عمان | احتشد الآلاف من الفعاليات الحزبية والنقابية والشعبية أمام مجمع النقابات المهنية في العاصمة الأردنية عمان أمس، بعد إضرابهم عن العمل تلبية لدعوة مجلس النقباء، وذلك رفضاً لقانون ضريبة الدخل المعدل و«الشهير»، الذي بدأ الحديث عنه منذ الربع الأخير من العام الماضي، لا سيما أنه كان من أبرز النقاط التي تناولتها حكومة هاني الملقي ضمن «رسالة نوايا» بعثتها إلى «صندوق النقد الدولي»، وتتعهد بموجبها خفضَ الإعفاءات الضريبية وتوسيع فئات الخاضعين لضريبة الدخل.

وفي كلمة لمجلس النقباء ألقاها نقيب الأطباء، محمد العبوس، أُمهلت الحكومة أسبوعاً لسحب قانون الضريبة المعدل والخدمة المدنية، إذ سيشهد الأربعاء المقبل «وقفة احتجاجية لإسقاط الحكومة» في حال لم تستجب الأخيرة للمطالب. ويأتي هذا كله بعد إخفاق اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء مع رؤساء النقابات المهنية قبل أيام.
ويمكن القول إن العام الحالي كان قاسياً بعدما بدأ بإقرار مجلس النواب الموازنة العامة والوحدات الحكومية لعام 2018 في آخر يوم من العام الماضي، ثم خلال أسابيع بدأت الحكومة اتخاذ إجراءات متتابعة طاولت رفع الدعم عن الطحين وفرض ضرائب جديدة، إضافة إلى إجراءات سابقة مست أسعار الكهرباء والمحروقات بصورة شهرية. وجوبهت قرارات الحكومة بمعارضة لكنها لم تستطع وقف سلسلة متكاملة من الإجراءات المتفق عليها مع «صندوق النقد» الذي تزور بعثته الأردن هذه الأيام للاطلاع على سير العمل في «الإصلاحات الضريبة»، خصوصاً أن الحكومة أوفت بوعودها، بل أبدت استعدادها لاتخاذ أي إجراءات إضافية وصفتها بـ«المناسبة لتحقيق برنامج الإصلاح الاقتصادي» الذي تبناه الأردن قبل ربع قرن.

ابتعد الإضراب هذه المرة عن السمة المطلبية وكان سياسياً بامتياز


الرفض الكبير للقانون جاء نتيجة خفض الإعفاءات الضريبية على دخل الأسر والأفراد، إذ كان الإعفاء يشمل الدخل السنوي للعائلات لغاية 34000 دولار، ليصبح وفق التعديل بحدود 23000 دولار، أما للأفراد، فكان الدخل السنوي المعفى لغاية 17000 دولار، ليصبح وفق التعديل أكثر بقليل من 11000 دولار. من ناحية أخرى، توسع عدد الخاضعين لضريبة الدخل، إذ صار هناك 5 شرائح تخضع لمعادلة حسابية عليها ضريبة من 5% ــ 25%، فيما كانت في القانون الحالي 3 شرائح تخضع لضريبة من 7% ــ 20%. اللافت أيضاً ارتفاع الضريبة على الذين يمارسون أنشطة التأجير التمويلي إلى 40% بدلاً من 30%، وضريبة الدخل على شركات تعدين المواد الأساسية إلى 30% بدلاً من 24%، وهو أمر سيمس مباشرة قطاعات خدمية كبيرة منها البنوك وشركات التأمين، وبالضرورة هناك مصلحة لأصحابها للدفع باتجاه إنجاح الإضراب وإسقاط القانون الذي تصادم هذه المرة مع طبقة رؤوس الأموال.
يذكر أن الإضراب ابتعد عن السمة المطلبية إذ كان سياسياً بامتياز واستجابت له العديد من القطاعات بالتوقف عن العمل ثم التوجه إلى مقر النقابات المهنية، وذلك في رسالة واضحة للسلطة التنفيذية. الحضور غير المسبوق للمشاركين بدا منظماً في العاصمة، والهتافات كانت ضد سياسات الحكومة مع مطالبات بإسقاطها، فيما انضمت المحافظات الأخرى إلى الإضراب بتفاوت، خصوصأ أن الحكومة لوحت بعقوبات على المضربين من القطاع العام وفقاً لقانون الخدمة المدنية. وفي المقابل، أعلنت نقابة المحامين أنها ستتكفل الدفاع والترافع عن أي شخص يُفصل.
وهذا القانون كانت قد أقرته رئاسة الوزراء وبعثت به إلى مجلس الأمة من دون مشاورات، ومن المنتظر مناقشته من مجلسي النواب والأعيان (مجلس الملك)، وتدّعي الحكومة أنها شملت قطاعات كبرى من ذوي الدخل المرتفع بهذا القانون، وهو عموماً صحيح لكنه كما يرى كثيرون «حق يراد به باطل»، لأن التعديل لم يترافق مع تخفيضات على ضريبة المبيعات المنهكة (16%) التي يدفعها الجميع بالتساوي بغض النظر عن مقدار الدخل، عدا الضرائب الخاصة والمضافة، ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من التفكير ليُفهم أن زيادة الضرائب على القطاعات الخدمية ستنتج موجة جدية من ارتفاع الأسعار، في وقت لا ارتفاع فيه سيطرأ على الأجور، لا سيما في دولة تعاني مديونية تأكل 96% من ناتجها المحلي، وتتعرض لضغوط خارجية وصفها وزير الإعلام محمد المومني أخيراً بأنها «لا تتحملها جبال».
ووفق وسائل إعلام محلية كان المومني قد صرّح في سهرة رمضانية في قصر سفير السعودية لدى الأردن الأمير خالد بن فيصل، وذلك بحضور سفراء الإمارات واليمن ومصر، بأن 49% من التعليقات السلبية ضد المملكة تأتي من سوريا. وهذه السهرة سبقت الإضراب بليلة، وتلقفها الأردنيون على مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات هزلية رافقت نشر الدعوة مع تحديد مكان المشارك كأنه في إحدى المدن السورية! على رغم هذا، لا يكمن التحدي الأكبر في نجاح إضراب أمس، بل في الخطوات التصعيدية اللاحقة وربطها مع نهج الحكومة وممارساتها المنصاعة لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين والدول المانحة.