خرجت إسرائيل خاسرة من جولة القتال الأخيرة مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة؛ «اتفاق» وقف إطلاق النار بين الجانبين، بعد النتائج الميدانية التي تحققت، أو لم تتحقق، وُصف إسرائيلياً بـ«اتفاق إذعان» تل أبيب للمقاومين، بل أنذر بتراجع منسوب الردع الإسرائيلي المفضي بدوره إلى خطورة «تجرؤ» الفلسطينيين على الاحتلال، وتأكيد خيار المقاومة لتحصيل الحقوق. لكن القيادة الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، خرجت في اليوم التالي للمواجهة للتشديد كلامياً على ما عجزت وابتعدت عنه فعلياً، وذلك في محاولة لتحسين صورة الخسارة أمام الفصائل، ومنعاً لتداعياتها، في مقابل منع تشكل صورة الخسارة لدى المستوطنين أنفسهم، وهي «نتيجة سيئة» للاحتلال تشكلت في أعقاب المواجهات، في الوعي الجمعي للمستوطنين.

وقد تصدّى لمهمة ترميم الصورة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وعدد من وزرائه، وكذلك المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الذي أشبع الإعلام العبري بـ«تسريبات عسكرية» مغلوطة حول إنجازات مضخمة جداً كنتيجة للجولة الأخيرة: حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» مُنيتا بخسارة فادحة، فيما «تعزز» الردع الإسرائيلي! أما نتنياهو، فقال إن «غزة تلقت ضربة قاسية لم تتلقها منذ سنوات»، وهذا تضخيم «إنجاز» لم يعمد إليه الرجل منذ مدة طويلة، وهو بحد ذاته دليل على حجم الإخفاق والفشل، وضرورة جبر صورة الإخفاق في مقابل الجبهة التي تعدّ نسبياً من ناحية الجيش الإسرائيلي الأقل تهديداً من بين جبهات التهديد الأخرى! وعمد نتنياهو نفسه إلى ربط إرادة القتال لدى الفلسطينيين وتصديهم بالعامل الخارجي، عبر تأكيده أن «التصعيد الأمني جاء بتوجيه من إيران، عن طريق حماس والجهاد الإسلامي»، وهو الأمر الذي انسحب أيضاً على «مصادر مسؤولة» قالت للإعلام العبري إن القذائف والصواريخ التي أطلقت وأصابت أهدافها إيرانية الصنع وبقطر 120 مليمتراً، مع رأس متفجر وزنه بضعة كيلوغرامات، ومداه الأقصى 6.6 كليومترات.
من جانب الجيش الإسرائيلي، فإنه عمد إلى تظهير صورة مغايرة عمّا تشكلت في وعي الجمهور الإسرائيلي. ووفق مصدر عسكري رفيع المستوى تحدث إلى صحيفة «إسرائيل اليوم»، كانت الهجمات العسكرية في القطاع ضد «أهدافٍ نوعية، ولحق بحماس ضرر كبير، وتم ضرب أهداف استراتيجية عدة لها»، فيما شدد مصدر سياسي رفيع للصحيفة نفسها على صورة الانتصار: «حطمنا صورة حماس».
مع ذلك، لم تجد هذه المقاربة من خلال تضخيم الإنجازات صدى كبيراً في إسرائيل، بل جوبهت بتحسّر على فشل قد يؤثر سلبياً في المصالح الإسرائيلية لاحقاً، وهو ما ذهب إليه عدد من المحللين العسكريين. وفي حد أدنى، نتيجة المواجهة هي إلغاء سياسة «الإصبع الرخوة» على الزناد ضد قطاع غزة، بمدنييه ومقاوميه، وهي إحدى أهم النتائج المحققة جراء جولة القتال الأخيرة بعد التمادي الإسرائيلي في الاعتداء على الغزيين، كما أن من شأنها أن توصل إلى نتائج أخرى أكثر أهمية ترتبط بالمعادلات القائمة بين الجانبين، أمنياً وسياسياً، إن بُني عليها وجرى تعزيزها من المقاومين رغم تكالب الجميع عليهم.
فتحت عنوان «ليس هكذا يبدو النجاح»، هاجمت صحيفة «يديعوت أحرونوت» القيادة الإسرائيلية، واصفة تراجعها أمام التهديد الفلسطيني، ومسارعتها إلى تلقف وقف إطلاق النار منعاً لمزيد من التصعيد المفضي إلى مواجهة واسعة، بالقول: «في أعقاب المواجهة، يعمد رئيس الحكومة ووزير الأمن والجيش الإسرائيلي إلى التسويق أمام الجمهور أن الردع لم يتآكل، وأن ما حصل هو قصة نجاح باهرة قد يستعصي على المواطن العادي فهم أبعادها. لكن للأسف، يعانون جميعاً من فشل في تحقيق مهمة الإقناع». وأضافت الصحيفة: «في كل هجمات سلاح الجو لم يكن هناك قتيل واحد من الجهاد الإسلامي أو حماس، حتى إنه لم تُهاجم مجموعة قصف واحدة في أوسع يوم قتال منذ سنوات، إذ أطلق الفلسطينيون أكثر من 100 قذيفة صاروخية وهاون».
وحول إرادة وقف القتال لدى «حماس»، التي سوّقتها القيادة الإسرائيلية كإشارة إلى هزيمة الحركة في الجولة الأخيرة، أعادت «يديعوت» التشديد على أن المنظمة هي التي طلبت وقف إطلاق النار، ما يعني أنها فعلت ذلك في أفضل نقطة خروج من القتال بالنسبة إليها: «أجازت للجهاد الاسلامي فتح النار على إسرائيل، وقررت إنهاء الجولة في الوقت المريح لها، حتى من دون أن يسقط لها قتيل واحد، أو جريح واحد».
أيضاً، تحت عنوان «زمرة جبناء»، هاجم موقع القناة العشرين العبرية، القيادة الإسرائيلية، واصفاً الاتفاق بين الأخيرة والمقاومة بـ«اتفاق إذعان» من طرف واحد (إسرائيل). وشدد الموقع على أن «هذا الاتفاق الإذعاني هو ما حصلنا عليه من حكومة إسرائيل. هكذا تبدو حكومتنا الكبيرة والجدية التي تحافظ علينا كلنا، بطلة العالم في الكلام، ومجموعة أصفار في الأفعال». وأضاف تقرير الموقع: «(وزير الأمن أفيغدور) ليبرمان أطلق كلام غضب، ونتنياهو وعد بضربة قاسية، و(الوزير نفتالي) بينيت دعا إلى استخدام كل القوة، وكل الوزراء ثرثروا وهرولوا من استديو إلى استديو كي يُعطوا الشعب حبة دواء للصداع... إذا اعتقدتم أن شعب إسرائيل ابتلع الحبة فأنتم مخطئون، وجداً مخطئون. إذا اعتقدتم أنكم أنجزتم العمل، فأنتم أيضاً تخدعون أنفسكم».