بدأت بعض الشركات الكبرى اتخاذ تدابير تماشياً مع عودة العقوبات الأميركية ضد إيران، في موازاة اتصالات مكثفة تجرى للحد من تأثير الإجراءات الأميركية على الشركات الأجنبية العاملة هناك. وتسعى كل من روسيا والاتحاد الأوروبي إلى بلورة خطوات تستهدف الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني، وترجمة ذلك في إطار إجراءات عملية، قبيل جولة دبلوماسية حاسمة لوزير الخارجية الإيراني يبدأها غداً.

بعد أربعة أيام على انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق الدولي حول برنامج إيران النووي، لا تزال الأنظار متجهة نحو مسارين سيحددان مصير المضي بالاتفاق بين من تبقى من الشركاء. المسار الأول، الجهود الدبلوماسية على غير صعيد، سواء من قبل روسيا تجاه الأوروبيين، أو من جانب الإيرانيين وباقي شركاء الاتفاق. والثاني، تأثير العقوبات الأميركية، ولا سيما على الشركات الكبرى.
على مستوى الاتصالات الدبلوماسية، تتكثّف المباحثات البينية في أوروبا لبلورة آلية عمل في مرحلة ما بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي. وفي موسكو، ينشط الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لدعم الاتفاق النووي. إذ بحث بوتين الأزمة الناجمة عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية مع كل من المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. واتفق كل من بوتين وميركل على «أهمية الإبقاء على خطة العمل المشتركة لدواعي الأمن الدولي والإقليمي»، وذلك قبل قمة ستعقد بين الجانبين في سوتشي في الـ 18 من الجاري. وتطابقت وجهة نظر كل من بوتين وأردوغان في أن القرار الأميركي كان «خطأ»، وشددا على أن «الاتفاق يشكل نجاحاً دبلوماسياً يجب الحفاظ عليه».
ولا يقتصر دور بوتين على المواقف السياسية والاتصالات والمشاورات مع الأصدقاء، إذ أعلن الكرملين، أمس، أن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي سيوقع اتفاقية مؤقتة للتجارة الحرة مع إيران، الأسبوع المقبل، بموازاة توقيع الاتحاد اتفاقية تعاون تجاري اقتصادي مع الصين. ويدشن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، غداً الأحد، جولة دبلوماسية واسعة، استبقها بالقول إنها ستحدد موقف بلاده من الاتفاق، يبدأها من العاصمة الصينية بيكين، وينتقل في اليوم التالي إلى موسكو، فبروكسل، حيث سيجتمع الثلاثاء بنظرائه الألماني والبريطاني والفرنسي، إضافة إلى وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني.

باريس: حان الوقت للدول الأوروبية لتفتح أعينها


وعلى الرغم من الأجواء «المتشائمة» والضبابية التي تحيط بمصير الاتفاق النووي، فإن مناخ «إجماع» في السياسة الدولية، ولا سيما بين الخصوم على المسرح الدولي، حققه قرار ترامب مع توحّد روسيا وأوروبا والصين وإيران على رفض الانقلاب الأميركي، وإصرار هذه الدول على المحافظة على الاتفاق. مناخٌ تستفيد منه إيران للاستحصال على مواقف متحررة من سياسة ترامب، مدعومةً بالانطباع السلبي حول قرارات الرئيس الأميركي بشأن اتفاقيات دولية أخرى، كمعاهدة المناخ ومعاهدة التجارة الحرة العابرة للمحيط الهادي. ولعل ذلك ما دفع ميركل، في حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى القول: «انتهى الزمن الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحمينا بكل سهولة، ويجب على أوروبا أن تأخذ مصيرها بيدها، وفي ذلك تكمن مهمتنا في المستقبل». وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، واضحاً في التعبير عن رفض أن تطال العقوبات الأميركية الشركات الأوروبية، واصفاً إجراءات واشنطن بـ«غير المقبولة». واعتبر لودريان أن تدابير الأميركيين «شأن خاص بهم، والأوروبيون ليسوا مضطرين إلى دفع ثمن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق».
وعلى الصعيد العملي أوروبياً، قال وزير المال الفرنسي، برونو لو مير، إن دول الاتحاد الأوروبي ستقترح على المفوضية الأوروبية إجراءات تحول دون توقيع العقوبات. والأهم في تصريحات الوزير الفرنسي أنه كشف في حديثه عن وجود انطباع لدى الدول الأوروبية يرفض «المواصلة في الاتجاه الذي نسير فيه اليوم والذي نخضع فيه للقرارات الأميركية». وأشار لو مير إلى أن باريس تسعى إلى الحصول على إعفاء من واشنطن للشركات الفرنسية من العقوبات، ومنح شركتي «رينو» و«توتال» فترات انتقالية أطول، مضيفاً بالقول: «حان الوقت للدول الأوروبية لتفتح أعينها».
وذهب وزير الاقتصاد الألماني، هايكو ماس، أبعد من ذلك، من خلال إبداء استعداد حكومته لتقديم المساعدة للشركات الألمانية المتضررة (10 آلاف شركة ألمانية تعمل مع إيران، بينها 120 لديها عمليات وموظفون في هذا البلد)، «بما في ذلك تقديم المشورة القانونية لمواصلة عملها في إيران». وشكا ماس من أن العلاقات عبر الأطلسي تتضرر بفعل التغييرات التي تطرأ على السياسة الأميركية، مضيفاً: «نحن مستعدون للتحدث... لكن أيضاً للقتال دفاعاً عن مواقفنا عندما تقتضي الضرورة».
ولا يزال موقف الشركات الكبرى المتعاملة مع إيران صعباً، في ظل عدم وجود مخارج قانونية لتلافي العقوبات الأميركية، وهو ما دفع بأكبر مجموعتي شحن حاويات في العالم، «ميرسك لاين» و«إم إس سي»، إلى اتخاذ تدابير جديدة. وقالت الشركتان إنهما تراجعان عملياتهما في إيران بعد القرار الأميركي. وتوقفت الشركتان عن تلقي حجوزات لبعض الشحنات التي ستتأثر ببرنامج العقوبات، وقالت مجموعة «إم إس سي»، أمس، إنها «ستتقيد بالجدول الزمني الذي تحدده الحكومة الأميركية». كذلك، أعلنت شركة النفط الإيطالية، «إيني»، أنها لا تسعى إلى مزيد من الاستثمارات في إيران، موضحة أن عقدها الحالي ينتهي بانتهاء المهلة الأميركية.



استقالة مسؤول التفتيش في وكالة الطاقة
قدّم مسؤول عمليات التفتيش في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بصورة مفاجئة، استقالته من عمله. وذكر متحدث باسم الوكالة، أمس، أن الفنلندي تيرو فارخورانتا استقال من منصبه، وأن ثمة نية لتعيين خليفة له، رافضاً التحدث عن أسباب الاستقالة، والتي وصفها بـ«أمور شخصية سرية». وتأتي استقالة فارخورانتا في وقت حساس من عمل الوكالة، بعدما أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران. وأوضحت الوكالة (مقرها فيينا) أن رئيس فريق الإدارة المعني بالملف الإيراني سيكون قائماً بأعمال مسؤول عمليات التفتيش المستقيل. وكان فارخورانتا نائباً لمدير الوكالة الدولية للطاقة، وتسلم منذ تشرين الأول 2013 رئاسة إدارة الضمانات التابعة للوكالة، وهي المسؤولة عن التحقق من التزام الدول بمعاهدة منع الانتشار النووي.
(رويترز)