بدأ مصرف لبنان، أمس، تنفيذ عملية تسييل سندات يوروبوندز بقيمة مليار دولار حصل عليها الاسبوع الماضي من عملية استبدال مع وزارة المال بقيمة إجمالية بلغت 5.5 مليارات دولار. السندات التي يعرضها «المركزي» للبيع تتوزّع على أربع شرائح تستحق بين 2028 و2034، والعائد عليها يراوح بين 7% و8.25%، ويمكن تسديد ثمنها من خلال الدفع النقدي، أو استبدالها بسندات يوروبوندز تستحق في حزيران وتشرين الأول 2018، أو استبدالها بشهادات الإيداع الصادرة عن مصرف لبنان بالدولار والتي تستحق في 2021، على أن يحتسب سعر السندات والشهادات بقيمة 100 دولار للسند الواحد لا بسعرها السوقي الرائج.

لم يكد يبدأ عرض هذه السندات للبيع في الأسواق المالية (يستمر حتى الخميس المقبل)، حتى شهدت أسعار سندات اليوروبوندز انخفاضاً ملحوظاً في سعرها. بعض السندات انخفضت أكثر من نقطتين كاملتين، وبعضها تراجع إلى مستوى لم يسجّل سابقاً. على سبيل المثال، تراجعت السندات التي تستحق في 2021 بنسبة 1.5% والسندات التي تستحق في 2035 تراجعت إلى 80 دولاراً، والسندات التي تستحق في 2037 تراجعت بنسبة 2.2%. والمعروف أن العائد على السندات يرتفع كلما انخفض سعرها، ما دفع العائد إلى الارتفاع إلى أكثر من 9% على بعض السندات.
هذا المشهد يعكس مستوى المخاطر الماليّة والسياسيّة في لبنان. فالانخفاض في السعر وارتفاع العائد إلى هذه المستويات لم يعد بالضرورة مرتبطاً بتخلي المستثمرين عن رغبتهم في شراء الأسهم والسندات في الأسواق الناشئة ومنها لبنان، بل بات يعبّر عن التطورات الإقليمية والمحلية. فالعملية المطروحة اليوم تأتي بعد بضعة أيام على إقفال عملية استبدال سندات بالليرة اللبنانية مقابل سندات جديدة بالدولار بقيمة 5.5 مليارات دولار. والسندات التي يعرض مصرف لبنان بيعها في السوق الدولية هي جزء من السندات الجديدة التي نتجت من عملية الاستبدال، فلم الإسراع في تسييلها؟

العملية تشير إلى حاجة متزايدة لدى مصرف لبنان لتعزيز موجوداته بالعملات الأجنبية


بحسب العاملين في السوق المالية، إن مصرف لبنان يتصرف مدفوعاً بالحاجة إلى سيولة بالعملات الأجنبية. يبدو أن حاجته تتزايد خلال هذه الفترة تزامناً مع وجود مؤشرات تصعيد إقليمية، يخشى أن يكون لبنان إحدى ساحاتها. حاجة «المركزي» مرتبطة عضوياً بإعادة تكوين احتياطاته بالعملات الأجنبية في إطار خلق «الثقة» التي تتيح له استقطاب الأموال من الخارج. كلما كان لدى مصرف لبنان سيولة أكبر، كانت الثقة التي يخلقها أكثر تماسكاً على استقطاب التدفقات من الخارج، وكلما استقطب الأموال زادت قدرته على تثبيت سعر صرف الليرة من دون استنزاف الاحتياطات وتلبية الحاجات التمويلية للدولة والقطاع الخاص.
رغم أن هذه العملية ستوفّر السيولة اللازمة لمصرف لبنان، إلا أنها ترتّب نتائج سلبية عليه. فالعرض يسمح بتسديد ثمن السندات المعروضة للبيع، بسندات يوروبوندز تستحق في 2018 أو بشهادات إيداع تستحق في 2021، على أن يجري تسعير السندات المقدمة من المستثمرين بسعر100 دولار للسند الواحد، علماً بأن السندات المعروضة للتسييل مسعّرة بنحو 93 دولاراً للسند الواحد، أي إن هذه العمليات ستكبّد مصرف لبنان خسائر، مقابل استفادته من الآتي: طريقة الدفع تساعد «المركزي» على تقليص استحقاقات الديون بالدولار على المدى القصير والمتوسط، علماً بأن الدفع بواسطة سندات يوروبوندز موجّه للمستثمرين الأجانب، أما الدفع بواسطة شهادات الإيداع، فموجّه للمصارف اللبنانية التي تعاني من جفاف السيولة ولا يمكنها شراء السندات التي تعد أسعارها فرصة استثمارية.
إذاً، هي مجرّد طبقات من عمليات الاستبدال الدفترية التي ترتب ديوناً على الدولة وعلى مصرف لبنان من دون أن يكون هناك أي قرش فعلي متداول. بالعامية هي عملية «تركيب طرابيش» عبر التداول بأوراق دين واستبدالها بأوراق جديدة بعملة أجنبية واستبدال هذه الأخيرة بسندات قديمة...



الدولار القويّ يلسع السندات
توصل محللو «موديز» في نهاية الاسبوع الماضي إلى خلاصة مفادها أن السندات اللبنانية بالعملات الأجنبية من بين أكثر السندات عرضة للمخاطر. يتخوّف المحللون من أن تتعرض السندات السيادية في الأسواق الناشئة لضربة قوية، سواء بسبب تحسّن سعر صرف الدولار عالمياً، وبسبب ارتفاع أسعار الفوائد الأميركية، فالأرقام الصادرة عن «EPFR Global» تشير إلى أن 1.6 مليار دولار خرجت من الاستثمارات في الأسواق الناشئة الاسبوع الماضي. وقال المحللون لـ«الفايننشيال تايمز» إن مديري الأصول «انفسكو» و«بيكتت» هما أكبر حاملين لسندات اليوروبوندز التي تستحق في 2037 والتي بلغ العائد عليها 7.25% ويجري تداولها بمبلغ 83 دولاراً (الأسبوع الماضي)... ورأوا أن «أسعار سندات اليوروبوندز تشهد انخفاضاً منذ نيسان الماضي (...) بالنسبة إلى بلد مثل لبنان ينفق أكثر من نصف عائدات الحكومة على تسديد فوائد الدين، فأي تحسّن في العملة الأميركية سيكون له أثر كبير على الدين اللبناني. مصرف لبنان يحتاج إلى رفع أسعار الفوائد أو استعمال احتياطاته بالعملات الأجنبية لتلبية حاجات الاقتصاد التمويلية. هذه الاحتياطات هي القوة الأساسية لحماية تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار».