أحدث قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انقساماً واضحاً داخل إيران بين توجهين: الأول يطالب بـ«حرق» الاتفاق النووي رداً على «تمزيق» واشنطن له، والثاني يصرّ على استكمال السير به. حكومة الرئيس حسن روحاني تمثل الوجهة الثانية، تحت شعار أن الحفاظ على الاتفاق يشكّل مواجهة لسياسة واشنطن، وتحدياً دولياً لقراراتها، مع ما يبقي عليه من مكاسب اقتصادية لطهران. تفسيرات روحاني لمسعى تحييد الاتفاق عن القرار الأميركي لا تروق تيارات ومسؤولين، بينهم أعضاء في البرلمان، إلى جانب رئيس «مجلس خبراء القيادة» أحمد جنتي، الذي طالب رئيس البلاد، في بيان، بتقديم «اعتذار للشعب» كونه لم يراعِ «الخطوط الحمر» التي وضعها المرشد علي خامنئي، حيال الاتفاق النووي. وقال جنتي إن على روحاني «أن يكشف بطريقة شفافة الخسائر الناجمة عن الاتفاقية»، معتبراً أن الحكومة «لم تأخذ الضمانات اللازمة من دول 5 + 1 في الاتفاقية». لكن روحاني لا يزال يحظى بغطاء من المرشد الأعلى، للقيام بمحاولة الاستحصال على ضمانات أوروبية تجنب الاتفاق النووي انهياراً بحكم الأمر الواقع جراء تبعات العقوبات الأميركية. ويستمر وزير الخارجية، جواد ظريف، في جولته الدبلوماسية الموسعة، حيث تمنى من العاصمة الصينية بكين، في خلال لقائه نظيره وانغ يي، أن تسفر لقاءاته عن «الحصول على صورة أكثر وضوحاً عن مستقبل الاتفاق النووي». ومن بكين، حصل ظريف على دعم صيني عبّر عنه وزير الخارجية بالقول إن بلاده «ستواصل بذل الجهود من أجل الحفاظ على الاتفاق»، مضيفاً أن «الصين مستعدة للحفاظ على قنوات الاتصال والتنسيق مع جميع الأطراف المعنية، ومنها إيران، ولاتباع سلوك موضوعي وعادل ومسؤول لمواصلة حماية الاتفاق». ومن المتوقع أن يخوض ظريف، اليوم، مباحثات حاسمة في بروكسل مع الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، بعد أن ينهي مشاورات في موسكو.
عرقجي: أمام الأوروبيين ما بين 45 و60 يوماً لإعطاء الضمانات الضرورية


وجدّد روحاني، أمس، التعبير عن استعداد بلاده للبقاء في الاتفاق النووي «رغم أنف أميركا» كما قال، وذلك بشرط «التزام الدول الخمس المتبقية بالاتفاق». تصريحات روحاني الأخيرة بدت رداً غير مباشر على المعارضين والمنتقدين لقراره الاستمرار بالاتفاق. إلا أن الأصوات المعترضة، وإن بدأت تتوسع، فإنها تؤمّن في هذه الحالة ورقة ضغط في التفاوض مع باقي أطراف الاتفاق. وعلى الرغم من تأكيد رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أمس، للرئيس روحاني التزام لندن والاتحاد الأوروبي بالاتفاق، فإن الرئيس الإيراني أبلغ ماي في اتصال هاتفي ضرورة تأكيد هذا الالتزام بضمانات عملية، مفصلاً مطالب بلاده بحماية «حق إيران في بيع النفط والارتباط البنكي والاستثمار».
وقد حددت طهران مهلة زمنية لحصولها على ضمانات أوروبية تؤمن بقاء الاتفاق النووي على نحو يحفظ مصالح إيران. وقال نائب وزير الخارجية، عباس عرقجي، إن «أمام الأوروبيين ما بين 45 و60 يوماً لإعطاء الضمانات الضرورية لتأمين مصالح إيران وتعويض الأضرار التي تسبب بها خروج الولايات المتحدة»، مضيفاً «إذا لم يعط الأوروبيون ضمانات، يعود إلى مسؤولي البلاد اتخاذ القرارات الضرورية».
وتقارب المهلة الإيرانية للتوصل إلى تفاهم مع الأوروبيين مهلة الولايات المتحدة للشركات المتعاملة مع إيران للالتزام ببرنامج العقوبات على طهران، في وقت لا تحظى فيه مساعي الأوروبيين لتحييد شركاتهم بفرص تذكر. واعترف وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، أمس، بالمعضلة التي تواجه الشركات، بالقول «لا أتوقع حلاً سهلاً لحماية الشركات من كل أخطار العقوبات الأميركية»، مبدياً في الوقت نفسه رغبة حكومته في مساعدة هذه الشركات على مواصلة أنشطتها في إيران.
في المقابل، لا تقدم الولايات المتحدة أي تنازل أمام إصرار الأوروبيين على مواصلة التعامل التجاري مع إيران، وتصب جهودها على مشروع صياغة اتفاق جديد، وفرض عقوبات أوسع بالتعاون مع الأوروبيين «لمواجهة سلوك إيران المؤذي»، بحسب وزير الخارجية مايك بومبيو. لكن بومبيو رفض اعتبار أن الانسحاب من الاتفاق كان يستهدف الأوروبيين، فيما حذر مستشار الأمن القومي جون بولتون من فرض عقوبات على الشركات الأوروبية، مؤكداً أن ذلك «أمر وارد... ويعتمد على سلوك حكومات أخرى».