«كنت أحب هذا المقهى كثيراً، وهو قبو تحت الأرض، كنا نهبط إليه بواسطة سلّم يفضي إلى فناء دائري تتوسطه بركة يحيط بها نطاق من الشجيرات الصغيرة. في هذا المقهى، كنا نحتسي شاياً لذيذاً، وفي الحقيقة أنا من الذي أطلق على هذا المقهى اسم «عبدو» لأني لم أعد أتذكر اسمه الحقيقي». في ذلك المقهى، التقى احمد عبد الجواد بطل الثلاثية الرائعة التي كتبها نجيب محفوظ برفيقه فؤاد حمزاوي. هي المقاهي إذاً، رئة المدينة وفمها الذي تستنشق منه الأدب والهواء والحرية والثرثرة. «مقهى الكوستا» البيروتي الذي أغلق أبوابه هذا الأسبوع في شارع الحمرا، أشبه بفهرس كبير لحكايات ويوميات لشعراء ورسامين كانوا يتحلقون حول فنجان ساخن من القهوة، يحرسون المدينة بالكلام والحب والذكريات، في سمفونية يصرّ الزمن على بترها في حركتها الأخيرة. إنها يوميات جمعت على سنين في المقهى ذاته تصنع بعضاً من أساطير المدينة.


الاثنين: يوم من أيام ٢٠١٤
كانت تتردد إلى «الكوستا» يومياً، لمدة ستة أشهر كاملة، تتابع دورة في اللغة الإنكليزية. تدخل الصالة بعد أن تجتاز صفاً على الجانبين من الكراسي، يقودها إلى «البلكون»، الجزء الأعلى من الكوستا أو طاولة «الملك» في الجانب الغربي للمقهى. لم تستفد كثيراً من موقع برج المراقبة الذي يكشف النازلين الى «القبو» تحت الأرض، ويطل على كل الزوايا برؤية كاملة الوضوح. كانت تحصر اهتمامها بشاحن الهاتف فقط. تجلس ساعة قبل بدء الصف الصباحي، مع فنجان اللاتيه والسماعات في الأذن. في صبيحة هذا الاثنين، تقدم منها رجل أصلع شديد السمرة، يرتدي نوعاً من الصدرية المنزوعة الأكمام، يبرطم بكلام غير مسموع. لم تعر وجوده أدنى اهتمام طوال ترددها للمقهى. لم يكن «الكوستا» مكتظاً. النادلة توجست شراً من حركته السريعة باتجاه الفتاة.

وقف قبالتها، ليسدد جملته كالسهم: «قصة الحب التي بيني وبينك، قررت أن أقطعها من طرف واحد»

كانت تعرف أنه شاعر غريب الأطوار بعض الشيء، يقال إنه أردى أمه بمسدس حربي في زمن غابر، وسمعت مرة شاعراً آخر يقول إن الرجل الأصلع توجه إلى بيته في يوم من أيام الحرب الأهلية، بعد منتصف الليل، فأجلسه على الشرفة بعدما أخفى مسدسه تحت بيجامته، وأدخل أولاده وزوجته إلى غرفة آمنة. حين سأله عن سبب الزيارة، أخبره العملاق أنه سيكتب له تنازلاً عن حبيبته. عندها، سكب له الشاعر ما تبقى من طبخة اليوم فانصرف بجفنين خفيضين. نزعت سماعات الأذن فوقف قبالتها تماماً، ليسدد جملته كالسهم: «قصة الحب التي بيني وبينك والتي عمرها ستة أشهر قررت أن أقطعها من طرف واحد». غادرت المقهى مبتسمة. في صف اللغة الإنكليزية، طلبت منهم المعلمة أن يترجموا نصاً قصيراً جاء فيه: «وأتذكر أني شهدت مرة مع دومينيك مورو مشهداً سوريالياً. إذ دخل جوزيبي أونغاريتي من الباب الصغير الواقع في مؤخرة المقهى. فرمى دومينيك بنفسه تحت الطاولة وجرني إليه. ولكن بما أن الشاعر أونغاريتي كان طاعناً بالسن ومنحنياً إلى النصف لمرض فيه، فقد رآنا تحت المائدة ونحن على أربعة قوائم، وشرع في الحديث معنا على نحو لا يشوبه التكلف على الإطلاق».

الثلاثاء: يوم من أيام ٢٠١٥
يجلسان على الطاولة ذاتها، الأولى المربعة المواجهة للباب، على الرصيف حيث يكثر الشحاذون وباعة اليانصيب، يهمس النادل بلقبهما الذي بات رواد المقهى يعرفونه عن ظهر قلب: «الناجيان». هي بالـ«باروكة» السوداء، غطاء الرأس الذي لا يحجب الرقبة، والشال الحريري المنسدل على الجانبين، ساعة casio رقمية في يسراها تبدو كتفصيل ناشز، إذ إن هيئتها المنكمشة على ذاتها والعينين المختبئتين تحت نظارة سميكة، تقتضي بأن يكون لها واحدة من تلك الساعات المدورة التي تلبس في العنق وتنسدل من سلسلة ذهبية الى منتصف الصدر. ابنها أشبه بـ«دون» اسباني، الدون رودريغو في قصة «لو سيد» لكورناي، بالشعر المصفوف الى الخلف، والشارب المقوص من الجانبين، والبدلة الناصعة البياض. يقوم الشاب ليطلب القهوة، تقوم بدورها خلفه. ينزل الى مرحاض المقهى، تقف عند باب مرحاض النساء المقابل. ترجع معه إلى الطاولة الأولى المربعة المواجهة للباب.
كانوا سبعة في مبنى الفاكهاني عام ١٩٨٢، رمقت باب الفرن من الشرفة، عدد الواقفين بالطابور كان مقبولاً. حملت رودريغو، الولد الأصغر على كتفيها ونزلت. جسم معدني يلمع في سماء بيروت الرمادية ينقضّ على المبنى الذي يُفترض أنه مقر ياسر عرفات والذي غادره هو أيضاً قبل دقائق. لفظ المبنى أحشاءه بالكامل، كعلبة بسكويت داستها سيارة. من باب الفرن، رأت دماً كثيراً، بين الجثث كانت ساعة casio تلتمع. ثبتت الزمن على شاشتها، وضعتها في يدها اليسرى، أمسكت بيد رودريغو وأقسمت بأنها لن تفارقها إلى الأبد.

الأربعاء: يوم من أيام ٢٠١٥
أكثر من جوهرة، أو مسدس، أو هاتف أو صحيفة، منظر الكتاب في يد هذا العجوز مستفز. ماذا يقرأ الرجل باللحية بالبيضاء الذي يشبه كارل ماركس عند تلك الطاولة التي تقع عند أول الجهة اليمنى قرب المدخل تماماً؟ تهامست الفتاتان. ما هو هذا الشيء الذي يجذب الرجل بكليته إليه في كل يوم دون أن يعير العالم بأسره الانتباه إليه؟ تمطت الفتاة صعوداً ونزولاً، علها تبصر العنوان أو الاسم فوق الكتاب. كاد أنفها أن يلتصق بالزجاج حين حرك العجوز جنبه قليلاً، لتظهر الأحرف بكتابة غريبة، عرفت أنها الأرمنية، إذ انها شاهدت لوحة إعلانية لمطعم شهير في العاصمة باللغة ذاتها.
مشت تامار وصونيا في الطريق المؤدية من ماردين الى حلب في ذلك اليوم من ١٩١٥، كانتا ضمن المجموعة الأخيرة في القافلة التي تضم الجمال والدواب ومجموعة من النساء اللواتي ستحظى بهن مجموعة من البكوات العثمانيين في حلب الشهباء. عند معبر كسب قرب احدى التلال الصخرية المطلة على البحر، وحين توقفت القافلة للتزود بالماء، رمت تامار بنفسها من أعلى الهضبة لتتحطم على الصخور. حفيد صونيا الذي يشرب القهوة في «الكوستا» قبالة الفتاتين، لم يعرف سوى أن المرأة المحطمة جُمعت اشلاؤها في صندوق صغير. هكذا ورد في صفحة من الكتاب الذي استعصى على القراءة: «مربع صغير حياتي، تشكلت على هيئة مربع صغير في ذلك الخريف حين كان الموت معداً لكِ بدقة بالغة، اخترت المربع لأنك كنت تحبين تواضع وحنين المقاهي الصغيرة».

الخميس: آخر يوم من عام ٢٠١٥
احتل الشيوعيون الزاوية في تلك الليلة الأخيرة من ٢٠١٥، زاوية «الكوستا» التي تفصل بين الشارع المؤدي الى الجامعة الأميركية نزولاً، وإلى مدرسة القديس يوسف صعوداً، وبدأ رجل منهم الغناء بصخب عجيب. «بحب بلدي سانتياغو في تشيلي/ وبعشق الحي القديم في أثينا/ وأحب أتذكر حواري القدس/ وأتمنى أشوف السوق في جاكرتا/ حين يصبحوا الصبح يوماتي/ يلقوا المنشورات على الحيطان/ أسمع لكونشيرتو الكمان في فيينا/ وآكل في دلهي الكاري والأناناس/ وأتمشى في الخرطوم في ليل قمري/ ويا صبية سمهرية العود/ تحكيلي ع المحجوب..». استدارت الطاولات كلها للرجل، الذي كما الأغنية، كان يتحدث عن أشياء لا يقوى الزمن على اتلافها بقوة. قال أخي الذي رآهم إنّ رجلاً يشبه بابلو نيرودا انضم اليهم بغتة.

قال أخي الذي رآهم إنّ رجلاً يشبه بابلو نيرودا انضم إليهم بغتة

انضم اليهم وأعاد غناء المقطع من أوله، من الزمن الذي ينتظر الناس فيه الأخبار في «الهورس شو» من اندونيسيا والسودان والبلدان البعيدة، في أغنية تفيض بالمراجع، كأنها فهرس كبير، يضم أناساً من بلاد وأزمان مختلفة. تغاضى النادل عن منظر قنينة النبيذ التي رفعها الرفاق في منتصف الليل، والمغني الحاضر بين رفاقه الموتى والأحياء. وبين المدن الكبيرة، كان حضوره وحده هو الذي يجمع المدن كلها بعضها ببعض، ويتحول الى جمع كبير من الناس والأماكن، كأنه يعلق على جسمه صورهم وهو يسقطها في غنائه على المارة والجالسين.

السبت:٢١ كانون الثاني ٢٠١٧
تقدم الرجل العشريني من النادلة سوسن بتهذيب جم. المقهى فارغ على غير عادته، وسوسن وحيدة تماماً منذ سنتين. انفصلت عن سامي بعدما اكتشفت أنه كان يخونها مع اقرب الصديقات إليها. كان البرد شديداً، والساعة تشير الى العاشرة والنصف. وضعت فنجان القهوة للشاب على الصينية البيضاء مع منديلين ورقيين بعدما حيته بالتحية المعتادة: welcome to costa. توجه الشاب الى الطاولة في الزاوية، ولم يبد أنه كان منشغلاً بالهاتف أو بصحيفة أو حتى بذكرى من زمن بعيد. هل أذهب لمحادثته على حين غرة؟ هكذا قالت سوسن لنفسها، وقد غاب المسؤول عن الموظفين الذي يمنعهم تماماً من الحديث مع الزبائن. «سأبدأ بمحادثة تافهة، مثل أن الطاولات كامدة اللون، والجدران رمادية بلون متسخ، ومقاعد الكراسي من قماش المولسكين المقلد، سنجعلها من المخمل الأحمر في الصيف القادم». حدقت سوسن ثانية بالزبون الجالس في الزاوية، كان يملك عينين حادتين، لا يعوزهما الغموض السحري الذي يحفز فتاة على المغامرة. حدق في المقهى يمنة ويسرة، لعله هو أيضاً يخطط لمحادثة تافهة: إنه مثلها لا يحب هذا المكان الذي يعتبره مكاناً راقياً للسياسة والأدب، ليختتم المحادثة بشكل مباغت كأن يقترح أن تذهب معه الى حانة صغيرة فيها نوع فاخر من النبيذ الأحمر، ينهيان الليل معاً ويعدها بأنها ستكون معبودته الاغريقية في آخر الليل. فتحت سوسن الحاجز القائم عند صندوق المحاسبة لتتقدم اليه، وما ان تقدمت خطوتين، حتى قام بدوره فظنت أنّه قطع نصف الطريق اليها هو الآخر. ابتسم لها وأخرج هاتفه من السترة، ليتقدم نحو الباب. انقضّ اثنان من رجال التحري عليه ما ان فتح الهاتف ورمياه أرضاً، ليظهر الحزام الناسف في الوسط تحت السترة تماماً. حين استجوبوه، قال إنّه فكر بنبيذ وسرير من المخمل الأحمر في تلك اللحظة الحاسمة، وبمعبودة اغريقية تشبه النادلة التي كان مصمماً على أن يأخذها معه الى تلك الناحية من السماء فوق «مقهى الكوستا».