باريس ـ الأخبار

منذ سنوات، التصقت صفة «الاستفزازي»، و«المثير للجدل» بأحد أكثر الفنانين الساخرين موهبةً في فرنسا. إنّه ديودونيه مبالا مبالا (1966) الذي يقض مضجع عاصمة الأنوار هذه الأيام. منذ أسبوع والجدل مشتعل بسبب عودة الكوميدي الأسمر بعرض جديد هو «الجدار»، لكن هذه المرة، تكتّل رؤساء بلديات في مدن فرنسية عدة ضدّ العمل بدعوى معاداته السامية، الصفة التي لاحقت الفنان الذي بدأ مسيرته في التسعينيات بأعمال واستكتشات انتقدت العنصرية ضد العرب والسود في فرنسا، ودافع مراراً عن القضية الفلسطينية وعن المقاومة ضد مختلف أشكال الهيمنة الاستعمارية، من الممارسات الفرنسية في أفريقيا السمراء، إلى الاجتياح الأميركي للعراق، مروراً بنظام الأبارتهايد الجديد في فلسطين المحتلة.

هذا لا يعني أنّ الفنان ليس معادياً للسامية، وإلا فكيف نفسّر تصريحه الأخير بشأن الصحافي في France Inter باتريك كوهين.؟ قال بالحرف الواحد: «عندما أسمع باتريك كوهين يتحدّث، أقول في سرّي، ضيعان غرف الغاز!». هذا غيض من فيض من انزلاقات الفنان التي كلفته منع عروضه مراراً في السابق. وها هي نانت تعلن أمس إلغاء عرض «الجدار»، الذي كان مقرراً اليوم بعد إلغاء مماثل اتخذته مرسيليا، وبوردو، وتور. كانت حجة الحكومة الفرنسية أنّ تصريحات وأعمال ديودونيه «تهين ذكرى ضحايا المحرقة النازية وتعرّض الأمن العام للخطر». أما ردّ الفنان، فكان أنّه سيرفع دعوى بتهمة التشهير وانتهاك الخصوصية وحرية التعبير المقدّسة في الدستور الفرنسي. في هذا السياق، انخرطت جمعيتان تعدّان من أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية في فرنسا في النقاش الدائر، حيث شددتا على أن ديودونيه هو فخّ للقضية الفلسطينية. انطلاقاً من هذا، صدر بيان عن «حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية ضد إسرائيل ـ بي. دي. أس فرنسا»، وآخر من «جمعية التضامن فرنسا ـــ فلسطين» (راجع المقال أدناه). وجاء في بيان «bds فرنسا»: «منذ أسبوع، تتوالى المقالات والردود في الصحف للتعليق على إيديولوجيا ديودونيه وقرار وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس بدراسة احتمالات منع عروضه. وبناءً عليه، يهمّ «بي. دي. أس فرنسا» إيضاح التالي: منذ ولادتها، تدين الحملة كل أشكال العنصرية، وخصوصاً إيديولوجيا وتصرّفات «جماعة ديودونيه» (ديودونيه، آلان سورال وأصدقاؤهما المختلفون) التي تتكوّن جهاراً من أشخاص عنصريين، معادين للسامية، يرون أنّ العالم تهيمن عليه «مؤامرة يهودية» مسؤولة عن كل الشرور، وضحيتها هم الشعوب، وخصوصاً شعب فرنسا. هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى معسكر اليمين المتطرّف، وخصوصاً معسكر لو بان. وعلى عكس ما يدّعونه، فهم لم يتحرّكوا يوماً دفاعاً عن قضية الشعب الفلسطيني. ما فعلوه هو استغلال هذه القضية واستخدامها في خدمة هذيانهم المؤامراتي. إنّ مواقفهم لا تتواءم مع قيم حملة «بي. دي. أس. فرنسا»، لكننا ندين أيضاً الهجوم الذي شنّه مانويل فالس، الذي يريد أن يضع في سلة واحدة معادي السامية مع المناضلين ضد العنصرية، ومناهضي الصهيونية الذي يقفون بحزم ضد السياسة الاستعمارية والأبارتهايد الذي تمارسه دولة اسرائيل. هجوم فالس يرمي إلى ترسيخ هذه الأطراف في ذهن الرأي العام بوصفها معسكراً واحداً بمباركة من «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا». (...)
أخيراًَ، إنّ حملة «بي. دي. أس. فرنسا» معادية للعنصرية، أخلاقية ومدنية تناضل من أجل احترام القانون الدولي، وحقوق الانسان (....) وتحارب السياسة العنصرية الاسرائيلية باسم القيم العالمية. وبناءً عليه، فإنّ الحملة تعي أيضاً العملية السياسية المعادية لديودونيه التي تشنها الحكومة الفرنسية، وترمي إلى ترسيخ مناخ سياسي مدموغ بعنصرية ضد الاسلام، والمهاجرين، بتواطؤ مكشوف مع السياسة الاسرائيلية».




يوم سخر من الحاخام المتطرّف

ديودونيه الذي استقبله ميشال الفتريادس في «ميوزكهول» في بيروت عام 2010، حوّل معاناة أبناء الضواحي من التهميش والعنصرية (الأخبار 20/1/2010)، إلى مادة كوميدية تمزج بين خفة الأداء والدعابة السوداء. في 2003، أدى اسكيتشاً معتمراً قبعة حاخام يهودي متطرف للاستهزاء بشخصية اليهودي المتطرف، مثلما فعل مع شخصية الإسلامي الأصولي. منذ تلك اللحظة، تعرض ديودونيه لحملة شرسة اتهمته بمعاداة السامية، وأدت إلى منع شبه كلي لعروضه. هذا الحصار الذي فرضه اللوبي الصهيوني على الفنان رماه في أحضان التطرّف واتخاذ مواقف انتحارية، فبدأ انزلاقه الفعلي إلى معاداة السامية حتى وصف المحرقة «بالبورنوغرافيا التاريخية».