الرباط | عام 2008، تأسس «حزب الأصالة والمعاصرة» وشارك في «الانتخابات الجماعية» (البلدية) سنة بعد ذلك (2009) وحصل على أغلب المقاعد، متبوعاً بغريمه الإسلامي «المُعتدل»، «حزب العدالة والتنمية». إزاء تلك النتائج، طُرِح سؤالٌ مشروع: «كيف حقق (البام) هذا النجاح السريع؟». أتى الجواب بديهياً على ألسنة الجميع: مؤسس هذا الحزب هو رجلٌ يُلقبُ بـ«صديق الملك»، والمقصود فؤاد عالي الهمة، وهو مستشار الملك محمد السادس.

المعلومات الإضافية التي توافرت تباعاً، أفادت بأنّ تأسيس هذا الحزب جاء «نتيجة تدبير على أعلى مستويات الدولة»، بهدف «محاصرة الانتشار السياسي والانتخابي المتعاظم لحزب العدالة والتنمية»، وهذا ما حصل عملياً بسرعة، إذ حلّ الحزب أولاً في تلك الانتخابات التي خاضها عقب عام من تأسيسه.
عقب ذلك، لم يعد خافياً أنّ «الأصالة والمعاصرة» كان يُعِدُّ، ويُعَدُّ، لدور كبير يلعبه، ليس أقل من الفوز بالانتخابات التشريعية الأولى التي سيشارك فيها. حصلت تلك المشاركة فعلاً، لكنّها جاءت في خريف عام 2011 وسط ظروف سياسية واجتماعية استثنائية، تمثّلت خاصةً في اندلاع «الربيع العربي»، وعقب التصويت على نص دستوري جديد تضمّن تعديلات مهمة (منها مثلاً أنّه للمرة الأولى يجري التنصيص على منصب رئيس الحكومة بدلاً من الوزير الأول، كما نصّ كذلك على أن رئيس الحكومة يُعيِّنه الملك ويكون من الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية).
جرت انتخابات 2011 في تلك الظروف، وحلَّ «العدالة والتنمية» أولاً، وعُيِّن رئيس حكومة منه، وهو أمينه العام عبد الإله بنكيران. وبناءً عليه، يمكن القول إنّ الأمور سارت بعكس ما كانت تشتهيه السفن... سفن النافذين في أعلى مستويات القرار بالدولة.

تجرّع الخيبة
عقب تلك المرحلة، اختار «الأصالة والمعاصرة» ضفة معارضة الأغلبية الحكومية التي شكّلها وتولى أغلب مناصبها «العدالة والتنمية»، وبدا، في الظاهر، أن الأمور هدأت. بيد أنّ المعطيات التي كانت تطفو على السطح مرة بعد أخرى، كانت تفيد بأنّ الصراع بين الحزبيين لا يني يحتد ويشتد، وهو ما عكسته تصريحات في شكل تلميحات كان يُلقيها رئيس الحكومة بنكيران، من بينها مثلاً إشارته إلى نافذين في أعلى مستويات القرار بـ«التماسيح والعفاريت»... ولا أحد يجهل أنه كان يقصد بالأساس أشخاصاً نافذين في محيط الملك محمد السادس.
في تلك المدة، كان «الأصالة والمعاصرة» يتجرع خيبة فشله في تولي قيادة الحكومة. وإلى جانب مشاداته السياسية والتدبيرية مع «العدالة والتنمية» تحت قبة البرلمان بغرفتيه، وعلى أعمدة الصحف والمواقع الإلكترونية التابعة أو الموالية له، كان يُفعِّل تدابير تنظيمية بغاية إعداد العدّة لموعد آخر هو الانتخابات التشريعية لسنة 2016. من بين تلك التدابير، أنه تخلى عن أمينه العام السابق مصطفى الباكوري، الذي نُظر إليه باعتباره إطاراً تدبيرياً عالياً في مجال المال والاقتصاد أكثر منه قيادياً سياسياً، وحلّ مكانه خلال المؤتمر العام للحزب الذي انعقد في 2016 إلياس العماري. هذا الأخير يُنظر إليه باعتباره «صديق صديق الملك»، أي إنّه صديق فؤاد عالي الهمة، علماً أنّ مساره في السياسة لصيق بالكواليس وليس في المناصب والمهمات التنظيمية المعلنة.
ينحدر العماري من أقصى شمال البلاد، تحديداً من منطقة الريف التي اندلع فيها الحراك الاجتماعي الشهير الذي لا يزال يخلق الحدث لغاية هذه الساعة من خلال أطوار محاكمة قادته بعد متابعتهم بتهم ثقيلة. ظروفٌ غامضة قادت هذا الرجل نحو مربع النفوذ في القصر الملكي، ليظهر كشخصية قوية باعتباره «صديق صديق الملك»، وليبرز مؤثراً في كثير من الملفات التدبيرية. وقد ظلّ فعله المؤثر يُرى، لكن من خلف ستار إلى غاية توليه مناصب تدبيرية كبيرة، من بينها رئاسته لجهة «تطوان طنجة الحسيمة» عقب انتخابات 2015 البلدية، ثمّ توليه منصب الأمين العام لحزبه في بداية 2016.

قبل بنشماس، كان الرهان على الياس العماري وهو «صديق صديق الملك»


كان واضحاً أن الرهان على هذا الرجل النافذ كبيرٌ، ولا يقلّ عن الفوز بالمرتبة الأولى في انتخابات 2016 التشريعية وتولي منصب رئاسة الحكومة، وبالتالي ردّ الصاع صاعين لـ«حزب العدالة والتنمية».
تكثّف الحضور الإعلامي لإلياس العماري قبيل تلك الانتخابات التشريعية، وكان أكثر من واضح أن الدور المُعدَّ له كبيرٌ. لكن ذلك لم يكن ليمرّ من دون مشاكل، حيث وُجِّهت إليه انتقادات باعتباره «شخصاً لا يحوز شهادات تعليمية» و«لا كفاءة تنظيمية أو تدبيرية متراكمة لديه»، وأنّه «صديق صديق الملك فحسب، وهذه ليست شهادة ولا كفاءة ولا تجربة». كل ذلك لم يكن لِيَجُبَّ طموح الرجل ورغبة النافذين الذين كانوا يريدونه «حيث يجب أن يكون». لكن كلما كان الرهان كبيراً، ينزل الفشل أكبر... فقد فاز «العدالة والتنمية» مجدداً بتلك الانتخابات، وبعدد مقاعد لم يسبق لأي حزب مغربي عبر كل الدورات الانتخابية أن فاز بها، فيما حلّ «الأصالة والمعاصرة» ثانياً بفارق 22 مقعداً عن الأوّل.

رحَّلَ بنكيران... ورحَلَ معه؟!
في أعقاب تلك الانتخابات، عُيِّن عبد الإله بنكيران، لمرة ثانية رئيساً للحكومة، وكلّفه الملك تشكيل «أغلبية حكومية» وفق ما ينص عليه الدستور. لم يكن ذلك سهلاً كما بدا للوهلة الأولى، إذ وجد بنكيران المفاجآت السيئة بانتظاره، تمثلت آخرها بقرار الملك بصرفه من منصب رئاسة الحكومة وتعيين زميله في «العدالة والتنمية» سعد الدين العثماني، خلفاً له، لتُشكَّل الحكومة الجديدة وفق الشروط التي رفضها بنكيران.
رأى كثيرون أنّ بنكيران أُفشِل بإيعاز من قيادة «الأصالة والمعاصرة»، وذهبوا إلى القول إنّ يد إلياس العماري، ومن خلفه فؤاد عالي الهمة، «أكثر من واضحة». لكن مهما يكن، فإنّ الخيبة من الأمين العام لـ«الأصالة والمعاصرة» كانت لا تُعوَّض، حتى بإبعاد بنكيران. حمّله زملاؤه في المكتب السياسي، وهو أعلى هيئة تنفيذية في «الأصالة والمعاصرة»، مسؤولية الفشل، وذهب بعضهم إلى القول في تصريحات إعلامية إنّه عطّل كل الأجهزة التنفيذية والتنظيمية للحزب، وعلى رأسها المكتب السياسي والمجلس الوطني، مُفضّلاً اتخاذ قرارات فردية. وذهبت تلك الانتقادات إلى القول إنّ إلياس العماري، كرّس «ميزان قوى جهوياً» (مناطقياً) داخل الحزب لفائدة قاعدته «الشمالية»، وتحديداً لفائدة منطقة الريف التي ينتمي إليها.
وسط هذه الأجواء، قدّم إلياس العماري، استقالته من رئاسة حزبه عقب الانتخابات التشريعية، مرفقاً إياها بما ورد في خطاب للملك محمد السادس، كان قد وجّه فيه انتقادات قاسية إلى الأحزاب السياسية (أي إنّه صوّر الاستقالة كما لو أنّها تأتي استجابة للانتقاد الملكي).
يبدو أنّ هذا الرجل المستقيل كان يترقب وقعاً لاستقالته، من قبيل اقتداء قيادات حزبية أخرى بخطوته (وفق ما دفع به مراقبون ومحللون)، وعندما لم يحدث ذلك، بدر منه ما أكد أنه ندم على خطوة الاستقالة، لكن الأوان كان قد فات. فقد انبرى له قياديون من أعضاء المكتب السياسي لحزبه، على رأسهم رئيس فريقه البرلماني السابق عبداللطيف وهبي، وهو قيادي يساري سابق ومحامٍ مشهور، وهدده بالاستقالة من الحزب برفقة قياديين آخرين في حال تراجعه عن الاستقالة. وعندما احتدّ الخلاف بين قيادات «الأصالة والمعاصرة»، استقرّ الجميع، معارضون وموالون للأمين العام، على إرجاء البت في أمر الاستقالة إلى المجلس الوطني الاستثنائي للحزب الذي أنهى أعماله مساء أول من أمس.

«شمالي جديد»
بينما كان المُتوقع أن يظفر أحد من بين أبرز القياديين المعارضين لخط إلياس العماري، بمنصب الأمانة العامة، مثل عبد اللطيف وهبي وفاطمة الزهراء المنصوري المحسوبين جهوياً على تيار وسط البلاد، فاز قياديٌّ مغمورٌ نسبياً، هو حكيم بنشماس، ينتمي إلى منطقة العماري نفسها، أي الريف، وهو عضو بالمكتب السياسي للحزب ويتولى منصب رئاسة الغرفة الثانية للبرلمان. هذه النتيجة دفعت مراقبين للمشهد السياسي ولمسار هذا الحزب، نحو القول إنّ «اتفاقاً ما» جرى التوصل إليه بين فرقاء قيادة الحزب بغية «تهدئة الأمور» حتى لا تتطور إلى ما هو أفدح على خلفية الصراع الجهوي والتنظيمي بين قيادييه.
إزاء ذلك، إنّ السؤال الراهن هو: هل يمكن حكيم بنشماس أن ينجح في ما فشل فيه سلفه إلياس العماري، أي انتزاع الصدارة الانتخابية (البلدية والتشريعية) من «العدالة والتنمية»؟ الجواب معقد، خاصةً في ظلّ أنّ الحزب الإسلامي «المعتدل» بصدد فقدان بعض من أهم عناصر قوته، من بينها أن قائده السابق الشرس عبد الإله بنكيران، يتوارى بصورة أو بأخرى إلى الخلف، مكتفياً بتوجيه انتقادات إلى قيادات حزبه أكثر من أي طرف آخر، فيما يجلس مكانه في رئاسة الحكومة وعلى رأس الحزب قيادي مسالم «أكثر من اللازم» هو سعد الدين العثماني، الذي يبدو أنه يتولى منصبين أكبر منه.
تحدٍّ آخر داخلي يواجه رئيس «حزب الأصالة والمعاصرة» الجديد: هل سيتخذ نمطاً سياسياً وتنظيمياً مناسباً يكفل توجيه دفة الأمور على مستوى القيادة والقاعدة نحو التهدئة؟ أم أنّ الفشل سيكون من نصيبه، ما يُسعّر الصراع الجهوي الداخلي الذي كان قد اشتعل إبان رئاسة سلفه العماري؟ لننتظر ونرى...