«أفاد مندوب الوكالة الوطنية للاعلام وسام إسماعيل أن المدعو ع. ص. الملقب بالقناص، أقدم عند الساعه 11 من قبل ظهر اليوم (أمس)، على إطلاق النار داخل السوق القديم في بعلبك بإتجاه محل المواطن (م. ح. ر.) والعمل جار لتوقيف الفاعل». «القنّاص»؟ هكذا، ببساطة، ثمّة رجل حظي بلقب لأنه يقنص الناس، لا في حرب ولا في عمليّة أمنية خلف خطوط العدو، بل في الشوارع، وسط حيّه وأهله وناسه. في جيبه كيس من حبوب الكبتاغون، وفي سيارته بندقية ومسدس، أو ربّما أكثر، ثم تأتي «السردة» على شكل إطلاق نار، غالباً ما يوقع ضحايا «بلا ظهر»!

يحصل ذلك في «بلاد» بعلبك ــــ الهرمل، حيث تسود شريعة الغاب، لأن أحداً ما في «الدولة» قرّر أن ما ضُمّ إلى «لبنان الكبير» قسراً في 1920 لا يزال أطرافاً، وأن أهل الأطراف مواطنون لبنانيون على سجلات الضريبة وحدها!
بالمناسبة، القنّاص المذكور، ع. ص.، لقبه الأصلي «الوزواز»، لأنه «يوزوز» بالسلاح، أي يتسلّى به في لغة الزعرنة، ومشهور بإطلاق النار العشوائي.
أثناء كتابة هذه السطور مساء أمس، اعتدى ثلاثة أشخاص على عضو المجلس البلدي هشام اسكندر، واصابوه بكسور ورضوض، وحطّموا سيارة البلدية بسبب اعتراضهم على مناقصة أجرتها البلدية لم ترس على أحدهم.
لم يعد الأمر يطاق. لم يعد الأمر يصلح لمسلسل تلفزيوني رمضاني. الدماء التي تُسال ليست ملكاً لأحد، والأرزاق التي تهدر والسيارات التي تُسرق دفع أصحابها جنى عمرهم، ليس لكي يسلبها قاطع طريق ثم يتقاسم ربحه مع شريكه المتنفّذ. كما لم يعد تبويس اللّحى ينفع. على أحدٍ ما أن يضع حدّاً!
منذ مئة عامٍ على الأقل، وأهالي بعلبك الهرمل يتقدّمون اللبنانيين في الوطنية: قاتلوا العثمانيين، ثمّ قاتلوا الفرنسيين في الثورة السورية الكبرى، وقدّموا شهيداً من اثنين فقط سقطا خلال الاستقلال، هو حسن عبد الساتر ابن بعلبك. وفي ما بعد، قاتلوا إسرائيل حتى العظم مع منظمة التحرير الفلسطينية وفي الأحزاب الوطنية، وفي حركة أمل وحزب الله، وكانوا خزّان المقاومة في الجنوب. ثمّ قاتلوا الإرهاب ودافعوا عن لبنان. كلّ ذلك لم يشفع لهم، لتأتي حفنة مجرمين وتشوّه سمعتهم، وتتحوّل بلاد الآلهة والمسرح الروماني وحوض نهر العاصي، إلى «تكساس»!
حزب الله يقول إنه يرفع الغطاء عن المجرمين، وحركة أمل كذلك. رئيس الجمهورية ميشال عون وقائد الجيش جوزف عون، ووزير الداخلية نهاد المشنوق بالأمس، يرعدون ويصرّحون ويعقدون اجتماعات مجلس الدفاع الأعلى لحلّ المعضلة، ولا تُحلّ. هل هناك من يريد إغراق بيئة حزب الله بالفوضى؟ بات السؤال مشروعاً.
النّقاش في أسباب الفوضى والتفلّت متشعّبة. بعلبك ــــ الهرمل، هي بلاد المحرومين فعلاً لا قولاً، مثلها مثل عكّار. هل يملك أحد تفسيراً لنسبة البطالة المرتفعة؟ أو لعدم حل معضلة ضم الاراضي وفرزها؟ أو لماذا لا يزال طريق بعلبك ــــ الهرمل أشبه بطريق زراعي؟ وهل يعقل أن تكون مستشفيات المنطقة دون المعايير، وأن لا يكون هناك مستشفى لمسافة 60 كلم بين بعلبك والهرمل لخدمة ما يزيد على 55 بلدة؟ وأن لا تبني الدولة مستشفىً واحداً في قرى «الغربي» (شمسطار وبدنايل...)؟
طوال السنوات الماضية، منذ 2005 على الأقل، تمثّلت المنطقة بوزيرين على الأقل، من دون جدوى. لم تكن المنطقة من أولويات الحكومة. الآن لم يعد من ذريعة. يقولون إن حزب الله يسعى لتمثيل المنطقة بوزيرين وحركة أمل بوزير، للقيام بأقل المطلوب. ويقولون في بعلبك الهرمل، إن العشائر تمثّلت في النيابة، ولا بدّ أن تتمثّل العائلات في الوزارات.
كلّ هذا لا يبرّر الفوضى. ثمّة هيبة مفقودة. في ألف باء الدول: الأمن هيبة. الهيبة الوحيدة الباقية هنا هي للزعران، و«العترة» على الأوادم. في الأشهر الماضية، انتهت الحرب على الإرهاب، وطفا قطّاع الطرق والمشلّحون وفارضو الخوات على السطح. هناك مهن جديدة هنا أيضاً: محصّل الديون. هذا ليس محامياً طبعاً، إنه أزعر، يدفع له صاحب الدين نسبة من الدين، ويتعهدّ هو بتحصيله من المدين. كيف؟ الحكاية بسيطة، بالتهديد ثم بحرق السيارة أو البيت، ثمّ بخطف أحد أفراد العائلة. بالنهاية، يدفع المديون، ربّما يسرق حتى يدفع، وهكذا دواليك.
كلّما طال أمد الفلتان، كلّما تعقّدت الأزمة. الأرقام مرعبة. بحسب مصادر أمنية معنيّة، هناك 48 ألف مذكّرة، تتضمّن وثائق اتصال وكتاب معلومات وإشارات قضائية وأمنية أخرى، بما مجموعه 31 ألف مطلوب. أحد هؤلاء عليه 3 آلاف مذكّرة توقيف!

تتفاقم الأزمة في الهرمل مع وجود المعابر غير الشرعية وتتمدد إلى داخل الأراضي السورية


التأمل بالأرقام مخيف، تصطك له الأسنان. لكنها أرقام لا أكثر. من بين المطلوبين، ليس أكثر من 100 اسم، خطير، مؤذ، يسمم بيئته وأهله، يعتدي على القوى الأمنية. وهؤلاء أحرار، طليقون، لا تزال القوى الامنية تتعامل معهم بالطرق «الكلاسيكية»، أي حاجز ومداهمة، وإذا ما اعتقل أحد منهم، إمّا يتدخّل متنفّذ لإخراجه، وإما يدفع رشوى ويخرج من السجن، وإذا قُتل ينتقم أفراد عصابته من الجندي أو الضابط الذي اعتقله. الدولة فقدت منذ زمن احتكار استعمال القوّة والسلاح في البقاع. أما الآخرون فلا بدّ من تشكيل لجان تصنيف، لأن بعض هؤلاء مطلوب ولم يحضر أما محقّق أو قاض، ربّما ورد اسمه في اعتراف أو لشبهة، ولا حلّ إلّا بعفوٍ عامٍ، بعد التصنيف طبعاً.
في الهرمل مثلاً، تزداد الأزمة تفاقماً، تجار المخدرات يتنقلون براحة داخل المدينة. الحاجة إلى شراء المخدرات، تدفع الشّبان إلى السرقة، وبوجود السلاح المتفلّت، يصبح إطلاق النار عادياً. قبل أيام، قام الشاب م. ن. د. بإطلاق أكثر من 100 طلقة في الهواء من بندقية أثناء تجواله في سيارة. كان منتشياً على الكبتاغون. والأخير، كانت استخبارات الجيش قد أوقفته وفي حوزته حوالي كيلو من حشيشة الكيف، لكنّه لم يبقَ طويلاً في السجن.
ومع وجود المعابر غير الشرعية، تزدهر سرقة السيارات نحو الداخل السوري. تقول مصادر أمنية معنية إنه في «آخر ثلاثة أشهر مرّت 50 سيارة مسروقة من لبنان إلى سوريا»، استطاعت مخابرات الجيش توقيف 5 سيارات واثنين من المهربين. الأزمة مضاعفة، وتنعكس على الأراضي السورية المجاورة. قبل نحو أسبوعين، سرقت عصابة تأخذ من بلدة سقرجة مقرّاً لها، سيارة عنصر من حزب الله من آل الديراني في بلدة العقربية في ريف القصير. وأثناء مرور السيارة على حاجز للأمن السوري، أوقفها عناصر الحاجز بعد أن اكتشفوا أنها مسروقة ونقلوها مع موقوفين إلى مقرّ قريب. لم تتوان العصابة عن مهاجمة المقرّ واستعادة السيارة. وأثناء مطاردة الأمن السوري ومجموعة من حزب الله للسارقين، أطلق هؤلاء النار على مطارديهم، ما أدى إلى استشهاد مسؤول بقعة زيتا في حزب الله معالي الجمل، وإصابة خمسة عناصر آخرين.
ومع أن الجيش اتخذ عدّة إجراءات في المرحلة الماضية لضبط المعابر غير الشرعية، لا تزال عدّة معابر مفتوحة، أبرزها: معبر «حرف السماقة» (فوق جرود آل جعفر، باتجاه ريف حمص الغربي). المعبر لا يتواجد عليه الجيش اللبناني وفي الجانب السوري هناك نقطة بعيدة نسبياً للهاجانة السورية وليس للجيش السوري. المعبر مخصّص لتهريب السيارات إلى سوريا والوقود إلى لبنان.

مصادر أمنية تؤكّد وجود 48 ألف مذكّرة و31 ألف مطلوب(هيثم الموسوي)

المعبر الثاني هو «مراح الشعب»، وفي المقلب السوري يدعى «جرميش»، عليه حاجز للجيش اللبناني في جرود بيت جعفر، لكن باستطاعة المهربين الالتفاف عليه عبر طرق فرعية.
المعبر الثالث هو معبر «بيت الجمل»، في قلب بلدة القصر الحدودية، وهو عبارة عن جسر حديدي تعبر عليه الشاحنات، ولا حواجز لبنانية أو سورية عليه، وهو مشهور بأنه «معبر الترانزيت». المعبر الرابع، هو مطربة في القصر أيضاً، مغلق أمام السيارات، لكنّ يتمّ نقل البضائع عبره بالدراجات النارية. المعبر الخامس، هو معبر العريض في منطقة دالك جنوب القصر ولا حواجز للجيش اللبناني أو السوري عليه. أما المعابر المتطوّرة، فتعود إلى وجهاء بعض العائلات في المنطقة، أحدها هنغار باطون مسقوف حديد مع مدخلين، ومعبران في الحوش، ومعبر المشرفة الذي تقع في محيطه حواجز شكلية للجيش والدرك اللبناني من القوة الأمنية المشتركة، وهو مختصّ بتمرير السيارات المسروقة إلى سوريا. أما الجديد، فهو فتح خطوط تهريب جديدة للمخدرات من وإلى سوريا، بعد انتشار معامل للبنانيين يقيمون داخل الأراضي السورية، مختصين بتصنيع الكابتاغون والسليفيا.
وفي الآونة الأخيرة، صارت عصابة سقرجة المؤلّفة من ن. ج. وخ. ج. وع. ص. وشقيقه ع. ص. وغ. ن. د. وع. م. وشقيقه وع. ج.، العصابة الأشهر في المنطقة. وبحسب المعلومات، تقوم العصابة بالتعاون مع عصابات أخرى في بلدتي بريتال ونبحا، بسرقة السيارات وإدخالها إلى البلدتين في المرحلة الأولى، ومن ثمّ نقلها إلى الداخل السوري وببيعها لعصابات سورية.
في آخر ثلاثة أشهر مرّت 50 سيارة مسروقة من لبنان إلى سوريا


أما في بعلبك، فيمكن تعداد ما لا يزيد عن 40 مطلوبا، يشكّلون عماد العصابات التي تتحكّم برقاب الأهالي. مثلاً، المدعو ج. ج. الملقب حمدان، مهنته تحصيل حقوق مالية. امّا أكبر تجار المخدرات في بريتال، فهو ع. إ.، داهمته القوى الأمنية أكثر من مرة وبادلها إطلاق النيران، وهو موجود في الحمودية. زميله، ح. ط. المقلب بطرطق، يرأس مجموعة تقوم بسلب السيارات على الطريق بالقوة.
ع. م. الملقب بالصبي اسم آخر. وهو جزء من عصابة سلب السيارات، كان يعمل سابقاً مع عصابة و. أ. نبحة، والأخير تم اعتقاله قبل أشهر.
وفي بلدة بوداي، يترأس ع. ش. حوالي أربعين مسلحا يعملون في تجارة المخدرات وواجهوا الأجهزة الأمنية أكثر من مرّة. كذلك لديه «فرع» يعمل في سلب السيارات بين بوداي ودير الأحمر. ويبرز أيضاً اسم ع. ك. الملقّب بـ«العرّ»، وهو يدير مجموعة تعمل بالسرقة للحصول على المخدرات، وهو مشهور بإطلاق النار العشوائي. اوقف عدّة مرات وفي كل مرة كان يطلق سراحه.
أما في حي الشراونة، فيشتهر ر. ج. بشراء المسروقات ثم بيعها. وكذلك ع. ز. الملقب بـ«أبو سلة»، لديه مجموعة مسلحة وهو من أبرز مروجي «السيلفيا»، ويقوم بنقلها إلى بيروت.
في العام 1976، ذاع صيت المقدم آنذاك علي ديب في الجيش السوري، بعد دخول القوات السورية إلى البقاع. اشتهر ديب، باسم مغارته، ولا تزال حتى الآن تسمّى «مغارة علي ديب». كان ديب، إذا أراد أن يعاقب أحداً، يطلب منه أن يحبس نفسه في المغارة، من دون حراسة، وكان المطلوب ينفّذ. يحتاج البقاع إلى علي ديب آخر. فهل تفعلها الدولة اللبنانية؟



كتلة الوفاء: الوضع لم يعد مقبولاً
رأت كتلة الوفاء للمقاومة أن ظاهرة الفلتان الأمني التي تشهدها بعض بلدات ومدن بعلبك ــــ الهرمل «لم يعد مقبولاً التغاضي عنها على الإطلاق، ولا يحق للسلطة أن تتنصّل من مسؤوليتها في معالجة هذه الظاهرة الخطيرة»، وأكدت في أول اجتماع عقدته، أمس، في مقرها في حارة حريك، بعد صدور نتائج الانتخابات النيابية، أنها تجدد الدعوة للمرة الألف إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية المعنية «من أجل تنفيذ خطة أمنية حازمة تعيد الأمور في منطقة بعلبك ــــ الهرمل الى وضعها الأمني الصحيح، حتى لا يبقى مجال لأحد أن يتهدّد أمن المواطنين أو يبتزّهم في مالهم أو حياتهم».
وتعهدت الكتلة بملاحقة هذا الأمر مع رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء المعنيين والمؤسسات المختصة «لنضع حداً لهذه الظاهرة الشاذة»، ورأت أن الحفاظ على الأمن الداخلي وصون السيادة هما وجهان لقضية واحدة، ودعت الحكومة إلى القيام بواجباتها في هذا المجال.