في 3 حزيران/جوان الماضي، دعا زعيم «حركة تقرير مصير منطقة القبائل ـــ الماك» فرحات مهني، من لندن، «الشباب القبائليّ» إلى تشكيل «هيكل إجهاد»، أي بعبارة أخرى إنشاء قوّة مسلّحة تعمل ضدّ أجهزة أمن الدولة الجزائريّة، ما أثار سخطاً عاماً وسلسلة ردود أفعال غاضبة. وحظيت هذه الدعوة، التي قُدمت على أنّها «مرحلة جديدة في مسار تحقيق استقلال منطقة القبائل»، بسيل من التعليقات، شملت نقداً قاسياً حتى من صفوف أنصار القضيّة البربريّة الذين اعتبروها غير مسؤولة وخطيرة. لقد انتقلت حركة «الماك» التي تأسست في 2001 على يد مهني (وهو يقيم اليوم في المنفى)، من الدعوة إلى الحكم الذاتيّ الذي يفترض اعترافاً رسميّاً بالدولة الجزائريّة وجزائريّة منطقة القبائل إلى الخيار الاستقلاليّ الذي صارت معه الحركة تعتبر الدولة والأمّة الجزائريّتين «كيانين استعماريّين». في هذه المقابلة يحلّل محند بيري، أستاذ الفلسفة والمساعد السابق خلال التسعينات لأحمد محساس (أحد مُطلقي الثورة في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1954)، مسار تطرّف «الماك» والتقاءها الاستراتيجيّ مع... إسرائيل.


كيف تحلّل السياق الذي أعلن خلاله فرحات مهني الحرب؟
لا يمكن فهم التصريح من دون إدراجه ضمن السياق السياسيّ العام، ومن الضروريّ تجاوز الوقت الراهن وإلقاء الضوء على التطوّرات الأساسيّة، السياسيّة وغيرها، التي عرفتها الجزائر منذ التسعينات. يرشدنا ذلك أولاً إلى أنّ حركة «الماك» تأسست عقب انهيار الأحزاب المهيمنة في منطقة القبائل، مثل «جبهة القوى الاشتراكيّة» و«التجمّع من أجل الثقافة والديموقراطيّة ـــ الأرسيدي»، الذي تزامن مع استعادة السلم الأهليّ وبخاصّة مع تبنيّ قانون «الوئام المدنيّ» في جويلية/ تموز 1999 الذي أقرّه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والذي سمح بإعادة إدماج الكثير من أعضاء ومساندي «الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ ـــ الفيس» في الحياة المدنيّة بعد تخليهم عن العنف المسلّح. قبل ذلك، كانت «الجبهة» (جبهة القوى الاشتراكيّة) تُصنّف في محور «المُحاورين» أو «المُصالحين»، بينما صُنّف «التجمع» في محور «الاستئصاليّين»، ولم يستطع كلاهما الاستمرار طويلاً بعد اختفاء علّة وجودهما السياسيّة.
بموازاة ذلك، عرفت منطقة القبائل تبدّلات عميقة على المستوى الديموغرافيّ، فقد صارت معدلات الخصوبة في ولايتي تيزي وزو وبجاية الأدنى في البلاد، كما يظهر عدد من الدراسات التي أشرفت على بعضها عالمة الاجتماع البارزة فاطمة أوصديق. أضعف ذلك على نحو هامٍ الكثافة السكانيّة في منطقة القبائل التي كانت حتى وقت قريب مكتظة بالسكان وأدى إلى نوع من التصحّر في بعض جهاتها. علاوة على ما سبق، تجب الإشارة إلى تغيّرات نوعيّة على مستوى وجهات الهجرة الداخليّة والدوليّة. فبفضل الانفراجة الماليّة والمشاريع الكبرى المنجزة على المستوى الوطنيّ، غادر الكثير من الشباب منطقة القبائل ليستقروا نهائيّاً في مناطق أخرى من البلاد، أو يعودوا من وقت لآخر حاملين في أحيان كثيرة نظرة للثقافة والأمّة مختلفة عن تلك السائدة إلى حدّ ما في المنطقة. أما بالنسبة للمهاجرين إلى خارج البلاد، فلم تعد فرنسا، ولا حتى أوروبا الغربيّة، وجهاتهم المفضّلة، ويعود ذلك للأزمة ولكن أيضاً للعنصريّة.
إضافة إلى تلك العوامل حصل ارتفاع في نسبة «التمدرس» (التعلّم)، بخاصّة لدى الفتيات، ودمقرطة النفاذ للقنوات الفضائيّة العربيّة، فعرفت منطقة القبائل على المستوى الثقافيّ تغيّراً يُطلق عليه مُسيّرو «الماك» و«الأرسيدي» عبارة «وهبنة العقول». وليست تلك «الوهبنة»، في أحيان كثيرة، غير ارتفاع عدد المُحجّبات والمكتبات الإسلاميّة أو حتى المساجد التي يشيّدها المواطنون بمالهم الخاصّ. تلك ظواهر اجتماعيّة عاديّة، لكنّها تصطدم مع أحكام أيديولوجيّة مسبقة لنخبة ما زالت سجينة أنماط ثقافيّة موروثة عن الاستعمار تتقابل مع توجّه غربيّ إسلاموفوبيّ ومعادٍ للعرب.
في ظلّ هذه التطورات، لم يكن أمام حركة «الماك» سوى التطرّف، معتمدة على جماعات ضغط سياسيّة وماليّة وُلدت خلال التسعينات، لتأسيس تحالف إثنيّ قبائليّ، أو على الأقلّ تقسيم العمل بينها، مثل ما يدل التعاطف الذي يحظى به مناضلو «الماك» التائهون، لكن الصادقين، في بعض الدوائر «الديموقراطيّة».
ضمن تلك الدوائر، توجد جميع الصنوف: أصحاب نزعة بربريّة وسطيّة، موظفون ورجال أعمال شديدي الثراء في بعض الأحيان، جميع هؤلاء يتشاركون كراهيّة «اللّحية» التي ليست في أحيان كثيرة سوى كراهيّة العرب والإسلام. على رغم خطورته على أكثر من مستوى، نزع الاعتراف باللغة الأمازيغيّة في دستور 2016 الشرعيّة عن «الخطاب الأمازيغويّ»، ومن ثمّ كشف ذلك التيّار سياسيّاً. هذه بعض العوامل الأساسيّة الداخليّة التي تُفسّر خطاب الحرب لدى زعيم «الماك»، ومن نافل القول إنّها غير كافية. فقد لعبت تداخلات دوليّة، وبالأخصّ من بعض قطاعات المؤسسة الفرنسيّة الحاكمة المساندة لإسرائيل والمغرب، دوراً في ظهور حركة «الماك» وتطرّفها، وأسباب ذلك معلومة.
من جهة أخرى، يجب الوضع في الحسبان أنّ الانتخابات الرئاسيّة تهمّ اليوم، على أعلى مستوى، جماعة الضغط النيو ـــ استعماريّة (الاستعمارية الجديدة) التي خسرت بعض النقاط مع تقدّم سياسة «الوئام المدنيّ». تعرف جماعة الضغط هذه أهميّة مؤسسة الرئاسة على المستويين السياسيّ والاقتصاديّ، وضمن هذا الأفق يمكن أن تمثّل «الماك» ورقة ضغط وابتزاز جيّدة.

تاريخيّاً، مثّل تأسيس حركة «الماك» خطوة جديدة في اتجاه تطرّف «النشاط الأمازيغويّ» الذي بقي إلى حدود «الربيع القبائلي» في نيسان/أفريل 1980 محصوراً في المحيط الجامعيّ ويُعبّر عن نفسه موسميّاً. كيف تُفسّر هذا التطوّر؟
على رغم أنّ «الربيع البربريّ» هو اللحظة التأسيسيّة الفعليّة للتيار «الأمازيغوي»، وهو حدث مرتبط كما هو معلوم ببداية تحطيم إرث هواري بومدين السياسيّ (بخاصّة مشروع تعريب التعليم والإدارة)، فإنّ مُسيّري «الماك» يتحدثون أولاً وقبل كلّ شيء بصفتهم قبائليّين. هم لم يساندوا الانتفاضة الأخيرة في الريف المغربيّ ولا يعترفون، على عكس ما يطالبون به دوماً، بأنّ «الأمازيغيّة لغة جميع الأمازيغ». هذه وقائع تستحق التفكير، لقد كان «الأمازيغويّون» في الجزائر دائماً قبائليّين حصراً، وذلك منذ البداية، أي منذ 1949، لذلك فإنّ التخلي عن «البربريّة» لمصلحة «القبائليّة» أمر معقول. لكن ما دلالة هذه «القبائليّة» في تعبيرات الداعين للحكم الذاتيّ والاستقلاليّين؟ إذا كان يمكن تعريف البربريّ بسهولة، فإنّه يستحيل فهم القبائليّة من دون الأخذ في الاعتبار «سياسة فرنسا القبائليّة» النشطة منذ بداية الاستعمار، والتي درسها العديد من المؤرخين الجزائريّين والغربيّين. تلك السياسة متعددة الأشكال، لا تزال بعض مناحيها مُتّبعة حتى اليوم، وتهدف إلى خلق نخبة فرنكوفونيّة، ولكن خاصّة فرنكوفيليّة وتحيل ضمنها «القبائليّة» في أحيان كثيرة على رفض العرب والإسلام، أو على الأقلّ الحطّ منهما. وبصفتهم ورثة لهذا الإرث الأيديولوجيّ والثقافيّ، لا يمكن لدعاة الحكم الذاتيّ سوى تبني رفض قاطعٍ للدولة الجزائريّة.

كوادر من الأجهزة الإسرائيليّة تدرّب شباباً، بخاصّة في اليونان وقبرص


السبب وراء ذلك بسيط: كيف يمكن الدفاع عن مشروع حكم ذاتيّ داخل الدولة وفي الوقت نفسه رفض العروبة والإسلام اللذين يمثلان الأساسين الرئيسيّين لها؟ مُنظّر مشروع الحكم الذاتيّ العجيب هذا هو سالم شاكر، وهو ألسنيّ أمازيغويّ يُدرّس في «المعهد الوطنيّ للغات والحضارات الشرقيّة» (باريس). ويعكس شاكر وعي الإرث الاستعماريّ لذلك المعهد، كما تُظهر المؤرخة الأميركيّة باتريشيا لورسين في كتابها «قبائليّون، عرب، فرنسيّون، هويّات استعماريّة» (ليموج، 2005). لقد كان مشروع الحكم الذاتيّ، منذ بدايته، مشروعاً استقلاليّاً، لكنّه مرتبط بعمق بإعادة انتشار نيو ـــ استعماريّ في الجزائر يعيق بروز دولة جزائريّة عربيّة ـــ مسلمة قويّة وتكون قاعدتها في منطقة القبائل.

يحمل خطاب «الماك» القبائلويّ رؤية تاريخيّة مُعدّلة تعتبر التعريب استعماراً، ويبثّ تصوراً خاطئاً للقيم القبائليّة بصفتها ثابتاً تاريخيّاً. هل هذا التصوير هو ما يُغوي إسرائيل لهذه الدرجة؟
 يجب أولاً التأكيد على أمر جوهريّ يكشف ما يمكن أن نطلق عليه وحدة العقيدة، فعلى غرار الصهيونيّة التي تعود إلى أصل أسطوريّ، يوجد خليط بين لغة يجب إنشاؤها وشعب يجب جمعه. النزعة البربريّة، وسليلتها القبائليّة مرتبطتان على نحو استراتيجيّ مع إسرائيل. العقيدة الصهيونيّة تدعم مشروع إسرائيل الكبرى، من النيل إلى الفرات، أما العقيدة البربريّة، فتدعم تمزغا تمتد من جزر الكناري إلى واحة سيوة في مصر، أو مغرب كبير من المتوسّط إلى نهر السنغال ويشمل النصف الغربي أو كامل المجال الجزائريّ.
في ما يخصّ الثورة الجزائريّة، فيجب القول إنّها كانت أساساً عربيّة ـــ إسلاميّة، بما في ذلك داخل منطقة القبائل، ولم يتوقّف الاستعمار عن بثّ الفتنة داخل صفوف الثوار. وقد صاغ أساليب الاستعمار في أحيان كثيرة علماء، بخاصّة إثنولوجيّين. كما أنّ العمليّة «ق» (التي ترمز إلى قبائل) أطلقتها الأجهزة السريّة الفرنسيّة في 1956، وذلك لتعزيز المقاومين القبائليّين ضدّ غير القبائليّين، داخل الثورة نفسها، قبيل عقد مؤتمر الصومام (20 آب/أوت 1956) الذي اعتبر في وثائقه أنّ القاهرة مساوية لباريس وواشنطن وموسكو، وذلك قبل ثلاثة أشهر من العدوان الثلاثيّ على «مصر عبد الناصر».
تلك سياسة تقسيم الثوريّين، ولم يقع في الحقيقة التخلي قطّ عن التطبيق المخاتل للاستراتيجيّة «البربرويّة». ففي مقال على الصفحة الأولى لجريدة «لوموند» الفرنسية في عدد 13 أيار/ماي 1953، نصح الكاتب المطلع روبرت مونتاني، بأن تكون «النزعة البربريّة سياسة بديلة في شمال أفريقيا». هي مثّلت بالنسبة إليه «نوعاً من الموازنة مقابل إسراف النزعة العروبيّة وأخطار التضامن الإسلاميّ». كان ذلك برنامج عمل. حينها، أجاب المسيّر الشيوعيّ السابق عمار أوزقان، الذي تعرض للإقصاء وينحدر من منطقة القبائل، بأنّ «البربرويّة أيديولوجيّة عنصريّة لا تخدم غير الاستعمار».

على رغم أنّ تمثيليّة حركة «الماك» محدودة، وأنّ قاعدتها الاجتماعيّة صغيرة في الجزائر، فإنّها تمثّل خطراً يُهدّد الوحدة الوطنيّة والسلامة الإقليميّة. كيف يمكن مواجهة هذا الخطاب التحريضيّ وتحييد قدرته على الإضرار؟
الجزائر اليوم أشد قوة، على المستويين العسكريّ والأمنيّ، لمواجهة مجموعات مسلّحة تخطّط إسرائيل لحشدها في منطقة القبائل باسم «الماك». يقوم كوادر من الأجهزة الإسرائيليّة بتدريب شباب قبائليّين، بينهم شابات، بخاصّة في اليونان وقبرص، على القيام بعمليّات خاصّة. لقد أدلى بهذه المعلومات النقيب شوشان، وهو مسؤول سابق عن تكوين القوات الخاصّة الجزائريّة ومعروف بقربه من القائد الأعلى للقوات المسلحة الحاليّ.
واجهت الجزائر التمرد الأصوليّ في الظروف التي نعرفها خلال التسعينات، ولن تكون هناك مخاوف كبيرة في مواجهة مجموعات «الماك». لكنّ التحدي ليس عسكريّاً أو أمنيّاً، بل أيديولوجيّ واستراتيجيّ. أيديولوجيّ لأنّه يجب علينا تعبئة مختلف الموارد الفلسفيّة والقانونيّة المتوافرة لنا في العالم الحاليّ. لماذا، على سبيل المثال، ترفض أوروبا إعطاء الاستقلال لكتالونيا أو كورسيكا أو الباسك، ومن ثمّ يجب علينا نحن قبول مساندة دولة ما، في يوم ما، لحكومة قبائليّة نصّبت نفسها؟ من يمكنه البتّ في مسألة «الأقليّات الوطنيّة»؟ لماذا لا يتقدم المجتمع المدنيّ العربيّ لفرض آرائه السياسيّة؟ فعلى رغم انتمائه إلى دول ومؤسسات سياسيّة وتقاليد ثقافيّة أو حتى طائفيّة مختلفة، يمثّل التعاون والاهتمام واجباً سياسيّاً. تتعرّض الجزائر في أحيان كثيرة إلى الاعتداء بسبب مساندتها الثابتة للشعوب المضطهدة، لا فقط العربيّة أو المسلمة.
أمّا أنّه تحدٍ إستراتيجيّ، فذلك بقدر ما بقيت الجزائر بلداً غير منحاز ولا يزال يُنظر إليه كحليف للصين وروسيا. لا يولّد هذا التصوّر فوائد فقط، بل يطرح كذلك كثيراً من السلبيات من الناحية الأميركيّة من دون أن تترافق مع تضامن صادق من الصين وبخاصّة روسيا. يمكن للجزائر التي تبلغ مساحتها حجم قارّة، مع ما تملكه من ثروات طبيعيّة وإمكانات، أن تستمر على نحو متزايد في المساهمة في الاستقرار والتنمية، وبتعاون مع جميع النوايا الحسنة مهما كان مأتاها.