القاهرة | انقضت الجولة الثانية من المفاوضات «التساعية» بين وزراء الخارجية والمياه ورؤساء المخابرات لدول مصر والسودان وإثيوبيا في عاصمة الأخيرة أديس أبابا، فجر أمس، بعد 15 ساعة من الاجتماعات المتواصلة، بالتوقيع على وثيقة تضمنت الاتفاق على أربعة بنود تستهدف في مجملها التعهد باستمرار التعاون من أجل إيجاد صيغة للتفاهم حول التخزين وقواعد التشغيل في «سد النهضة» الإثيوبي، الأمر الذي عدّه وزراء الخارجية «نجاحاً» يكسر الجمود. لكنّ هذه المفاوضات لم تحسم الجدل والخلافات الجوهرية بين مصر وإثيوبيا في ما يتعلق بتأثيرات السد السلبية على مصر، أو الاتفاق على آلية تخزين وتشغيل السد من دون التسبب في ضرر بالغ للقاهرة.

وفي الساعة الثالثة فجر أمس، خرج وزيرا الخارجية المصري والإثيوبي ووزير المياه السوداني، في مؤتمر صحافي مشترك، للإعلان عن بنود وثيقة مخرجات الاجتماع، حيث أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أنّه تم وضع حدّ للجمود، وقال: «أثق بأنّ إخلاص النوايا... سوف يؤدي إلى تحقيق مصلحة الدول الثلاث». وزير الخارجية الإثيوبي ورقنه جبيه، اعتبر بدوره أنّ العلاقات بين الدول الثلاث ستتواصل بشكل أفضل، معرباً عن سعادته بنجاح الاجتماع الوزاري، بينما أكد وزير الموارد المائية والري السوداني معتز موسى أنّ الاجتماع «تم بنجاح» من دون تدخل الآخرين، وبعد نقاشات ساخنة دامت لسنة كاملة. جدير بالذكر أنّ الاجتماع شهد تمثيلاً سودانياً ضعيفاً، حيث غاب رئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني صلاح قوش، كما وزير الخارجية الدرديري محمد أحمد، الأمر الذي فسّره أحد الدبلوماسيين الحاضرين بأنّه «لأسباب تتعلق بانشغالات ومشاكل داخلية بسبب حركة التغييرات الوزارية الأخيرة في السودان».
وثيقة مخرجات الاجتماع نصّت على أربعة بنود، هي انتظام القمة الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان، كل ستة أشهر، وفقاً لقاعدة التناوب بين عواصم الدول الثلاث، وإقامة صندوق تمويل ثلاثي للبنية الأساسية يتيح التمويل المشترك لمقترحات التنمية في الدول الثلاث، وفي هذا الاطار وافقت الدول الثلاث على دعوة مصر إلى استضافة اجتماع رفيع المستوى في القاهرة في 3 و4 تموز/يوليو المقبل.
وحول الجزء الأكثر جدلاً، نصّت الوثيقة في البند الثالث الخاص بمسوّدة «التقرير الاستهلالي» (كان قد قدّمه مكتبان استشاريان فرنسيان في آذار/مارس 2017، وافقت عليه مصر، بينما رفضته السودان وإثيوبيا): «الرئيس الحالي للجنة الثلاثية الفنية الوطنية، كاستثناء وحيد من النظام والقواعد الإجرائية للجنة الثلاثية، سوف يمدّ المكتب الاستشاري (المؤلف من المكتبين الفرنسيين) بإجمالي الاستفسارات والملاحظات المتعلقة بالتقرير الاستهلالي التي لم تحصل على الإجماع من اللجنة الفنية الوطنية،على أن يُقدّم المكتب الاستشاري الرد خلال ثلاثة أسابيع». ويتم تداول ردّ «الاستشاري» في سياق اجتماع اللجنة الفنية الوطنية بحضور وزراء المياه، وسيعقد في القاهرة بعد أسبوع من تسلّم ردّ المكتب الاستشاري.

لم يصل الفريق المصري المفاوض إلى أي ضمانات حقيقية خلال الاجتماع


ونص البند الرابع، وهو الأخير، على إقامة «فريق بحثي علمي قومي مستقل»، يُفوّض في مناقشة وسائل تعزيز مستوى التفاهم والتعاون بين الدول الثلاث حول «سد النهضة» الإثيوبي، ويهدف إلى مناقشة وتطوير سيناريوات مختلفة تتعلق بالتخزين وقواعد التشغيل بالتطابق مع مبدأ الاستخدام العادل والمنصف لمصادر المياه المشتركة، مع أخذ كل الإجراءات الممكنة لمنع حدوث أضرار بالغة. وسيتكوّن هذا الفريق من 15 عضواً، ترشّح كل دولة 5 أعضاء، ويعقد 9 اجتماعات، كل منها على مدار 3 أيام، بالتناوب بين العواصم الثلاث، على أن يُقدّم مخرجات المشاورات خلال ثلاثة أشهر (في 15 آب/أغسطس 2018) إلى وزراء المياه الذين يرفعونه إلى «الآلية التساعية».
مصادر مصرية حضرت الاجتماع وصفت الوثيقة بأنّها «لا تمثل نهايةً، أو حلاً جذرياً للخلافات العالقة بشأن التقرير الاستهلالي وقواعد التشغيل في السد، ولكنها تعتبر بمثابة خريطة طريق لكسر حالة الجمود التي تنتاب المسارات الفنية والسياسية، وتأتي كمحاولة للتأكيد على حرص الدول على استمرار التعاون بمبدأ حسن النية وعدم التسبب في أي أضرار بالغة جراء إنشاء السد». وأكدت المصادر أنّ ما يلي من إجراءات لتنفيذ مخرجات هذا الاجتماع وبنود الوثيقة الموقّعة في أديس أبابا، هو الخطوات الأهم في إطار حسم الخلافات حتى يكون هناك توافق عام لدى الدول الثلاث حول التخزين في السد.
ورغم ما يعدّه المسؤولون نجاحاً للاجتماعات، فإنّ مخرجات الاجتماع لم تتعرض للخطة الإثيوبية الحالية بشأن التخزين في سد النهضة، والمنتظر أن يبدأ مع موسم الفيضان المقبل في تموز/يوليو، لملء «السعة الميتة» في السد التي قد تبلغ 14 مليار متر مكعب من المياه، من أصل 74 مليار متر مكعب من المياه تنوي إثيوبيا تخزينها في السد، خصماً من الحصص السنوية لمصر في مياه النيل.
بناءً على ما تقدّم، تخدم مخرجات الاجتماع إثيوبيا، وبشكل كبير، حيث إن تشكيل «فريق بحثي قومي مستقل» جديد سيكون من شأنه تجنب مسار الدراسات التي شهدت خلافات مطولة خلال الفترة الماضية حتى قبيل تنفيذها، وبالتالي سيكون هذا الفريق بمثابة وسيلة بيد إثيوبيا لتمرير خطتها لملء خزان السد وقواعد التشغيل تحت مظلة المبادئ العامة، مثل الاستخدام العادل والمنصف والمناسب للمياه وعدم التسبب في أضرار بالغة.
ولم يصل الفريق المصري المفاوض إلى أي ضمانات حقيقية خلال الاجتماع لإثبات التأثيرات السلبية للسد على مصر، حيث إن مسار الدراسات الذي تحدث عنه البند الثالث من الوثيقة الموقعة ترك الأمور عامة، كما أنّه ذكّر بأنّ وجهات النظر وملاحظات كل دولة على «التقرير الاستهلالي» للدراسات لا تزال محل خلاف، واقتصر على وضع خريطة طريق زمنية للتواصل مع المكتب الاستشاري ومعرفة ردّه على هذه الملاحظات.