الجزائر | لا تمرّ مناسبة التاسع عشر من حزيران/جوان من كل عام من دون العودة إلى الحديث عن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين (1932 ـــ 1978). تنشر الصحف مقالات و«تكشف» عن جوانب «جديدة» في مسيرته، وتلتهب مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات مختلفة الألوان والأوزان. يترحم بعضها ويمدح رجلاً قاد نخبة من الشباب الجزائريين، معظمهم دون الثلاثين لوضع أسس دولة حديثة بتوجه اشتراكي يرمي إلى العدالة الاجتماعية، بعدما أدى دوره كاملاً في حرب الاستقلال، وكان قائد أركانها منذ منتصف طريقها. فيما يطلق بعضها الآخر سيلاً من السخط والمحاسبة، ولو بعد عقود، من باب أنّه قاد البلاد بتوجه خاطئ أثبت التاريخ أنه فاشل، وزجّ بها في مغامرات خارجية هي في غنىً عنها على حساب الاهتمام بالبناء ورفاه المواطن الجزائري.

بعد ستة أشهر من الآن يكون قد مضى على وفاته 40 عاماً، لكنه لا يزال مثار جدل، ولم يحظَ بمثل هذا الاهتمام الرئيس الذي سبقه أحمد بن بلة، ولا الذي خلفه الشاذلي بن جديد، ولا اليمين زروال، ولا عبد العزيز بوتفليقة، وكلهم جاؤوا بإرادة العسكر. فمن هو بومدين المثير للجدل؟
هو طفل قروي من عائلة عادية جداً بشرق الجزائر، بدأ مسيرته تلميذاً في المدرسة القرآنية التقليدية ثم انتقل للدراسة في مدينة قسنطينة كبرى مدن شرق البلاد، وفي السابعة عشرة من عمره شدّ الرحال إلى تونس لتفادي أداء الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الفرنسي، وبعد عام انتقل إلى مصر عبر ليبيا، وجاء في مقال نشرته «الزمان» العراقية عام 2016 أنّ الكلية العسكرية في بغداد استقبلت هواري بومدين طالباً أرسله مكتب المغرب العربي في القاهرة، وقد أكمل دراسته وعاد إلى مصر، لكنها لم تحدد التواريخ بالضبط.
في مصر اشتغل بومدين بمكتب المغرب العربي، وكان في الثالثة والعشرين حين أرسله أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد ومحمد خيضر، وهم نواة الوفد الخارجي للثورة الجزائرية، على باخرة تحمل أول شحنة سلاح من مصر في آذار/مارس 1955. رست الباخرة بسلام على ساحل شرق المغرب، وكان بانتظارها عشرات من الشباب الثوري أفرغوها وقُسّم السلاح بين جيش التحرير الجزائري وجيش التحرير المغربي حيث كانت الحركة الوطنية المغربية وقتها قد تبنت هي الأخرى الكفاح المسلح وشكلت خلايا مقاتلة. انضم بومدين إلى العمل الحربي المباشر بقيادة عبد الحفيظ بوالصوف الذي أصبح في ما بعد أبرز قادة الثورة. تدرج في المسؤوليات إلى أن أصبح قائد العمليات الميدانية في غرب البلاد عام 1957. ثم عيّنه المجلس الأعلى للثورة عام 1960 قائداً عاماً لأركان الجيش بصلاحيات إعادة التنظيم والهيكلة، وتحوّل بذلك من غرب البلاد إلى تونس. وعند الاستقلال كان أقوى رجل على الإطلاق، وعيّنه الرئيس بن بلة وزيراً للدفاع إلى أن قاد حركة انقلابية في 19 حزيران/جوان 1965... وماذا حدث بالضبط في تلك الليلة؟
بينما كان الرئيس يقوم بجولته الليلية المعتادة في شوارع مدينة الجزائر، كان وزير الدفاع هواري بومدين، يدرس مع قائد المخابرات قاصدي مرباح، آخر الترتيبات التي تضمن تنفيذ الخطة من دون الانزلاق إلى مواجهات، خاصة في العاصمة. كان مرباح قد أعدّ مجموعات كوماندوس عالية التدريب ووزعها على كل النقاط التي يمكن أن تشكل مقاومة. عاد الرئيس متعباً ومهموماً من أوضاع الفقر التي يصادفها وهو يتجول في المدينة، فرمى بنفسه على سرير غرفة نومه في «فيلا جولي» المقابلة لقصر الشعب من حيث يحكم البلاد. لم تمض إلا دقائق حتى سمع الباب يطرق، سأل: «من بالباب؟»، فجاءه الجواب: «أنا الطاهر الزبيري... الثورة قررت عزلك يا سي أحمد. افتح ولا مجال للمقاومة... الفيلا محاصرة». قالها الزبيري بالعامية الجزائرية المشبعة بكلمات فرنسية، وفهم الرئيس أنّ الأمر قد قضي.
فتح الباب واقتادته مجموعة من العساكر إلى وجهة مجهولة. كانت تلك أطول ليلة في تاريخ الجزائر. كان كل شيء ممكناً. فالانقلاب لم يكن نتيجة إجماع، بل كان رداً على تصرفات من الرئيس بن بلة، لم تعجب الكثيرين لكن ليس إلى حد عزله وتنفيذ انقلاب قد يدفع البلد إلى حرب أهلية. خرجت الشاحنات العسكرية والمدرعات في مختلف مدن البلاد وسيطرت على الوضع. وبعد ساعات حرجة ظهر وزير الدفاع العقيد هواري بومدين، على شاشة التلفزيون، والقى خطاباً بثته الإذاعة «على المباشر» أيضاً ليصل إلى كل مكان. فالتلفزيون لم يكن منتشراً بما يضمن توزيع الرسالة.
أعلن بومدين عزل الرئيس ونهاية «حكم الغوغاء» ووقف العمل بالدستور وحل المؤسسات التي أُقيمت بموجبه ليعوضها «مجلس ثورة» يتكوّن من قادة الانقلاب. لكنه أكد أنّ الاتجاه الاشتراكي سيستمر، وتعهد ببناء «دولة لا تزول بزوال الرجال والأحداث»، وطلب من الجميع الهدوء.

انقلاب أم تصحيح ثوري؟
في الخطاب الأول الذي ألقاه هواري بومدين، سمى الحركة الانقلابية «التصحيحَ الثوري»، ربما لأنّ اتجاه البلاد ظلّ مستمراً على درب بناء الاشتراكية، والذي حصل هو عزل الرئيس والمؤسسات الإدارية التي كانت تخدم حكمه.
حركة الانقلاب جماعية ولم يكن ليكتب لها النجاح لو لم تستمل كل الجيش أو معظمه على الأقل. لكن من تناولوا الموضوع في شكل دراسات أو مقالات أو حتى محاضرات وندوات يركزون على دور الرئيس هواري بومدين، لأنه كان هو من عيّن كل القيادات العسكرية بحسب ما يناسبه. ويتحدث عنه الأوفياء لنهجه، وهم عموماً ممن عاشوا فترته ويعرفون جيداً مقاصده، على أنّه كان من قام بكل شيء، وأنه هو من بنى الجزائر، ويلبسونه ثوب «إله الخير»، فيما يرى آخرون، وهم عموماً من الأجيال الجديدة التي عرفت بومدين من خلال حلقات التلقين، أكانت «إسلامية» أم «عروبية» أم «بربرية»، أنّ سياسته هي التي سبّبت خراب البلاد، ويحمّلونه كل الفشل، مع أنّ وفاته مضى عليها أربعون عاماً. يقول بعض مثقفي منطقة القبائل مثلاً إنّ بومدين دفع البلد إلى الهاوية نتيجة سياسة التعريب التي انتهجها، وأيضاً نتيجة زجّها في حربي 1967 و1973 من دون دراسة ميزان الربح والخسارة. ويقول العروبيون والإسلاميون إنّ بومدين، خاصة بدايةً من عام 1971، تفاعل وتحالف مع الشيوعيين، وهو ما عطّل تحقيق عروبة الجزائر، وأضرّ بالقيم الإسلامية في المجتمع. وتعلّم الجيل الجديد في حلقات التلقين الإسلامية والعروبية والبربرية أيضاً أنّه صفّى معارضيه جسدياً، خاصة محمد خيذر الذي قُتل في إسبانيا عام 1967، وكريم بلقاسم، وهو من الستة الذين أشرفوا على عمليات تفجير الثورة ليلة الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر 1954، وقد وُجِد مقتولاً في غرفته بفندق في ألمانيا عام 1970. لكن عمليات الاغتيال السياسي كانت موجودة حتى في زمن الثورة، فقد اتُّهِم كريم بلقاسم نفسه واثنان من كبار الضباط بتصفية أحد أهم القادة وأكثرهم ابتكاراً لأساليب العمل الثوري، وهو عبان رمضان، ذات ليلة من عام 1957، حيث استدرجه رفاقه هؤلاء إلى المغرب ليلقى مصيره شنقاً بكابل كهرباء.
واستمرت أيضاً تلك العمليات بعد ذلك، حين اغتيل مسعود زقار، قائد لوبي الثورة وما بعد الثورة في الولايات المتحدة، عام 1987 بالسم في مطعم يملكه مغربي في إسبانيا. وكان زقار أهم الشخصيات العاملة على حشد الدعم الخارجي للثورة على الإطلاق. فقد دخل في أعماق الولايات المتحدة وأسس للوبي حقيقي من رجال الأعمال ونواب الكونغرس، شكّل ضغطاً على السياسة الأميركية التي ساعدت فرنسا مادياً ودبلوماسياً ضد الجزائريين، وتغيّر الموقف بالتدريج إلى أن رحّبت باستقلال الجزائر. واستمر العمل حتى بعد الاستقلال، وكان زقار هو من أنجز مهمة تحييد أميركا في موضوع تأميم النفط والغاز من الشركات الفرنسية عام 1971 ثم استمالتها لصف الجزائر على حساب فرنسا في واحدة من أنجح عمليات «الدبلوماسية الموازية».
في الأثناء، يُنتظر أن يصدر قريباً كتاب من تأليف الأستاذ عبد العزيز بوباكير بعنوان «19 جوان: انقلاب أم تصحيح ثوري؟»، ربما أزال الكثير من اللبس حول الموضوع.