وحيثيات تشكيله؟ وما أسباب نجاحه في تحقيق تقدم سريع على حساب «داعش»، الذي كان حتى الأمس القريب «بعبعاً» يكاد يبتلع الجميع؟


يوضحُ مصدر ميدانيّ معارضٌ لـ «الأخبار» أن «الجيش» الوليد لم ينشأ بين عشيّة وضحاها، ويقول: «بدأ السعي إلى تشكيله بالتزامن مع تشكيل الجبهة الاسلامية. إذ بدت الحاجة ملحّةً الى اندماج الكيانات والمجموعات المسلّحة التي تتحاشى الظهور بهيئة جيشٍ إسلامي، وتصرُّ على فكرة الجيش الحر الذي كاد يزول». ويوضح أنّ تأخر التشكيل عائدٌ إلى جملة أسباب، أهمّها عدم تنطّح أية جهة خارجية لتبنيه، ماديّاً ومعنوياً. وبالتالي لم توجد وسيلة ضغط تجبر الفصائل على التكتل، إذ من المعروف أن الدعم الخارجي أدى دوراً أساسياً في تشكيل جميع التكتلات المماثلة.


التشكيلة والمكوّنات ومناطق النفوذ

جرى تشكيل «جيش المجاهدين» من المكوّنات التالية: «الفرقة التاسعة عشرة في الجيش الحر»، «تجمع فاستقم كما أُمرت»، «كتائب نور الدين الزنكي الإسلامية»، و«حركة النور الاسلامية».
تتألّف «الفرقة التاسعة عشرة» من «لواء الأنصار» الذي يتركّز نفوذه على طريق حلب ــ دمشق الدولي في ريف حلب الغربي، «لواء أمجاد الإسلام»، «لواء أنصار الخلافة»، «كتائب القدس»، «كتيبة أحرار خان العسل»، «كتيبة الشيوخ»، و«لواء المهاجرين». أمّا «تجمّع ألوية فاستقم كما أُمرت»، فمؤلّف من «لواء حلب المدينة»، «لواء حلب الشهباء»، «لواء السلام»، و«كتائب أبو عمارة» التي رفضت الانضواء تحت راية «جيش المجاهدين» وأعلنت بقاءها مستقلّةً، منشقّة بذلك عن «تجمّع فاستقم كما أُمرت». ينتشر مسلّحو «فاستقم» في أحياء صلاح الدين، سيف الدولة، الشيخ سعيد، باب النيرب، جب الجلبي، جسر الحج، الأنصاري، والمشهد. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن هذه «الألوية» دأبت على استخدام «مدفع جهنم»، الذي يرمي أسطوانات الغاز المتفجرة على الأحياء الغربية المواجهة لمناطق سيطرتها، متسببةً بقتل المدنيين. أمّا «كتائب نور الدين الزنكي»، فيمتدُّ نفوذها في مناطق ريف حلب الشمالي الغربي، وتحديداً في كلٍّ من بابيص، عنجارة، قبتان الجبل، دارة عزة، أورم، تقاد، حور، المنصورة، كفر داعل. تُعدّ هذه الكتائب الأقوى بين مكوّنات «جيش المجاهدين»، ويتزعمها «الشيخ توفيق شهاب الدين»، الذي أوردت بعض المصادر اسمَه بوصفه قائداً لـ «الجيش» الجديد، الأمر الذي نفاهُ مصدرٌ من داخل التشكيل لـ «الأخبار»، مؤكداً أن «لا وجود لزعيم واحد، بل قيادة مشتركة أبرز من فيها: الشيخ توفيق شهاب الدين، والمقدم أبو بكر قائد لواء الأنصار، والنقيب محمد شاكردي قائد لواء أمجاد الاسلام»، كما شدّد المصدر على أنّ «جيش المجاهدين يعتمد في تمويله على مصادر محليّة. ولا يتلقى، ولن يتلقّى أيَّ تمويل خارجي».


الوضع الميداني عشيّة نشوب المعارك

كان لتنظيم «داعش» قوّات ومقار في المناطق الواردة أعلاه، بدأت كمراكز دعوية، ثم تحوّلت إلى مقار عسكريّة، كما كانت بعض «الكتائب» المحسوبة على «الجيش الحر» في تلك المناطق قد بايعت «داعش» استقواءً به، مثل «جماعة عبدو زمزم» السيئة الصيت في بلدة بشقاتين، ما أسهم في تقوية نفوذ «داعش» في تلك المناطق. وكان «داعش» يكتفي بعد سيطرته على كلّ منطقة بترك مجموعة صغيرة من مسلّحيه فيها، يُعدّون بالعشرات، ولا يتجاوزون المئتين في المناطق الكبيرة المساحة مثل منطقة الدانا في إدلب. زادت ضغوط «داعش» على بلدتي الأتارب وأورم (غربي حلب)، جرياً على عادته في مواجهة مجموعات «الجيش الحر» والقضاء عليها منفصلة، وواحدةً تلو الأخرى، كما سبق أن فعل في بعض أحياء حلب، وفي مدينتي اعزاز والباب. وتزامن هجوم «داعش» على الأتارب وأورم مع إعلان تشكيل «جيش المجاهدين» الذي كانت أولى مهماته التصدي لمحاولة اقتحام المنطقة. وقد استفاد في ذلك من المزاج الشعبي العام الناقم على «داعش» برغم أنه سبق وهلّل له وعده مخلّصاً من «لصوص الثورة». وتؤكد مصادر «جيش المجاهدين» أنّ «تعداد المنضمين إليه من أهل المنطقة زادوا عن الخمسة آلاف»، ويضيف: «للمرة الأولى واجهت قوّات داعش مقاومة شرسة من أهالي المنطقة الذين هبوا جميعا لطردها بعدما عانوا الأمرّين من تجاوزاتها». وجرت الاستفادة من تشتت مسلحي «داعش» وتوزعهم في مجموعات صغيرة، لـ «يتمكن الأهالي من أسر تلك المجموعات الصغيرة بسهولة» وفقاً للمصدر. وتكشف مصادر مطّلعة على كواليس المجموعات المسلّحة لـ «الأخبار» أنّ «لواء التوحيد» أحد مكوّنات «الجبهة الإسلاميّة» استغلّ التطورات، وبدأ بدعم قوات «المجاهدين» بعيداً عن التداول الاعلاميّ، كما استغلت هذا الأمر الألوية السيئة السمعة التي كانت مُحاصرَة من قِبل «داعش»، مثل «لواء أحرار سوريا/ أحمد عفش»، و«لواء شهداء بدر/ خالد حيّاني»، وهاجمت قوات داعش في بلدة عندان، شمال حلب، وفي حي بني زيد داخل المدينة. أما في أحياء حلب الشرقية، فقد هاجم مسلحو «فاستقم كما أُمرت» مقر «داعش» في بريد «جسر الحج» وامتدّت المواجهات إلى ساحة الكلّاسة، كما امتدّت معارك الريف سريعاً نحو الشمال، إلى حريتان وتل رفعت، وصولاً إلى اعزاز سعياً لطرد «داعش». وفي ريف إدلب الشرقي المتاخم لحدود محافظة حلب، حوصرت الدانا، وباب الهوى، وبلدة أطمة التي كانت نقطة استقبال «داعش» للجهاديين الوافدين من مختلف أنحاء العالم عبر تركيا، كما جرت محاصرة «مجمع فيلات ريف المهندسين الثاني» قرب بلدة أورم الكبرى، وهو عبارة عن عدد كبير من الفيلّات الفاخرة، ويُعدّ أكبر تجمّع لأجانب «داعش» مع عائلاتهم. أمام هذه التطوّرات اضطرَّ «داعش» إلى سحب بعض قواته من خطوط تماس مع الجيش السوري في جنوب شرق حلب، كما سحبَ بعض قوّاته من الرقّة. ما قد يُمثّل فرصةً للجيش السوري لاستغلال الفراغ.


أسباب انكفاء «داعش»

ساهمت أسباب عدّة في الانكفاء المفاجئ لـ«داعش». علاوةً على تشتّت مسلّحيه، ونجاح «جيش المجاهدين» في استغلال المزاج العام، يبرز سببٌ جوهريٌّ وبالغ التأثير، مفاده غياب الجهاديين الشيشانيين عن المعركة. ومن المعروف أن هؤلاء يمثلون ثقلاً، وعنصر قوّة ضاربة. كانت أعدادٌ من الشيشانيين قد انسحبت على مراحل من سلطة «داعش». فانشقّ «سيف الله الشيشاني» مع 400 من مسلحيه قبل ثلاثة أشهر، كما انشقّ «الشيخ صلاح الشيشاني» مع 800 من مقاتليه، وأنشأ «جبهة المجاهدين» التي بايعت «جبهة النصرة». ليُتوّج الأمر قبل أسبوعين بتوجّه «الشيخ عمر الشيشاني» على رأس مجموعة كبيرة من مقاتليه إلى دير الزور. وكان السبب المُعلن «تولي قيادة معركة الخير»، فيما تُرجّح مصادر «جهاديّة» لـ «الأخبار» أن يكون الأمر أشبه بالنّأي بالنفس عن سلوكيّات «داعش» في حلب وريفها. ويقول المصدر: «بحسب معرفتنا بالشيخ عمر نستطيع التأكيد أنه يكره الظلم، وهو غير راضٍ عن تصرفات الدولة، لكنه لا يستطيع الانشقاق، مدفوعاً بحبه لمشروع الخلافة وإقامة الشرع. فالانشقاق يهدم المشروع»، فيما يرجح مصدر متابع لتحركات الجهاديين أن يكون الدافع الأساس في توجه «عمر الشيشاني» إلى دير الزور هو الإغراء الكبير المتمثل في استكمال السيطرة على آبار النفط. ويُلخّص المصدر الجهادي رؤيته لأسباب انكفاء داعش بالقول: «الدولة الظالمة لن يكتب الله لها الاستمرار. الدولة الكافرة إذا عدلت يمكن أن تدوم، فالعدل أساس المُلك. وأُشخص مرض الدولة بأمرين: غباوة وعجرفة التونسيين والليبيين والعراقيين من عناصرها. وعمالة الأنصار السوريين».


«جبهة النصرة» تأكل العنب

وقد تواردت، بعد ظهر أمس، أنباء تفيد عن بسط «جبهة النصرة» سيطرتها على بلدة الدّانا. مستفيدةً من تشرذم صفوف «داعش»، فيما نفت مصادر لـ «الأخبار» سيطرة «النصرة» على كامل البلدة، وأكدت أن اتفاقاً جرى على تسلّم الجبهة مقارّ «داعش» فحسب. وسارعت الجبهة الموضوعة على لائحة التنظيمات الإرهابيّة إلى انتهاز الفرصة، ومطالبة الجهاديين الأجانب الذين سبق أن انفصلوا عنها وانضموا إلى «داعش» بالعودة إلى صفوفها. وطرحت نفسها ظاهريا كوسيط يرضى الجهاديون الأجانب بتسليم أنفسهم له، بينما هي فعليا طرف مع «جيش المجاهدين» ضد «داعش». ويقول مصدرٌ معارضٌ لـ «الأخبار» في هذا الشأن: «من المعروف أن الشيشانيين يُفضلون الموت على تسليم أنفسهم إلى الجيش الحر، فيما تُمثل النّصرة جهةً مقبولةً لتسليم أنفسهم إليها، تمهيداً لإعادة تنظيمهم في صفوفها». وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن مغالاة «داعش» في تطرفه أسهمت في ترويج نظرة لدى البعض مفادُها بأنّ «النصرة» عبارة عن جبهة إسلاميّة معتدلة، أمّا تطرّفها في حقيقة الأمر، فهو أشهر من أن يُعرّف. وكان لافتاً أنّ بعض المصادر الجهاديّة قد أوردت أمس معلوماتٍ عن قيام أمير جبهة النصرة «أبو محمد الجولاني» بطرح مبادرة على «داعش»، ومضمونها ﺗﻮﺣﻴﺪ الفصيلين ﺗﺤﺖ ﺭﺍﻳﺔ ﻭﻗﻴﺎﺩﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭﻣﺴمى ﻭﺍﺣﺪ ﻫﻮ «ﺗﻨﻈﻴﻢ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻓﻲ ﺑﻼﺩ ﺍﻟﺸﺎﻡ».




«الشيخ توفيق» متزعم «كتائب نور الدين زنكي»

تُعدّ «كتائب نور الدين زنكي» أقوى المجموعات المكوّنة لـ «جيش المجاهدين». يشتهرُ أفرادُها باسم «الزّنكيين». ويتزعمُها توفيق شهاب الدّين (مواليد عام 1973)، وهو أحد أبناء منطقة الشيخ سليمان المجاورة لقبتان الجبل. اشتهرَ منذ تأسيسه «كتائب نور الدين زنكي» بلقب «الشيخ توفيق». كان شهاب الدين يعمل قبل تفجر الأزمة السوريّة لحّاماً مختصّاً بلحم الجَمل، وهو أُمِّي. في بدايات التحرّك المسلّح في ريف حلب باع جميع أملاكه بمبلغ 8 ملايين ليرة (حوالي 150 ألف دولار في حينها)، ودفعها لرياض الأسعد لـ«دعم الجيش الحر». وعهد إليه الأسعد حينَها بـ «قيادة الجيش الحر» في منطقته. ليشكّلَ مجموعةً مسلّحة تمكنت في وقت قصير من السيطرة على «الشيخ سلمان». تزايد عدد المنتسبين إلى مجموعته تدريجيّا. شارك في معركة دخول حلب، وتمركز في حي صلاح الدين تحت راية لواء التوحيد. في مطلع كانون الأول من عام 2012 أعلن شهاب الدين انفصال كتائب «نور الدين زنكي» عن التوحيد، والعمل بشكل مستقل. محلّياً يُنظر إلى «الزّنكيين» على أنّهم «لم يتورطوا في أعمال السرقة والنهب»، برغم أنهم «صادروا» أملاكاً ومصانعَ لعددٍ من أبناء مدينة حلب، وتحت ذريعة أنّهم «شبّيحة»، كما قام «الزنكيون» باختطاف البعض، وأطلقوا سراحهم لاحقاً مقابل مبالغ ماليّة.



جيش المجاهدين: لن نقاتل النصرة

حرصت مصادر «جيش المجاهدين» على تأكيد أن تشكيلهم «ليس متشدّداً»، كما سعى عدد من وسائل الإعلام إلى ترويج أن «جيش المجاهدين يمثلُ خطّاً معتدلاً على طريقة الجيش الحر». الأمر الذي يتناقض مع فحوى بيان صدر أول من أمس السبت عن «جيش المجاهدين» نفسه. وجاء في البيان الذي وُسم بـ «البيان رقم2»، وحمل توقيع «المكتب السياسي لجيش المجاهدين» ما نصُّه «ننأى بأنفسنا عن المواجهة مع إخواننا المهاجرين والأنصار في جبهة النصرة، أو أي فصيل مجاهد سواء بالقتال المباشر أو بالتنسيق مع أي فصيل آخر ضدهم، عملاً بالآية الكريمة «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ». وأضاف البيان: «ندعو الصادقين من إخوتنا المجاهدين في هذا التنظيم (داعش) إلى الانشقاق عنه والالتحاق بصفوف إخوانهم المجاهدين الصادقين المرابطين على ثغور سوريا ضدّ نظام الأسد النصيري»، واختتم بالقول: «إننا في جيش المجاهدين والله ما خرجنا إلا لإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله وتطبيق شرع الله في الأرض».