القاهرة | نحو أربعة أشهر مرت على بدء العملية العسكرية في سيناء، تحت مسمى «سيناء 2018». انطلقت العمليات بعد تواتر الهجمات الإرهابية في سيناء، التي كان أشدّها الهجوم على مسجد قرية الروضة قرب مدينة العريش في نهاية العام الماضي، ما أدى إلى مذبحة راح ضحيتها ما يقارب 320 قتيلاً، جلّهم من المصلّين، وهي أتت أيضاً عقب عدة عمليات شاملة أعلنها الجيش المصري، لكن كانت جميعها غير كافية لتحقيق أهدافها على مستوى المواجهة مع «ولاية سيناء».

بالرغم من التقدم اللافت الذي حققته قوات الجيش المصري ضمن فصول «سيناء 2018»، بما انعكس تراجعاً واضحاً في عمليات الجماعات التكفيرية، إلا أنّ الظروف المعيشية لما يقارب 500 ألف شخص يسكنون مدن وقرى شمال شبه الجزيرة، باتت على المحك، في ظل حصار مطبق مفروض على حركة الأشخاص والبضائع. فقد رافقت العملية طوال مدة سريانها إجراءات استثنائية نفّذتها قوات الشرطة والجيش على حد سواء، بدأت بإقفال الطرقات الرئيسة المؤدية إلى شبه جزيرة سيناء، والإبقاء فقط على طريق «نفق أحمد حمدي» المؤدي إلى الجنوب، وفرض تسجيل بيانات راغبي التنقل من الشمال وإليه لدى الجهات الرسمية في ما بات يعرف بـ«عمليات التنسيق»، مروراً بتقنين شراء المحروقات، وانتهاءً باختفاء البضائع الأساسية من الأسواق ومنع الصيادين من النزول إلى مياه البحر.
في ظل هذه الأجواء، بدأت «السوق الموازية» بالتشكّل لتكون مقصد السكان هناك. في حديث إلى «الأخبار»، تقول أمنية، وهي ربّة منزل من مدينة العريش: «في بداية العملية، كان الوضع مرعباً حقاً. فجأة فرغت الأسواق والمحال الكبيرة من كل شيء. وكون الأمر بدأ فجأةً، لم نستطع تخزين البضائع الضرورية في المنازل، ربما فقط كان لدي في منزلي بعض الأرز والسمن والزيت. بعد أسابيع من هذه الإجراءات، نزلت سيارات القوات المسلحة إلى أماكن الأسواق وعرضت علينا البضائع بأسعار السوق الطبيعية». تضيف: «بالطبع بات الوضع أفضل، لكنه لم يسد احتياجات الناس».
مع نزول الشركات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة إلى الأسواق في مدن شمال سيناء، فإنّها بدأت أيضاً بفرض إجراءات طاولت معظم الأسواق. وقد ترافق ذلك مع ندرة وصول الطحين إلى الأسواق المحلية، سواء ذلك المدعوم من الدولة والمخصص لإنتاج الخبز في الأفران المعتمدة لدى الحكومة، أو ذاك المخصص للبيع في المحال والموزع على المحال والأفران التي تنتج خبزاً غير مدعوم (من الدولة)، الأمر الذي انعكس بسرعة على فتح السوق الموازية للطحين المهرّب: بيع بأسعار زادت على 600% من السعر الحقيقي.

اتسعت السوق السوداء لتطال المنتجات البترولية إلى جانب الطحين


تواصلت «الأخبار» مع عدد من الأسر تعيش تحديداً في مدينة العريش. الصورة المشتركة بينهم تشير إلى أنّ البضائع التي يستطيعون الحصول عليها، غير تلك الشحيحة التي تأتي من مساعدات القوات المسلحة، لا تأتي إلا من «السوق الموازية». وهو الأمر الذي يتداخل مع تصريحات لمسؤولين حكوميين من وزارة الصحة بأنّ هذه البضائع غير خاضعة لمراقبتها، في الوقت الذي أُغلق فيه عدد من محال بيع اللحوم والدواجن «لوجود مخالفات وقائية وصحية فيها»، وكذلك «لمجهولية مصادر ذبحها».
من أبرز القرارات المتخذة من قبل السلطات المعنية في ظل التطورات المتلاحقة، قرارات تقنين بيع المحروقات، المترافقة مع اتخاذ الحاكم العسكري حزمة محدّدات، هي: تحديد عدد من محطات البنزين للبيع للمصالح الحكومية وسيارات النقل العام؛ بيع 20 ليتر بنزين لكل سيارة خاصة في أسبوعين؛ بيع 30 ليتراً لسيارات النقل الخاصة لكل أسبوعين، مع توضيح عقوبة التحايل على هذه الإجراءات بالمحاكمة أمام المحاكم العسكرية.
هنا، يقول محمود محمد، وهو موظف يُعيل أسرة من 5 أشخاص، إنّ «الوضع عند محطات البنزين كان كارثياً، بالذات مع بدء شهر رمضان. كنّا نبقى ليومين واقفين في صف انتظار التزود بالبنزين، ولك أن تتخيل أن سيارات الأجرة تعطّلت لأيام في هذا الصف. وفي النهاية، لا نستطيع شراء سوى 20 ليتراً، ما يكفي فقط لتتنقل داخل المدينة لثلاثة أو أربعة أيام على الأكثر. كما أنه في بعض الحالات، وبعد انتظار لساعات طويلة، نفاجأ بإقفال المحطة بدعوى نفاد مخزون البنزين والسولار لديها، علماً بأننا لا نريد هذه المواد فقط لقيادة السيارات والدراجات البخارية، بل لتشغيل مولدات الكهرباء أيضاً. وبالتالي، بدأ الناس بالشراء من السوق السوداء». جدير بالذكر أنّ مدن وبلدات شمال سيناء تعاني منذ بدء العمليات العسكرية في سيناء إبّان ثورة «25 يناير» 2011 من انقطاعات متكررة في الكهرباء والمياه وخدمات الانترنت والاتصالات، الأمر الذي أدى إلى زيادة الاعتماد على مولدات الطاقة العاملة بالسولار.
بدأت السوق السوداء في الشهور الأخيرة بالتوسع لتطال المنتجات البترولية إلى جانب الطحين. وبلغت أسعار ليتر البنزين الواحد في مدينة العريش 40 جنيهاً مصرياً (حوالى 2.3 دولار أميركي). وفي القرى الأقرب إلى الحدود مع فلسطين المحتلة حيث تزداد وتيرة القصف الجوي والمدفعي، وصلت إلى 15 جنيهاً لليتر الواحد (حوالى 0.88 دولار)، بينما السعر الرسمي هو 5 جنيهات (0.29 دولار).
انعكست أسعار السوق السوداء سريعاً على الحياة اليومية بارتفاع أسعار سيارات النقل والأجرة، وفيما كانت المواصلات سابقاً تكلف الراكب الواحد جنيهين اثنين، وصلت مع ذروة العملية العسكرية إلى 10 جنيهات.