كان شارع «يوغرطة»، في منطقة «ميتيال فيل» التونسية، خالياً من المارة تقريباً، في ذلك الهزيع المتأخر من الليل البارد. شقت سيارة مسرعة طريقها في الشارع المديد ثم دلفت إلى بوابة إحدى الفيلات في ذلك الحيّ الراقي. نزل من السيارة شخصان، وتقدم نحوهما رجل أصلع، سلّم عليهما بحرارة قائلاً: «مرحبا بكما، أنا جبريل الرجوب معاون الرئيس عرفات. وهو ينتظركما في مكتبه». استقبل أبو عمار ضيفيه بحفاوة، ولم ينس أن يطبع على خديهما بعض قبلاته. قدّم أحد الرجلين نفسه لعرفات قائلاً: «أنا الكولونيل جاك نيريا المستشار السياسي لإسحق رابين، وهذا زميلي إيلاد إيموس السكرتير العسكري في مكتب رئيس وزراء إسرائيل». ابتسم عرفات، وقال: «أذكرك جيداً. لقد تقابلنا في اجتماع القاهرة. أتذكر أنك قلت لي وقتها أنك من عينطورة، من كسروان، أليس كذلك؟». ضحك جاك نيريا، وقال: «ذاكرتك ممتازة! أحمل إليك تحيات رئيس الوزراء». ردّ أبو عمار، وهو يشير بإصبعه ويمطط كلماته لتُحدِث وقعاً درامياً منشوداً: «أنا دائماً أقول إنّ رابين هو ديغول إسرائيل، لأنه اتخذ القرار التاريخي من أجل إيقاف الحرب بين شعبينا، وإقامة السلام... سلام الشجعان». ابتسم الضابط الإسرائيلي، وقال لعرفات متودّداً: «إنّ هذا الكلام يشجعني لكي أبلغك طلباً خاصاً يرجو رئيس الوزراء أن تساعده فيه». سكت نيريا لحظة، ثم أردف قائلاً: «طلبه متعلق بقضية إنسانية، وإذا استطعت أن تعاونه لإنهائها، فإنّ ذلك سيكون جميلاً شخصياً لن ينساه رابين لك». جحظت عينا عرفات قليلاً، وهزّ رأسه علامة على اهتمامه بالموضوع. شرح نيريا مطلبه قائلاً: «هناك ثلاثة جنود إسرائيليين فقدناهم في حرب لبنان، ويبدو أنهم قتلوا ودفنوا في مكان غير معروف. ومع الأسف، فرغم جميع محاولاتنا، لم نستطع استرجاع رفات جنودنا في عمليات التبادل السابقة مع الفلسطينيين. ورابين يتمنى أن تساعده في إعادة جنود إسرائيل، أو على الأقل تحديد الموقع المجهول الذي دفنوا فيه». صمت نيريا قليلاً، ثم أضاف: «أنت تعرف جيّداً أنّ استرجاع رفات الجنود هو قضية هامّة لجيش الدفاع الإسرائيلي، ولمعنوياته». عقد أبو عمار حاجبيه، وقال بجدية مصطنعة: «بالطبع، بالطبع». ظلّ الزعيم الفلسطيني ساكتاً لبرهة من الوقت، ونظر إلى إيلاد إيموس الذي كان منهمكاً في كتابة محضر الاجتماع، ثم قال: «حدّثني الدكتور أحمد الطيبي سابقاً عن هذا الموضوع الذي ترغبون في أن أساعدكم فيه. وأنا طلبت، بالفعل، من الدائرة العسكرية في منظمة التحرير مدّي بتقرير مفصل عن مصير هؤلاء الجنود». عاد عرفات إلى صمته، وهو يقطّب جبينه ليلهب فضول سامعيْه أكثر، ثم أردف متأسفاً: «لا أخفي عليكم أنّ الجثث الثلاث لم تعد تحت تصرفنا، وأخشى أن أقول أنها فُقِدت نتيجة موت الشهود الرئيسيين في قصّتهم». قطّب عرفات حاجبيه، وأشار بباطن كفيه كأنه يبرّئ ذمته مما جرى، ثم تابع: «بعد انسحابنا من بيروت، في 1982، نُقِلت جثث جنودكم من لبنان إلى سوريا. تحقيقات الدائرة العسكرية تؤكد لي أنها دفنت في مكان ما، في مخيم اليرموك في دمشق. ومن سوء الحظ أنّ المجموعة التي أشرفت على عملية دفن الجثث استشهد أفرادها جميعاً الآن. والقائدان الفلسطينيان الوحيدان اللذان كان لهما علم بالموقع الدقيق لقبور الإسرائيليين هما أبو جهاد وأبو إياد. وقد استشهدا أيضاً». علّق أبو عمار على هذه النتيجة التي وصل إليها، فقال مظهراً الحزن: «جثث جنودكم مدفونة في دمشق. وأنا علاقتي مع حافظ الأسد سيئة كما تعرفان، ولا أستطيع أن أنبش في مخيم اليرموك بحثاً عن تلك الجثث المفقودة». قال الكولونيل جاك نيريا: «لدينا اتصالات مع السوريين، وستكون قضية جنودنا المفقودين بنداً في المفاوضات الجارية معهم». قال عرفات، وهو يحاول أن يتباهي بحسن اطلاعه، أمام ضابطي المخابرات الإسرائيليين: «أعرف جيداً أنكم طلبتم من السفير الأميركي السابق في دمشق إدوارد دجرجيان المساعدة لكي يهتم الرئيس السوري بهذه القضية. إلى أين وصلتم مع الأسد؟». أجاب نيريا ممتعضاً: «لو أننا نجحنا معه، لما طلبنا مساعدتك».


هو رابين بدّو إياني أكون «طرطور»؟!
بدت الكلمات الأخيرة للكولونيل الإسرائيلي خالية من اللباقة، وحاول ياسر عرفات أن يتجاهل قلة حصافة ضيفه، وأن ينقل الحديث من قضية الأموات إلى شأنٍ أقرب صلة بالحياة، فقال فجأة: «لماذا تريدون أن تضعوا العصيّ في دواليب الاتفاق الذي تمّ بيننا وبينكم؟!». ظهر التعجب على وجه نيريا، وقال: «نحن ما زلنا ملتزمين بما اتفقنا عليه معكم في أوسلو، لكنكم أنتم الذين أصبحتم تختلقون المشاكل حول هذا الاتفاق. وهذا ظهر جلياً في مباحثات طابا الأخيرة». قال عرفات باستياء: «كيف خلقنا مشاكل لكم؟». أجاب نيريا بغلاظة: «أنتم لا تريدون أن تقبلوا بمساحة أريحا. ولا تريدون أن تلتزموا بتوفير الأمن للتجمعات اليهودية في غزة. ولا تريدون وجود مراقبين إسرائيليين في المعابر. ماذا تريدون إذاً؟! اتفاق أوسلو ينصّ على هذه الأمور، وأنتم قبلتم بذلك، فلماذا الآن تحاولون التملّص مما أمضيتم عليه أمام العالم أجمع؟». قال عرفات بصوتٍ حاول أن يجعله محزوناً: «هل يريد رئيس الوزراء رابين أن أكون «طرطوراً»؟!». نظر إليه نيريا باستغراب، فواصل عرفات قائلاً: «ما معنى أن يكون هناك جنود إسرائيليون في المعابر يفتشون كل وافد إلى مناطقنا أو مغادر لها؟! ألا يعني هذا أنكم تريدون أن تقولوا لشعبنا، وللعالم، أنّ السلطة الفلسطينية لا سيادة لها على أراضيها، وأنكم ما زلتم الحكام الفعليين في فلسطين، من بابها إلى محرابها؟!». قال جاك نيريا: «مسألة وجود رقابة إسرائيلية على المعابر إلى المناطق الفلسطينية، هي قضية أمن قومي لدولة إسرائيل. ورئيس الوزراء رابين لا يستطيع أن يتساهل إطلاقاً في قضايا الأمن القومي». حاول عرفات أن يتذاكى، فقال: «إنّ أبا علاء يوم عقد اتفاق أوسلو مع شمعون بيريز، فهم منه أنّ قضية المعابر لن تكون عقبة كأداء بيننا وبينكم، وهي قابلة لأن نأخذ فيها ونعطي».

قرر عرفات أن ينتقم لكرامته وقدّر أن نيريا هو المسؤول عن تسريب ما دار بينهما إلى الصحف

ردّ نيريا بحسم: «ليس لبيريز، ولا لغير بيريز من السياسيين، أن يقرر في مسائل تتعلق بأمن إسرائيل. هذه وظيفة جيش الدفاع وحده. ورابين باعتباره وزير الدفاع في الحكومة، هو المسؤول عن الأمن. وبصراحة، يجب أن تفهموا بأنّ أمن إسرائيل هو غير قابل للأخذ ولا للعطاء». تشنج عرفات، وبدأت شفته السفلى ترتعش، وقال بغضب: «لماذا لا تريدون أن تفهموا أنّ أمنكم هو من أمننا، وأننا -نحن وإياكم- صرنا مرتبطين معاً بقدر مشترك. يجب أن تساعدوني لكي لا تضيع هذه الفرصة الأخيرة مِنّا. إنّ ضياع هذه الفرصة سيضعنا جميعاً في مأزق. ألم نمضِ معكم اتفاق سلام؟! وهذا السلام ألا يجب أن يكون مبنياً على الثقة؟! قل لي ما معنى وقوف جنود إسرائيليين بكامل أسلحتهم أمام المعابر الفلسطينية؟ وما علاقة وجودهم فوق أرضنا بأمن إسرائيل؟!». ردّ نيريا: «وجودهم هناك هو في صلب قضية أمن دولة إسرائيل. هل تظن أننا سنترك أمننا بين أيديكم؟! تقول لي: نحن أنجزنا السلام، وأصبحنا مرتبطين ببعضنا، ويجب أن تكون بيننا ثقة. وأنا أقول لك: مسائل الأمن لا علاقة لها بمسائل الثقة. شو ثقة، وما ثقة؟! هذا كلام شعر. وأنا لست شاعراً، أنا رجل عسكري!». أحسّ أبو عمار بالضيق، فقال: «وأنا أيضاً رجل عسكري». ابتسم نيريا، وحدج عرفات بنظرة توحي بالاستخفاف. لم يفت ياسر عرفات فهم طبيعة ابتسامة الرجل الإسرائيلي، لكنه أسَر الغيظ في نفسه، ولم يبده له، فقد كان الزعيم الفلسطيني يريد أن يحصل على تنازل شكلي من أعدائه، يحفظ للسلطة الفلسطينية الوليدة بعض مظاهر السيادة على مناطقها، ولكنّ هؤلاء لا يريدون أن يمنحوه أيّ شيء، ولو كان صورةً وشكلاً. حتى مجرد رفع علم فلسطيني على المعبر يرفضه الإسرائيليون. وهم لا يريدون أن يكون للفلسطينيين جوازات سفر، ويقترحون تذاكر عبور مختومة بالختم الإسرائيلي. طال النقاش بين الرجلين كثيراً في تلك الليلة من منتصف شهر تشرين الثاني 1993. ثم لم يلبث هذا الاجتماع حتى أصبح خانقاً لعرفات، وبدأ العرق يتصبب على وجهه، رغم برودة الجو. قال عرفات ساخطاً: «عندما ترجع إلى رئيسك رابين، قل له إنّ ياسر عرفات لن يتنازل في قضية المعابر لأنها تتعلق بسيادة الفلسطينيين على أرضهم. وإن هو لم يعطني السيادة على معابري، فليأخذ كل شيء إذاً. وليأخذ اتفاق غزة وأريحا معه، بالمرّة. وليتحمّل مسؤولية إفشال عملية السلام أمام المجتمع الدولي كله». قال جاك نيريا: «سأبلغه بكلّ ما قلته».

فاكرين إنهم يقدروا يتلاعبوا بيَّ... أنا ألعب بيهم، وبأبوهُم!
في التقرير الذي كتبه جاك نيريا إلى القيادة الإسرائيلية، قال إنّ حالة عرفات، عندما التقاه في تونس، كانت سيئة، فقد ظل يترجّى أن يعاونه الإسرائيليون ليظهر بمظهر مقبول أمام شعبه. وصوّر نيريا الزعيم الفلسطيني في شكل بدا فيها مرتعش الأوصال، متهدّج الصوت، يتصبب عرقاً. وبعد أيام قليلة، تسرب تقرير نيريا عن عرفات، ووجد طريقه إلى صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ثم أعيد نشر محتوى اجتماع نيريا وعرفات في صحيفة «ذا أوبزرفر» البريطانية، ومن ثمّ في صحف أوروبية أخرى. وغضب عرفات بشدة من هذا التسريب، واعتبر أنّ نيريا وغد. ولعل أكثر ما أثار حنق «الختيار الفلسطيني» هو تلك العبارات الساخرة وغير اللائقة عن العرق الذي كان يتصبب على وجهه، وهو يتحدث. وقد أوردها ضابط الموساد السابق في سياق استعراضه لاضطراب عرفات وتوتره. وقرر رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أن يردّ على الإهانات الإسرائيلية بطريقة حازمة. فأدلى بتصريح صحافي قال فيه إنه «لم يعد قادراً على الانتظار أكثر مما انتظر لحل المشاكل العالقة في المفاوضات مع الإسرائيليين. وإنه سوف يكشف للرأي العام الدولي ألاعيبهم ومماطلاتهم. ولا يهمه بعد ذلك إن ألغي اتفاق غزة وأريحا أو بقي». بعد يوم واحد ردّ رابين على عرفات بفظاظة واستهزاء، فصرّح قائلاً إنه معني فقط بأمن إسرائيل، وليس معنياً بما يريده الآخرون. وإنه لا يهمه إن انتظر عرفات، أو ارتعش، أو تصبب عرقاً. بدت الإشارة الجديدة، التي أوردها رئيس الوزراء الإسرائيلي عن مسألة الاهتزاز والتصبب عرقاً مستفزة ونابية. ولم يسكت عرفات عن هذه الإهانة، فصرّح للصحافة، هو الآخر، قائلاً إنه «جبل لا يهزه ريح، وإنه ثابت في مكانه، ولا يتصبب عرقاً. وليتصبب رابين، كما يشاء، بالعرق». وهكذا أوصل بطلا «سلام الشجعان» الأمور بينهما، عبر التصريحات والردود المضادة، إلى مستوى شديد التهافت والتفاهة!
وقرر ياسر عرفات أن ينتقم لكرامته الجريحة. وقدّر أن جاك نيريا هو المسؤول عن تسريب ما دار بينهما إلى الصحف، وأنه لم يرد من كل ذلك إلا السخرية منه وإيذاءه، وإذاً فلا بد أن يدفع هذا الضابط الإسرائيلي ثمن ما اقترفه. وكانت خطة عرفات تسعى إلى استثارة حفيظة شمعون بيريز ضد نيريا. وفي أول لقاء انعقد بين مسؤول فلسطيني ووزير الخارجية الإسرائيلي، بادر ياسر عبد ربه إلى القول لبيريز: «من المؤسف أننا لم نعد ندري من الذي لديه سلطة اتخاذ القرارات في إسرائيل. كنا نظنك المسؤول الأول عن المفاوضات، ولكن مستشار رئيس الوزراء رابين يبلغنا أنك لست مسؤولاً. ونحن نرجو منك أن تحلّ لنا هذا الإشكال، لكي نعرف مع من نتعامل في المستقبل». استغرب بيريز هذا الكلام العجيب الصادر عن عبد ربه، وقال له: «من الذي أخبركم أن وزير خارجية إسرائيل ليس مسؤولاً؟!». رد ياسر عبد ربه قائلاً: «الكولونيل جاك نيريا المستشار السياسي لرابين هو الذي ذكر هذا الكلام، ولدينا تسجيل بما قاله لنا». حاول بيريز أن يتمالك أعصابه، وقال لعبد ربه: «سوف أحقق في الكلام الذي ذكرته. وستتلقون ردّاً حول هذا الموضوع». وحينما عاد بيريز إلى «إسرائيل» انفجر في وجه رئيس وزرائه قائلاً له: «ترسل إلى عرفات من يقول له إنك وحدك المسؤول عن أمن إسرائيل، وأن بيريز لا يملك أن يقرر شيئاً؟! تريد أن تقلل قيمتي أمام الفلسطينيين؟!». بدا التعجب على وجه رابين، وقال: «ما هذا الكلام؟! من أخبرك بهذا الهراء؟!». قال بيريز بحدة: «أنت بعثت مستشارك الأحمق نيريا إلى عرفات، وهو قال له إنني غير مسؤول. وهم سجلوا حديثه». استدعى رابين على الفور نيريا، فهرع إلى مكتب رئيسه على عجل. قال رابين لمستشاره: «هل أخبرت عرفات بأن بيريز ليس مسؤولاً؟!». نظر نيربا إلى بيريز بذهول، وبدت نظرات وزير الخارجية شديدة العدوانية. قال نيريا: «هذا الكلام مقتطع من سياقه. أنا قلت لعرفات إن شؤون الأمن من صلاحيات وزير الدفاع وحده. وذلك حين ذكر لي أن وزير الخارجية بيريز وعده بالتساهل في قضية أمن المعابر». احمرّ وجه رئيس الوزراء رابين بشدة، من الغضب. وصرخ في معاونه قائلاً: «جاك نيربا، أنت موقوف عن العمل في مكتبي، منذ هذه اللحظة، إلى أن يتم إجراء تحقيق معك».
بعد ذلك الطرد من مكتب إسحاق رابين، نقل جاك نيريا إلى العمل في مكتب مساعد رئيس الأركان الجنرال أمنون شاحاك. وحين أخبِر عرفات بما حصل لنيريا، ضحك الختيار ضحكته المجلجلة، ثم قال: «يتصوّرون أنهم يستطيعون أن يتلاعبوا بي... أنا ألعب بهم، وبآبائهم أيضاً».
* كاتب عربي