ليست هناك مساحة كبيرة للشك في أن نيكاراغوا، تحت حكم دانييل أورتيغا (رئيساً بين 1985 و1990 ثم من 2007 حتى يومنا)، وعلى رغم أية ملاحظات، مُستهدفة على طول الخط من قبل الولايات المتحدة، وأن ما يجري في هذا البلد، حالياً، اليوم قريب جداً من كونه مؤامرة حقيقية. ما يعزز هذه الفرضية، التي تلامس اليقين، السجل الطويل للولايات المتحدة في تخريب مشاريع التحرر في دول أميركا اللاتينية عموماً، وفي نيكاراغوا بالذات. ولعلّ التاريخ القريب يؤكد هذا الواقع، فدانييل أورتيغا، القيادي في جبهة التحرير الوطني الساندينية الثورية التي أطاحت بحكم عملاء واشنطن من عائلة سوموزا عام 1979، كان نفسه موضع استهداف في حقبة الثمانينات، بعدما انتخب رئيساً عام 1985، وبقي في المنصب خمس سنوات، موّلت خلالها الاستخبارات الأميركية، تحت حكم رونالد ريغن، عصابات «الكونترا» لتخريب البلد، وتفجير المنشآت، ونشر الفوضى، حتى ناهز مجموع العمليات الإرهابية المرتكبة من قبلها ألفاً وثلاثمئة.

خلال الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2007، لم ينجر أورتيغا إلى العنف، الذي كان سيؤدي، لا محال، إلى تدمير نيكاراغوا، وتخريب الإنجازات التي تحققت في عهده على المستوى الاقتصادي ـــ الاجتماعي، فاختار المعارضة الديموقراطية لسياسات الرؤساء الثلاث الذين توالوا على حكم البلاد، بعد خسارته في انتخابات عام 1990، والتي كان سببها التهديدات الأميركية باستمرار الحرب، وتمويل الفوضى والإرهاب، والمال السياسي الخارجي الداعم لخصومه اليمينيين، ناهيك عن التزوير وإرهاب الناخبين.
الرؤساء الثلاثة انقلبوا على خط الجبهة الساندينية التقدمي، المنحاز للفقراء والكادحين، وتبنوا سياسات يمينية، تعاونوا فيها مع صندوق النقد الدولي، بدعم مباشر من الولايات المتحدة. هذا الأمر كان كافياً، لأن يستعيد اليساريون المبادرة، في انتخابات عام 2007، التي حقق فيها أورتيغا الفوز، ثم نجح مجدداً في انتخابات عامي 2011 و2016.
اختلفت لغة أورتيغا باختلاف الزمن بين الثمانينات والألفية الثالثة، فانتقل من «الماركسية» إلى «الاشتراكية الديموقراطية»، وصار أقل حدّة، لكن الولايات المتحدة ظلت تعتبره حجر عثرة أمام مخططاتها للهيمنة على أميركا الوسطى، خصوصاً في ظلّ تحالفه مع بقية القادة اليساريين، مثل هوغو تشافيز، وفيدل وراوول كاسترو، ولولا دا سيلفا، ورافايل كوريا، وضمه نيكاراغوا إلى «البديل البوليفاري» («ألبا»)، وهو تحالف أطلقته فنزويلا وكوبا عام 2004، للتكامل بين دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، في مواجهة الهيمنة الأميركية، واسمه مشتق من سيمون بوليفار زعيم استقلال أميركا الجنوبية، إضافة إلى تقاربه مع إيران، في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، ومواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية.
علاوة على التناقض في السياسة الخارجية مع الولايات المتحدة، فإنّ الدوائر اليمينية، في الداخل كما في الخارج، ناصبت العداء للسياسات الاقتصادية ـــ الاجتماعية لأورتيغا، التي تمثلت في اتخاذ العديد من الإجراءات لمكافحة الجوع، وتحسين الرعاية الصحية والتعليم، وتعزيز الضمان الاجتماعي، والدفاع عن حقوق العمال، فضلاً عن توفير قروض منخفضة الفائدة للمشاريع الصغيرة في المناطق الريفية، وتدريب أصحاب وصاحبات تلك المشاريع وتوجيههم لما يحقق فائدة عامة ومشتركة، وتقديم منح إضافية لدعم التعليم، وقد ساعدت هذه السياسات على الحدّ من مستويات الفقر، والحد من ظاهرة عدم المساواة المرتفعة في نيكاراغوا.

خلال الأسابيع الماضية حصلت أعمال عنف، وهي مستمرة حتى اليوم


هذه السياسات المنحازة للفقراء، التي عززت كثيراً من شعبية أورتيغا، دفعت بالجهات المعادية لاستنساخ تجربة إسقاط الحركات التحررية في العالم، عبر تهم جاهزة، من بينها قمع المعارضين، ومحاصرة المجال السياسي، والتضييق على الإعلام. ونتيجة لهذه الادعاءات، أو تماشياً معها، منع الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول عشرات الملايين من الدولارات التي كان يفترض أن تصل نيكاراغوا كمساعدات، وهذا ما أثر في البلد، واعتُبر بمثابة حرب اقتصادية.

ماذا يحدث الآن؟
في العام الماضي، أصدرت الولايات المتحدة قانون شروط الاستثمار في نيكاراغوا لعام 2017 («قانون نيكا»)، الذي اعتبر بمثابة عقاب اقتصادي لهذا البلد المسكين، بالنظر إلى تداعياته الخطيرة، التي من شأنها قطع أية قروض أو مساعدات «دولية». كانت الذريعة «الضغط على نيكاراغوا حتى تتخذ خطوات فعالة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة»... هذه الذريعة تعني عند ترجمتها في شكل صحيح «حتى تخضع نيكاراغوا بالكامل للولايات المتحدة، وتتوقف الحكومة عن برامج الدعم الاجتماعي، ويتم إقصاء الجبهة الساندينية عن الحكم»، خصوصاً أن الولايات المتحدة، وكما يقول نعوم تشومسكي، «لن تغفر أبداً لشعب نيكاراغوا الإطاحة بدكتاتورية سوموزا المدعومة من الولايات المتحدة في عام 1979».
خلال الأسابيع الماضية حصلت أعمال عنف في نيكاراغوا، وهي مستمرة بشكل أو بآخر حتى اليوم. ويُقال إنّ أصل الاحتجاجات هو اعتراض على تعديل في قانون التقاعد، كانت الحكومة النيكاراغوية تحاول من خلاله معالجة العجز الاقتصادي، خصوصاً بعدما أثر القانون الأميركي سلباً في اقتصاد البلاد، الذي تأثر أيضاً بالأزمة القائمة في فنزويلا، التي كانت توفر لنيكاراغوا دعماً مباشراً في إطار التعاون بين البلدين.
الخطوة الحكومية تضر، طبعاً، بشرائح من المتقاعدين، وهي مرفوضة، وأمام ذلك الرفض الشعبي تمّ التراجع عن القرار الذي يفترض أنّه لا يتوافق مع خطها الاجتماعي أساساً. لكن القوى اليمينيّة المتربصة في الداخل، والمدعومة من الخارج، إضافة إلى بعض العصابات، لم تفوّت الفرصة للانقضاض مجدداً، فصعّدت صور الغضب، وكان أغلب الموجودين في الشارع شباب، ولم يكن بينهم شيوخ وهم الفئة التي يفترض أن تعترض على الإجراء!
أشكال إشعال الموقف بدأت بقطع الطرق، وحرق السيارات، واستخدام قنابل «المولوتوف» لإحراق المكاتب الحكومية، وحتى إطلاق النار على عناصر الشرطة، ما أدى إلى سقوط قتلى في صفوف أفراد الأمن، إضافة إلى أعمال نهب واسعة للممتلكات (عامة وخاصة).
هذه الحالة استدعت مواجهة أمنية بالضرورة، وهو ما صنع حالة من الضجة، خصوصاً بعد سقوط قتلى من الجانبين. وعلى الفور تدخلت واشنطن والاتحاد الأوروبي لـ«إدانة عنف قوات الأمن بحق المتظاهرين»، وكذلك الفاتيكان الذي تدخّل بدوره لـ«إدانة العنف»، فيما نشطت الصحافة الغربية لتصوير الأمر على أنه «عنف سلطوي» (نظام يقمع معارضة)، وإطلاق حملة إعلامية وسياسية لشيطنة أورتيغا الذي علّق على الأمر بالقول: «إن ما يجري هدفه زرع الرعب، وزعزعة الأمن، وتدمير صورة نيكاراغوا بعد 11 عاماً من السلم»، محذراً من «محاولات أميركية للاستيلاء على الحكم».
العديد من المنافذ الإخبارية البديلة، الناطقة بالإسبانية، والتي نقل موقع «كاوتنربنش» ما نشرته عن نيكاراغوا، ألقت الضوء على المظاهر العنيفة والمتآمرة لهذه التحركات، والتي تجعلها بدرجة ما شبيهة بما تقوم به الجماعات اليمينية في فنزويلا... وهذه المظاهر تشمل:
* استخدام المتظاهرين لـ«الأسلحة التقليدية»، مثل المفرقعات والصواريخ المصنعة يدوياً وزجاجات «مولوتوف»، وهي مصممة لإخفاء «الخط الفاصل بين الاحتجاج السلمي وتكتيكات التخريب وحرب المدن»، وبالتالي إثارة رد فعل من جانب الحكومة على الفور، تمهيداً لوصفه بأنه «انتهاك لحقوق الإنسان».
* الزعم بأنّ الحكومة تستخدم الأسلحة الكيميائية (وهي طريقة مجربة لاستثارة التدخل الأجنبي).
* تضخيم عدد القتلى في الصدامات، إلى جانب التقليل من شأن الوفيات في صفوف قوات الأمن.
* نهب الممتلكات الخاصة والعامة، بما في ذلك النصب التذكارية للقادة الثوريين اليساريين مثل هوغو تشافيز.
* استخدام القناصة.
* دعم الكنيسة الكاثوليكية ومختلف المنظمات غير الحكومية للأنشطة المناهضة للحكومة.
المحامي والكاتب اليساري دان كوفاليك، يشير إلى أنّ عمليات الفوضى التي تجري في نيكاراغوا تتماشى مع المعلومات التي تفيد بتقديم «الصندوق الوطني الأميركي للديموقراطية ـــ نيد»، أموالاً لعدد من المنظمات هناك، فعلى سبيل المثال، قدّم الصندوق عام 2017، مبلغاً قدره 72.440 دولاراً لـ«اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في نيكاراغوا» (CPDHN) لرصد «انتهاكات حقوق الإنسان». (من اللافت أن تلك اللجنة هي مصدر رئيسي تعتمد عليه الصحافة الغربية للحصول على معلومات مزيفة حول الاحتجاجات الحالية ورد الحكومة عليها).
ويستطرد كوفاليك موضحاً أن الصندوق الأميركي قدّم أموالاً كبيرة لجماعات الشباب والطلاب في نيكاراغوا، حيث تعمل هذه المجموعات الآن كمصدر رئيسي للاضطرابات الحالية. إضافة إلى ذلك، قدّم الصندوق الدعم إلى وسائل الإعلام «المستقلة» (أي المناهضة للحكومة) وإلى جماعات المجتمع المدني الأخرى... وعلى رغم كل ما قيل، فقد قدم برنامج «نيد» في العام الماضي وحده أكثر من مليون دولار كمساعدات لجماعات المجتمع المدني.
ويشير كوفاليك إلى إن بلدان أميركا الوسطى عادة ما تصدّر مهاجرين نحو الولايات المتحدة، لكن نيكاراغوا، وعلى رغم الصعوبات الاقتصادية، لا تصدّر مهاجرين بسبب السياسات الاجتماعية لأورتيغا والجبهة الساندينية، لكن الولايات المتحدة تتآمر عليها اليوم، لتدمّر هذه السياسات، ثم تعود لتشتكي من اللاجئين.



أورتيغا وواشنطن: تناقض «أممي»

(أ ف ب )

على رغم التحوّلات التي عرفها خطاب أورتيغا، بين «ماركسية» الثمانينات، و«بوليفارية» الألفية الثالثة، فإنّ الولايات المتحدة لا تزال ترى فيه «عدوّاً» لدوداً، بالنظر إلى مواقفه السياسية المتميزة، والمغرّدة خارج سرب الأنظمة التقليدية التي حكمت أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية، التي لا تزال واشنطن تعتبرها «حديقة خلفية».
وكان أورتيغا قد عبّر في اجتماع مشترك مع الرئيسين الفنزويلي الراحل هوغو شافيز والبوليفي ايفو موراليس، عن رغبته بالانسحاب من «سجن صندوق النقد الدولي»، فيما نسج علاقات قوية مع الصين وروسيا، وكانت نيكاراغوا ثاني بلد يعترف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا.
وفي عام 2011، رفض أورتيغا القصف «الأطلسي» لليبيا، واعتبر أن النظام الليبي يخوض معركة كبيرة للدفاع عن بلاده ضد «الناتو»، كما دفع حكومته لتمثيل ليبيا في الأمم المتحدة، بعدما رفضت الولايات المتحدة منح التأشيرة لسفير ليبيا الجديد غداة استقالة السفير عبد الرحمن شلقم. وفي عام 2012، أعرب ميغيل دي اسكوتو، مفوض رئيس الجمهورية للشؤون السياسية الدولية، عن إدانة بلاده لكل محاولات التدخل في سوريا، مؤكداً استعداد نيكاراغوا تقديم كل ما هو ممكن لمساعدة سوريا على مواجهة هذه الهجمة الخارجية.
وعلى غرار القادة الاشتراكيين في أميركا اللاتينية، فإنّ لأورتيغا مواقف مشرفة في ما يخص القضية الفلسطينية، من أبرز ترجماتها قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني عام 2010، على خلفية جرائم جيش الاحتلال (استؤنفت العلاقات عام 2017)، ومطالبة «العدو الإسرائيلي» بتدمير أسلحته النووية.
كذلك، تعتبر نيكاراغوا من الدول المعدودة التي تدعم الرئيس نيكولاس مادورو في ظل هجمة غربية وإقليمية منظمة على فنزويلا.
ويبقى التناقض الأهم بين نيكاراغوا والولايات المتحدة في دعم الأولى مشروع «قناة نيكاراغوا المائية»، بالتعاون مع شركات صينية تقوم بالحفر في مقابل منحها حق التشغيل، وهذه القناة ستربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وتعتبر تهديداً لـ«قناة بنما». والجدير بالذكر أنّ بنما هي دولة صغيرة بلا جيش تابعة للولايات المتحدة التي كانت حتى عام 1999 تفرض سيادتها على قطاع من الأراضي الملاصقة لجانبي القناة المائية، وتملك حتى اليوم الحق بالتدخل هناك. وتعاملت الصحافة الأميركية مع «قناة نيكاراغوا» على أنها حضور لـ«المحور الشرقي» في «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة الاميركية، خصوصاً أن إيران وروسيا كانتا مرتبطتين بالمشروع، وتدعمانه، قبل أن يتعطل بسبب الصعوبات العديدة التي يواجهها.