القاهرة | ليس بالحدث العادي تغيير وزير الدفاع في مصر. منصب كهذا لطالما اتسم بالثبات النسبي في كل التغييرات الوزارية في العهود السابقة، خصوصاً أن شاغله مرتبط عضوياً بالنظام الحاكم، الذي نادراً ما عمد إلى استبداله، إلا في حالات نادرة، وفي ظروف سياسية غير عادية. لكن السيسي فعلها هذه المرة، في خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول حيثياتها، والتي تبقى الإجابات عليها مقتصرة على التكهنات، في ظل العلاقة الغامضة التي لطالما اتسمت بها العلاقة بين رئيس الجمهورية ووزير الدفاع، أو حتى في العلاقات الداخلية ضمن المؤسسة العسكرية، والتي تقترب من أن تكون سراً من أسرار الدولة.

ولكن ثمة ملاحظات عدة يمكنها تفسير الأمر: برحيل وزير الدفاع المصري صدقي صبحي من منصبه، لم يتبق مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أحد من شركاء «30 يونيو» في الحكم. صدقي صبحي الذي كان آخر من تبقى في القيادات، أصبح مستشاراً شكلياً للسيسي في قصر الاتحادية بعدما أُبلغ صباح الخميس الماضي بإقصائه من منصبه، وترشيح الفريق محمد أحمد زكي، قائد الحرس الجمهوري، لمنصب وزير الدفاع خلفاً له، بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي لم ينعقد في شكل كامل، حيث جرى تمرير الموافقات الخاصة بأعضائه في اتصالات هاتفية بعد صدور القرار مباشرة من السيسي.
صحيح أن وزير الدفاع الجديد هو الذي تحفّظ على الرئيس محمد مرسي بعد انفجار الغضب الشعبي ضد حكم «الإخوان المسلمين»، ونقله إلى مقر الحرس الجمهوري ليبقى تحت الإقامة الجبرية بقرار من الجيش حتى بدء محاكمته، إلا أن محمد أحمد زكي لم يكن شريكاً في اتخاذ القرارات مع السيسي بعكس صدقي صبحي الذي كان يشغل منصب رئيس الأركان واختاره السيسي ليخلفه في منصب وزير الدفاع مع استقالته للترشح لانتخابات الرئاسة.
طوال الوقت كان الحديث عن صدقي صبحي باعتباره شريكاً في الحكم، وليس وزيراً للدفاع فحسب. حتى في المناسبات المختلفة كان السيسي يتعمد أن يوجه حديثه إلى وزير الدفاع مستنداً إلى العلاقة التي تجمعهما، ولذلك لم يتم التطرق مطلقاً لإقصائه من منصبه.
ولكن على مدار السنوات الخمس الماضية، تغيّر تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يشترط الدستور موافقته على إقالة وزير الدفاع وتعيين خليفته لمدة ثماني سنوات، وهو الشرط الشكلي الذي لم يعلن السيسي عن استيفائه حتى الآن، على رغم مرور عدة أيام على تعيين وزير الدفاع الجديد، فيما لم يعلن رسمياً عن عقد أي اجتماع للمجلس العسكري بناءً على دعوة رئيس الجمهورية لاتخاذ قرار التصديق على اختيار الفريق محمد أحمد زكي.
من جهة ثانية، فإن المجلس الأعلى سيشهد تصعيد أسماء جديدة لمنصبي قائد قوات الحرس الجمهوري، خلفاً لوزير الدفاع الجديد، وقائد القوات الجوية خلفاً للفريق يونس المصري الذي تم تعيينه وزيراً للطيران. وبهذه التغييرات تكون المؤسسة العسكرية قد أخرجت كل من شاركوا في «30 يونيو» سواء بإسناد مناصب أخرى لهم، أو بإبعادهم كلياً إلى منازلهم.
وباستبعاد الفريق أول صدقي صبحي، يثبت السيسي قدرته على التحكم في جميع مفاصل الدولة المصرية، بما في ذلك القوات المسلحة، التي أعاد تشكيلها، ليس فقط على مستوى التسليح فحسب، ولكن على مستوى القادة، مع تصعيد الضباط الشباب، بخلاف القادة الذين جلس إلى جوارهم، أو شاهدوا صعوده السريع من منصب مدير الاستخبارات الحربية إلى منصب رئيس الجمهورية خلال أربع سنوات فقط.

لم يحصل الفريق أول صبحي على ترقية استثنائية لرتبة مشير


في فلسفة الإقالة، حرص السيسي على أن يعقد اجتماعاً بين الوزيرين المقال والجديد، وتعميم الصورة عبر المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية، وذلك للتأكيد على عدم وجود حالة من الغضب بين السلف والخلف. بذلك أراد الرئيس/ الجنرال التأكيد أن عملية الإقالة طبيعية ولن تسبب أي حالة غضب في الجيش المصري، وأن عمليات التسليم والتسلم بين القيادات القديمة والجديدة تتم في شكل طبيعي، وهي صورة أوصلت هدفها مبكراً من دون أن تكون هناك أية اعتراضات تذكر، لا سيما مع لغة الحفاوة والاحترام التي تم التعامل بها مع قرار الاستبعاد في البيانات الرسمية.
الغريب أنه على رغم معرفة جميع أوساط الدولة المصرية بأن هناك قراراً سيصدر بتكريم الفريق أول صدقي صبحي، إلا أن ذلك لم يحدث إلا بعد أكثر من 12 ساعة، من دون أن يكون هناك مبرر للتأجيل. وعلى رغم أن أمراً كهذا يندرج في إطار الشكليات الا أنه قد يتسم بدلالات خاصة، حين يتعلق الأمر بوزير الدفاع.
ثمة جانب آخر لا يقل أهمية في رمزيته، وهو يتعلق بعدم حصول الفريق أول صبحي على ترقية استثنائية لرتبة مشير، وهي الرتبة التي حصل عليها السيسي من الرئيس السابق عدلي منصور قبل استقالته من الجيش، ولا يحملها في الوقت الحالي سوى السيسي والمشير حسين طنطاوي وزير الدفاع الأسبق.
وعلى هذا الأساس، فإن تكريم صبحي اقتصر على منحه منصب مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الدفاع، وهو منصب لا يخرج عن الطابع الشرفي.
نظرياً، تحدث مقربون من السيسي عن ارتباط إقالة وزير الدفاع بالرغبة في ضخ دماء جديدة والتعامل في شكل أفضل مع الأوضاع في سيناء، وأن اختيار الفريق زكي راجع إلى الثقة التي يحظى بها لدى رئيس الجمهورية، وقدرته على إدارة الأمور في شكل جيد، خصوصاً بعدما فشل صبحي في القضاء على الإرهاب خلال الفترة الماضية، على رغم التقارير الإيجابية التي يقدمها للسيسي في شكل منتظم.
المؤكد أن قرار إقالة وزير الدفاع لم يكن بتفكير من رئيس الحكومة المهندس مصطفى مدبولي، الذي لا يتجاوز في حدود عمله «سكرتير تنفيذي للتعليمات» التي تأتيه من الرئاسة، كما يقول مقربون منه، حيث جرى استبعاد وزيري الدفاع والداخلية بتعليمات مباشرة من الرئيس السيسي ومكتبه ممثلاً في اللواء عباس كامل.
أما وزير الداخلية المقال اللواء مجدي عبد الغفار، فلم يكن استبعاده مستغرباً، خصوصاً أن هناك حالة من عدم الرضا على أدائه في الفترة الاخيرة، فيما جاء اختيار خليفته اللواء محمود توفيق من قطاع الأمن الوطني ليؤكد الرغبة في إحكام السيطرة الأمنية في التعامل مع مختلف الملفات.



مساعدون بلا دور
فور إقالة حكومة المهندس شريف إسماعيل واستبعاد وزيري الدفاع والداخلية، أصدر السيسي قراراً بتعيين إسماعيل مساعداً لشؤون المشروعات القومية، وهو المنصب ذاته الذي يشغله رئيسا الحكومة السابقين المهندس إبراهيم محلب والدكتور كمال الجنزوري، فيما عين وزير الداخلية الأسبق اللواء مجدي عبد الغفار في منصب مساعد الرئيس لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب، وهو منصب وزير الداخلية الأسبق اللواء أحمد جمال الدين.
ولا يباشر عمل مساعدي الرئيس في شكل فعلي من قصر الاتحادية سوى اللواء أحمد جمال الدين والسفيرة فايزة أبو النجا التي تعمل مساعدة لشؤون الأمن القومي.