عبرت إسرائيل عن منسوب مرتفع من «القلق والخشية» في أعقاب نشر صورة البحارة الأميركيين رافعي الأيدي وراكعين، أمام جنود البحرية الإيرانية في الخليج. واحتلت «صور الإذلال»، كما سماها الإعلام العبري يوم أمس، الصفحات الأولى للصحف، وكانت هي المادة الرئيسية في النشرات الإخبارية لقنوات التلفزة، التي أسهبت في التغطية الخبرية وفي التعليق عليها. وصحيح أن الحدث أميركي ــ إيراني، لكن تداعياته ودلالاته تفيض على الخليج ودوله باتجاه كل دول الشرق الأوسط، بما يشمل إسرائيل، الدولة العضو غير المعلن، وربما المعلن، في ائتلاف واسع من «الدول العربية المعتدلة»، التي قررت الوقوف في وجه إيران، والمحور الذي تقوده في المنطقة.
لم يصدر، حتى الآن، موقف رسمي بارز من حادثة «إذلال البحارة» الأميركيين، لكن المعلقين والخبراء في تل أبيب عبروا عن الموقف غير المعلن وعما وراءه. عناوين الصفحات الأولى للصحف العبرية توزعت بين «الإذلال»؛ و«صور إذلال الأميركيين»؛ و«الإهانة في إيران»؛ و«الودّ على الطريقة الإيرانية»... مع تحذير من الدلالات السيئة للحادثة، و«علو كعب الإيرانيين في المنطقة».

«يد طهران هي العليا في المنطقة، وستكون أشد ما بعد تنفيذ الاتفاق»

وعينة الإعلام العبري، الذي طغت كلمة الإذلال على عناوينه الرئيسية، مع إبراز صورة البحارة راكعين، الصحف العبرية، قد تكون في «يديعوت أحرونوت»، التي طغت كلمة «الإذلال» على عنوانها الرئيسي، كغيرها من الصحف العبرية أمس، أيضاً مع إبراز صورة البحارة الأميركيين راكعين. وأشارت الصحيفة إلى أنه لا شيء قادر على محو صورة الإذلال التي لحقت بالبحرية الأميركية وبصورة واشنطن في المنطقة، ««صحيح أن الحادثة بلا دلالات عسكرية، لكنها حبلى بالدلالات السياسية، التي يجب على إسرائيل أن تقف أمامها ملياً».
وما ورد على لسان الإسرائيليين أمس، وما لم يرد، يمكن إبرازه في الآتي:
أولاً: نظرت إسرائيل إلى الحادثة بدلالاتها السياسية وما تشير إليه حيال الآتي في ظل احتدام الصراع في المنطقة بين محورين: تقود الأول إيران من جهة، وتقود الثاني دول الاعتدال ومن ورائها الأميركيون. من وجهة نظر تل أبيب، تكشف الحادثة والصورة التي خرجت بها إيرانياً، عن قصد، واقع ثقة الإيرانيين بقدراتهم وثبات موقفهم، كما تكشف حقيقة ميزان المعادلة القائمة في المنطقة بينهم وبين المجتمع الدولي، وبينهم وبين الدول المحيطة بهم، وصولاً إلى إسرائيل.
ثانياً: إذا كانت إيران تعمد إلى إذلال الولايات المتحدة قبل أيام من قرار رفع العقوبات الدولية عنها، فكيف بها بعد رفعها؟ الحادثة من ناحية تل أبيب تعيد التأكيد، من جديد، على وجه الأمور في المنطقة، وتعزّز مكانة إيران وموقعها في مرحلة ما بعد تنفيذ الاتفاق النووي. وكما يرد على لسان المعلقين الإسرائيليين، «يد طهران هي العليا في المنطقة، وستكون أشد في مرحلة ما بعد تنفيذ الاتفاق».
ثالثاً: هي رسالة تتجاوز مياه الخليج ولا تقتصر تداعياتها على الأميركيين وتتجاوزهم إلى من هم أصغر منهم في المنطقة: خليجيون وغير خليجيين. رسالة إيران واضحة بدلالاتها: لا تهاون أمام التهديدات ولن تتوانى عن الاقتصاص ممن تسوّل له نفسه الاعتداء علينا. ومن هنا، فإن منسوب القلق المعبر عنه إسرائيلياً، هو تعبير أيضاً وإن بالوكالة، عن قلق دول الخليج، سواء انعكس ذلك في مواقفها وإعلامها أو لم ينعكس. قلق إسرائيل هو تعبير عن قلق كل من يقف في وجه إيران في المنطقة. وإذا تعاملت الولايات المتحدة بـ«دبلوماسية» مع حادثة «إذلال» لحقت بها هي، فكيف بها تجاه حادثة «إذلال» أخرى تجاه أصدقائها في المنطقة؟
رابعاً: بات على إسرائيل أن تسعى أكثر فأكثر نحو تنمية علاقاتها بدول «الاعتدال العربي»، وعدم الاكتفاء بـ«ائتلاف المصالح المشتركة» مع هذه الدول، وذلك باتجاه خطوات أكثر عملية وأكثر مؤازرة ومساندة بينية، وخاصة أن المظلة الأميركية لم تعد قادرة، في ظل الموقف المتراجع والقصري للولايات المتحدة في المنطقة، عن مد مظلتها الحمائية تجاه حلفائها، كما يريد هؤلاء الحلفاء. وتراجع الولايات المتحدة القصري عن مساندة «الأصدقاء»، يدفعهم أكثر إلى الإعلان عن تحالفهم بصورة أكثر انكشافاً، وبلا مواربة.
في غضون ذلك، توقف أحد المعلقين الإسرائيليين أمام تصريح وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، لافتاً إلى الشكر الذي صدر عنه على «الإذلال» الإيراني، ولفت أكثر إلى إشادة كيري بنجاح الدبلوماسية في إيجاد حل لحادثة البحارة، و«إلا لكانت استمرت (الأزمة) أسابيع». وفق «يديعوت»، «مشكلة الولايات المتحدة أنها تقود من الخلف، وتزيد الأعداء وتُضعف الأصدقاء. صورة الملاحين التي أحرجت كل أصدقاء أميركا هي نتاج السياسة الضعيفة للرئيس، باراك أوباما».