أعلن مايك بومبيو، أمس، الاستراتيجية الجديدة ضد إيران، داعياً الأخيرة إلى الامتثال لسلسلة شروط ليس أكبرها وقف برنامجها النووي، ومهدداً إياها بعقوبات قاسية لن يكون الـ«بنتاغون» مستثنىً من الجهات العاملة عليها. تهديدات سرعان ما بادرت طهران في التقليل من أهميتها، مجددة تمسكها بالتفاوض مع الأوروبيين لحماية الاتفاق النووي. لكن تلك المفاوضات تبدو محاطة بالمخاطر، في ظل التلويح الأميركي بعصا العقوبات، فضلاً عن التطلع الأوروبي إلى «بعض التنازلات» الإيرانية.

لم تخرج «الاستراتيجية الجديدة» التي عرضها وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أمس، بشأن التعامل مع إيران، عن دائرة ما كان متوقّعاً: مطالبُ أشبه ما تكون بـ«التعجيزية»، وتهديدات بعقوبات ستكون «الأقوى في التاريخ». ثنائية يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة تستهدف من ورائها تصعيد الضغوط على الجمهورية الإسلامية إلى أقصى حدّ ممكن، بهدف حملها على تقديم تنازلات في ثلاثة ملفات رئيسة: برنامجها النووي، وصواريخها الباليستية، ودورها في الشرق الأوسط. وهي ملفات لا تُظهر طهران إلى الآن أي استعداد للتفاوض بشأنها، مراهِنةً في موقفها المتصلّب هذا، الذي جدّدته أمس، على إمكانية أن تؤدي مشاوراتها مع الشركاء الأوروبيين إلى حماية الصفقة النووية وتثميرها، لكن هؤلاء الشركاء لم يقدّموا حتى الساعة ما يمكن اعتباره «حصاناً رابحاً»، فضلاً عن أنهم لم يتخلّوا عن لهجة استرضاء واشنطن، حتى إن أحد المسؤولين الكبار في الاتحاد الأوروبي رأى أن «علينا الابتعاد عن اسم اتفاق فيينا».
لم يكتفِ بومبيو، في خطابه الذي ألقاه في معهد «هيرتيج» في واشنطن، بالمطالب التي كانت قد تضمّنتها البرقية المرسَلة من وزارة الخارجية إلى الأوروبيين في شهر شباط/ فبراير الماضي، والمتمحورة حول مسائل ثلاث: ضمان تفتيش محكم للمنشآت النووية الإيرانية، «إصلاح» بند المدة الزمنية التي ترتفع بانقضائها القيود المفروضة على برنامج إيران النووي، وكبح برنامج طهران للصواريخ الباليستية، بل أضاف إليها مطلب «التوقف عن أي تخصيب لليورانيوم، وغلق المفاعل الذي يعمل بالماء الثقيل»، ما ينفي تلقائياً أهمية المطلب الثاني الوارد في الاتفاقية المذكورة، ويؤدي عملياً إلى نتيجة واحدة مفادها بتعبير الوزير الأميركي نفسه: «تخلّوا عن برنامجكم». مطلبٌ أرفق بومبيو إعلانه بإشهار كل من الجزرة والعصا المعهودَتين في السياسات الأميركية في وجه إيران: إذا استجابت طهران للضغوط فستكون مكافأتها «رفع العقوبات، إعادة جميع العلاقات الدبلوماسية والتجارية، ودعم الاقتصاد الإيراني»، وإذا أصرّت على موقفها الرافض لأي تعديل في الاتفاقية المبرمة عام 2015 فسيكون جزاؤها «ضغوطاً مالية غير مسبوقة على النظام الإيراني» مع «أقوى العقوبات في التاريخ» على حدّ توصيف المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية المركزية، الذي توعّد بأن ذلك «مجرد بداية فقط». وبهدف تزخيم أجواء التصعيد بوجه إيران، والتشديد على أن ما يدور الحديث عنه هو «خطة متكاملة» ممتدة من البيت الأبيض إلى وزارة الخارجية إلى الـ«بنتاغون» ووزارة الخزانة وغيرها وليست مجرد تهديدات أحادية غير متفق عليها، صاحب تهديداتِ بومبيو توعدُ وزارة الدفاع بـ«اتخاذ كل الخطوات الضرورية لمواجهة السلوك الإيراني الخبيث في المنطقة»، والتلويح بـ«إجراءات جديدة أو مضاعفة الإجراءات الحالية».

تطالب طهران الأوروبيين بتوفير «مناخ ملائم» لعمل الشركات في إيران


المفارقة أن مهندس «الاستراتيجية» الجديدة ضد إيران يريد، فوق كل ما ذُكر، تدفيع الأخيرة ثمن الانتكاسات الأميركية المتتالية في المنطقة، وتحميلها مسؤولية ضمان أمن حلفاء الولايات المتحدة الذين تصاعدت خلال الأشهر الماضية شكاواهم من «اتساع رقعة النفوذ الإيراني». هذا ما يفسّر المطالب السياسية الواردة ضمن قائمة من اثني عشر شرطاً عدّدها بومبيو أمس، يبرز من بينها ما يأتي: «وضع حدّ لدعم ميليشيات جماعة الحوثي في اليمن» حيث لم تستطع السعودية تحقيق أهدافها من العدوان الذي دخل عامه الرابع على الرغم من كل الدعم الأميركي الذي وصل إلى حدّ إشراك قوات برية في العمليات الدائرة على الحدود الجنوبية للمملكة، «نزع سلاح الميليشيات الشيعية في العراق» والمقصود بها فصائل «الحشد الشعبي» التي حقّق ممثّلوها نتائج متقدّمة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بما من شأنه إثارة المزيد من القلق الأميركي حول تموضع العراق الاستراتيجي مستقبلاً، «الانسحاب من سوريا وسحب ميليشيات الحرس الثوري هناك» بعدما أدى الدعم الإيراني دوراً رئيساً في مواجهة الجماعات الإرهابية، ومنع سقوط الدولة السورية، التوقف عن «دعم الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط» والمعنيّ بها حركات المقاومة في وجه إسرائيل، وفي مقدمها «حزب الله والجهاد الإسلامي» اللذان سمّاهما بومبيو بالاسم، والأهم «وضع حدّ لتصرفات طهران تجاه إسرائيل والدول الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط» في إشارة إلى السعودية التي لم تفلح خططها لمواجهة ما تعتقده «نفوذاً إيرانياً» في أيٍّ من البلدان المشار إليها مُقدّماً.
باختصار، المطلوب من إيران رضوخ كامل في كل ساحة تعلو فيها راية تمرد على الولايات المتحدة، والامتناع عن أي مواقف أو خطوات من شأنها عرقلة مسار «صفقة القرن» التي تعتزم إدارة دونالد ترامب طرح بنودها الشهر المقبل. وعلاوة على جميع تلك التنازلات التي يُفترض بطهران تقديمها، يتعيّن عليها أيضاً تجريد نفسها من أي عناصر قوة عبر التوقف عن إنتاج الصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوساً نووية. وما لم ينسه بومبيو، بطبيعة الحال، التلويح إلى جانب العقوبات باستمرار العمل على تقويض النظام القائم في الجمهورية الإسلامية بقوله: «في نهاية الامر، سيتعيّن على الشعب الايراني اختيار قادته». هذه التهديدات لم تجد فيها إيران إلا «ارتداداً إلى السياسات الفاشلة والخيارات الخاطئة»، ولذلك «ستجني (الولايات المتحدة) النتائج السيئة نفسها» وفق ما رأى وزير الخارجية محمد جواد ظريف، فيما قلّل الرئيس حسن روحاني من أهمية تصريحات بومبيو، متوجّهاً إليه بالقول: «من أنت لتقرر ما يجب أن تفعله إيران والعالم؟»، مشدداً على ضرورة أن «نواصل طريقنا جنباً إلى جنب». ولعلّ الأبرز في ردّ الفعل الإيراني هو تأكيد ظريف استمرار إيران في «العمل مع شركائها من أجل حلول ما بعد خروج أميركا من الاتفاق النووي».
هنا، تتزاحم الأسئلة بشأن خطط إيران البديلة إذا عَجِز الأوروبيون عن تحصين الاتفاق، خصوصاً أن وزير الخارجية الأميركي وجّه إليهم تهديدات مبطنة بعدما دعاهم إلى دعم استراتيجيته الجديدة، بتحذيره من أن الشركات التي ستستمرّ في القيام بأعمال تجارية في إيران «ستتحمّل المسؤولية»، وهو ما يرفع مستوى التحدي أمام فرنسا وبريطانيا وألمانيا لتوفير ما تسمّيه طهران «مناخاً ملائماً للشركات للعمل في إيران»، ولا سيما أن «قانون التعطيل» الذي فُعِّل الجمعة الماضي قد لا يفلح في طمأنة الشركات الكبرى. إلى الآن، تبدي الدول الأوروبية المعنية تمسّكها بالاتفاق الحالي وفق ما كرّر أمس وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، الذي لفت إلى أن الصفقة الأصلية «تحمي العالم من قنبلة نووية إيرانية، وفي المقابل تعطي الإيرانيين بعض الفوائد الاقتصادية»، مشيراً إلى أن «احتمال التوصل إلى اتفاق جديد أوسع بكثير مع إيران سيكون صعباً للغاية». لكن جونسون، وفي الوقت الذي أكد فيه أن بلاده «ستعمل على حماية الشركات البريطانية المتعاملة مع إيران»، أعرب عن اعتقاده بـ«أننا في النهاية سنعود إلى نوع من الإضافات التي كنا نتوخاها على الاتفاق»، ما يعني أن المفاوضات بين الجانبين التي ستتكثّف الأسبوع الجاري لن تخلو من محاولات أوروبية للضغط على إيران، وهو ما لمّح إليه قبل يومين مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي بقوله إنه «ستجري مناقشة إبرام اتفاق جديد يتضمن بعض الإضافات لطمأنة الولايات المتحدة».



تهليل خليجي وإسرائيلي


تماثلت ردود الفعل الخليجية والإسرائيلية على خطاب وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، لناحيتَي الاغتباط بـ«الاستراتيجية الجديدة» بوجه إيران، والتحريض على مزيد من الإجراءات العقابية ضد الجمهورية الإسلامية. ووصف وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، تلك الاستراتيجية بـ«الصارمة»، معتبراً إياها «نتيجة طبيعية للسلوك الإيراني عبر السنوات»، مشدداً على أن «توحد الجهود هو الطريق الصحيح لتدرك طهران عبثية تغولها وتمددها». وفي الاتجاه نفسه، عدّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الاستراتيجية التي أعلنها بومبيو «السياسة الوحيدة والصحيحة التي يمكنها ضمان السلام في المنطقة»، داعياً جميع دول العالم إلى «العمل بموجب السياسة الأميركية لأن إيران عدوانية». وأشار نتنياهو، في بيان، إلى أن طهران «في أوج توسعها وعدوانها في جميع أنحاء الشرق الأوسط»، مضيفاً أن «إيران تسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية بطرق مختلفة قد كشفنا عنها النقاب»، في إشارة إلى الوثائق التي عرضها أواخر الشهر الماضي بشأن البرنامج النووي الإيراني.