انسجاماً مع التحضيرات الإدارية اللازمة لتطبيق سلسلة الرتب والرواتب، أصدر مجلس إدارة أوجيرو، في 20 أيلول 2017 قرارين، يحملان الرقمين 61 و62، حدد فيهما دوام العمل الرسمي للعاملين في أوجيرو (من الاثنين حتى الخميس ومن الثامنة صباحاً وحتى الرابعة بعد الظهر، يوم الجمعة من الثامنة صباحاً حتى الواحدة بعد الظهر ويوم السبت من الثامنة صباحاً حتى الواحدة والنصف بعد الظهر). كما طلب من جميع المدراء ورؤساء الأجهزة أن يعمموا على الموظفين وجوب الالتزام بالدوام الرسمي للعمل وعدم تسجيل أي ساعات إضافية إلا بموافقته.

أعادت إدارة أوجيرو السلف الخاصة بشهر نيسان ولم يُعرف مصير سلف الأشهر التي سبقت(مروان طحطح)

وبما أن النتيجة المباشرة لهذين القرارين كانت زيادة دوام العمل الرسمي في الهيئة بمعدل 9 ساعات ونصف الساعة أسبوعياً، أي بمعدل 38 ساعة شهرياً، فقد انخفض السقف النظري لساعات العمل الإضافية الشهرية لكل موظف من 75 ساعة إضافية شهرياً إلى 37 ساعة بالحد الأقصى. لتعويض هذا النقص، وإلى حين تحديد كيفية تطبيق السلسلة على الموظفين في أوجيرو، قررت إدارة أوجيرو إعطاء سلفة مالية شهرية لجميع العاملين بدءاً من تاريخ 1/9/2017، وتبلغ قيمتها المالية الشهرية ما يعادل قيمة المعدل الشهري للساعات الإضافية التي عملها الموظفون ما بين الأول من كانون الثاني 2017 ونهاية آب 2017.

تدبير غير قانوني
بدا هذا التدبير «شعبياً» في البداية، فهو ينهي انتظار الموظفين لتطبيق السلسلة وحصولهم على الزيادة على راتبهم، لكن شائبة كبرى واجهته هي عدم قانونيته. فهذا التدبير يخرج عن كل ما هو مألوف ومعمول به في المؤسسات والإدارات العامة والهيئات العامة المستقلة، ويخرج حتى عن الأصول والقواعد الإدارية والمالية والمحاسبية المعمول بها في المؤسسات.
كان القرار إعطاء السلف مخالفاً للنظام المالي للهيئة ولنظام المستخدمين فيها. كما كان مخالفاً لأصول إنفاق المال العام المحدد في قانون المحاسبة العمومية، إذ أنه كان يستدعي حكماً، بمقتضى المادة الخامسة من قانون إنشاء هيئة أوجيرو، الموافقة المسبقة لكل من وزيري الوصاية أي وزيرا المال والاتصالات، وهو الأمر الذي لم يحصل. الأغرب، أنه جرى من دون وجود اعتمادات مالية ملحوظة لذلك في موازنة أوجيرو المدرجة في قانوني موازنتي عامي 2017 و2018. علماً أنه حتى لو كانت الاعتمادات مؤمّنة، فإن ذلك لا يعني إمكانية تخطي الأصول المتبعة لدفع السلف، والتي تفرض وجوب أن يقوم كل موظف بتقديم طلب خطي شخصي معلل للحصول على سلفة مالية، على أن يتم ضمن الطلب تحديد مبلغها، وسبب الحاجة إليها، ومهلة تسديدها، وكيفية تسديدها، وقيمة أقساط التسديد... الأمر الذي لم يحصل أيضاً.
ما حصل أنه تم الالتفاف على كل الأصول القانونية للحصول على السلف بتدبير لا يختلف كثيراً عن الذي سبقه لناحية عدم قانونيته. فالسلف التي أعطيت للموظفين لم تدرج في الكشوفات الشهرية للرواتب تحت مسماها الفعلي، أي «سلفة شهرية» أو «سلفة على زيادة الرواتب»، بل أدرجت في كشوفات الرواتب الشهرية تحت مسمى «ساعات إضافية»، علماً أن عدد الساعات الإضافية الفعلية الشهرية التي قام بها العاملون، بمختلف فئاتهم، طيلة هذه الفترة هي أدنى بكثير من القيمة المالية للسلف (الحد الأقصى للسلف وصل إلى 75 ساعة مقابل حد أقصى قانوني للساعات الإضافية لا يتخطى 37 ساعة). وهذا بتعبير آخر يعني أنه تم احتساب ساعات إضافية وهمية (يختلف عددها بين موظف وآخر)، تقدّر مصادر في الهيئة قيمتها الإجمالية بحوالى 25 مليار ليرة لبنانية. ما يشكل مخالفة مالية جسيمة لا يفترض أن تتغاضى عنها الجهات الرقابية التي تحقق في ملف أوجيرو.

لكن متى كان يفترض أن تدفع السلف؟
بالنسبة للإدارة، يُفترض أن يصار لاحقاً (عند إقرار المبدأ الذي سيعتمد لتطبيق قانون السلسلة) إلى إجراء مقاصة مالية بين مجموع هذه السلف المالية وبين المستحقات المالية الإجمالية التي يحصل عليها الموظفون بموجب السلسلة، بمفعول رجعي ابتداء من شهر أيلول 2017، مع افتراض أن النتيجة النهائية لهذه المقاصة ستؤدي إلى وجود فروقات مالية تدفع في حينه لصالح الموظفين.

وعود لم تنفّذ
على المقلب الآخر، وبالتوازي مع تنفيذ «الحل المؤقت»، كان السعي مستمراً للتوصل إلى حلول لكيفية استفادة موظفي هيئة أوجيرو من تطبيق القانون 46/2017، فأنشئت لجان مشتركة بين أوجيرو ووزارة الاتصالات (صدر في هذه الأثناء تعميم عن رئاسة مجلس الوزراء بشأن آلية تطبيق السلسلة على موظفي الإدارات العامة والمؤسسات العامة والهيئات المستقلة بتاريخ 15/12/2017). كما أعدت دراسات بالجملة م ن قبل أجيرو، لكن وزارة المال رفضت الاقتراحات المقدمة لمخالفتها روحية القانون ولأسباب تتعلق بضخامة التعويضات التي تنتج عنها والتي تؤدي إلى فوارق كبيرة مع السلاسل التي حصل عليها الموظفون في الإدارات العامة. وكان لافتاً حينها أن وزير الاتصالات جمال الجراح ومستشاريه (لا سيما نبيل يموت)، كانوا يؤكدون لهيئة أوجيرو ولنقابة موظفيها أنهم موافقون على الطروحات المقدمة (انخفضت الزيادة المقترحة على رواتب الهيئة من نسبة 118 % في الدراسة الأولى إلى نسبة 99% في الدراسة الثانية المعدلة، ثم إلى نسبة 66% في الدراسة الثالثة).
الإدارة قدّمت سلفاً مخالفة للقانون... فكان الصدام مع الموظفين نتيجتها


على وقع الإضرابات والاعتصامات المستمرة، وعلى ضوء الوعود المتكررة من قبل وزارة الاتصالات وإدارة أوجيرو، استمرت المديريات المختصة في الهيئة، لا سيما مديرية الموارد البشرية ومديرية التدقيق الداخلي، بصرف السلف المالية الشهرية على قاعدة أنها «ساعات عمل إضافية». علماً أن العمال تلقوا وعوداً من قبل المسؤولين في الهيئة وفي الوزارة مفادها أنه لا يمكن الرجوع إلى الوراء في ما يتعلق بمستحقاتهم، وأنه لن يصار مطلقاً إلى حسم أية مبالغ منهم، إنما سيصفّر العداد، اعتباراً من شهر أيار 2018. وبناء على هذه الوعود، ولا سيما ما صدر عن المدير العام للهيئة خلال الاحتفال بعيد العمال، في باحة هيئة أوجيرو في 25/04/2018، فُضّ الإضراب الذي قام به العمال للمطالبة بحقوقهم.

تعديل الدوامات
في هذه الأثناء، وعملاً بالتعليمات والتعاميم الصادرة عن المدير العام للهيئة لجهة منع أي موظف من التواجد في عمله بعد الدوام الرسمي للعمل، إلا بموجب موافقة خطية صادرة عن المدير العام شخصياً، هبطت وتيرة العمل في الهيئة، وانخفضت الإنتاجية، وزادت نسبة الأعطال على الشبكة من دون إصلاحها. كذلك تضاعفت وتيرة التأخير في القيام بأعمال الإصلاحات للخطوط الهاتفية الثابتة، وكثرت المراجعات من قبل المشتركين والمسؤولين على حد سواء، ما اضطر كريدية إلى العودة عن قراره السابق، وإصدار تعميم جديد (05/01/2018)، يؤكد فيه ضرورة الالتزام بدوام العمل الرسمي للهيئة، إلا أنه يسمح مجدداً بفتح ساعة البصمة لغاية الساعة السادسة مساء بعد الظهر ابتداء من يوم الاثنين ولغاية يوم الجمعة من كل أسبوع. كما جاء في هذا التعميم أن المدير العام هو الذي يحدد سقف الساعات الإضافية للمديريات والأجهزة، حيث جاء في المادة الخامسة منه: «تحتسب ساعات العمل للمستخدمين التي تتعدى 37 ساعة أسبوعياً كساعات عمل إضافية حسب التكليف». غير أن هناك فئة من الموظفين المحظوظين والنافذين تم تصنيفهم في هذا التعميم بأنهم «العاملون بدوام استثنائي أو مناوبة»، أي إن ساعات عملهم الإضافية تحدد خارج نطاق تجهيزات ضبط الحضور والبصمة. فأحدث هذا التعميم بلبلة كبيرة في صفوف الموظفين في الهيئة، بسبب عدم تبلغ معظمهم من رؤوسائهم المباشرين أي تكليف بعمل إضافي عائد لهم، ما يعني حكماً عدم استحقاقهم لأية بدلات مالية شهرية عن عمل إضافي، وبالتالي انخفاض حاد لوارداتهم الشهرية.
خلال شهر نيسان 2018، قرر مجلس إدارة هيئة أوجيرو، المؤلف من رئيس الهيئة عماد كريدية وعضوية غسان ضاهر وهادي بو فرحات، إعطاء جميع موظفي الهيئة أربع درجات استثنائية مع مفعول رجعي ابتداء من شهر أيلول 2017، وذلك كتدبير يدخل في إطار تطبيق القانون رقم 46/2017. لكن مرة جديدة تبين أن القرار اتخذ من دون موافقة أي من الأجهزة الرقابية، ومن دون علم أو موافقة وزير المال مسبقاً، على ما ينص قانون أوجيرو، ودون استشارة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، ومن دون انتظار نتائج عمل اللجنة الوزارية المشكّلة لهذا الغرض، وخلافاً لقرار مجلس الوزراء رقم 29 تاريخ 15/12/2017، وخلافاً لرأي وتقرير مديرية المحاسبة العامة في وزارة المالية، ومن دون لحظ أو توفر أية اعتمادات مالية لتغطية النفقات الإضافية الناتجة عن ذلك لا في موازنة هيئة أوجيرو ولا في موازنة وزارة الاتصالات عن عامي 2017 و2018.

موظفون محظيون
في نهاية أيار الماضي، وقع المحظور، تسلم الموظفون كشوفات رواتبهم، فكانت المفاجأة السيئة التي وقعت كالصاعقة على رؤوسهم. إذ إن رئيس الهيئة أعطى أوامره بحسم جميع مبالغ السلف المالية السابقة التي تم صرفها خلال الفترة 01/09/2017 – 30/04/2018، باستثناء الموظفين التابعين لمديرية الشبكات وموظفي جهاز الأمن والسلامة (أي الحراسة) وبعض المدراء والموظفين المحظيين والنافذين الذين يعملون بدوام استثنائي ويستخدمون «جداول دوام» بدل البصم على ساعة الدوام. إضافة إلى فئة أخرى من الموظفين الذين حصلوا على ساعات إضافية شهرية بقيمة 75 ساعة شهرياً، بالرغم من أنهم كانوا يغادرون أماكن عملهم عند الساعة الرابعة وليس لديهم أي تكليف بالقيام بأعمال إضافية.

موظفو أوجيرو الضحية الوحيدة للوعود غير المنفذة والقرارات غير المدروسة


على وقع استنكار الموظفين وحالة الغليان التي أوحت بانفجار كبير يهدد الهيئة، وقيام المستخدمين المتضررين بالتهديد باللجوء إلى القضاء ورفع دعاوى جزائية ضد إدارة الهيئة، وكشف مسألة «الساعات الإضافية الوهمية»، قام كريدية بالتراجع إلى الخلف. وتردد أنه دعا إلى اجتماع طارئ في مكتبه في أوجيرو يوم السبت الواقع فيه 01/06/2018، وهو يوم عطلة أسبوعية، حضره عدد من المدراء المعنيين، حيث طلب منهم سحب الرواتب فوراً وإعادة احتسابها على أساس قاعدة جديدة تحول دون حسم السلف المعطاة مسبقاً للموظفين خلال شهر نيسان من دون معرفة مصير باقي الأشهر التي تم حسمها.
في هذه الظروف تحديداً، وبسبب حالة التشنج والإرباك التي خيمت على الهيئة، وحالة الخوف التي انتابت المسؤولين من إمكانية انكشاف تلاعبهم بالمال العام، خرج إلى العلن ما بات يُعرف بـ«قضية رواتب أوجيرو».



أسئلة برسم أوجيرو والأجهزة الرقابية
لماذا عدلت هيئة أوجيرو دوام العمل الرسمي بناء على القانون 46/2017، ولم تقم في الوقت نفسه بتعديل سلسلة الرتب والرواتب على أساس القانون نفسه، ما أدى إلى خسارة العاملين ساعاتهم الإضافية الشهرية التي كانوا يتقاضونها منذ عشرات السنين؟
لماذا طُلب من الموظفين الخروج من أماكن عملهم عند الساعة الرابعة بعد الظهر، وتم في الوقت نفسه إعطاؤهم سلفاً مالية شهرية تحت مسمى «ساعات إضافية» بمبالغ مقطوعة؟
كيف سُمح لبعض المستخدمين والمسؤولين المحظيين بتقاضي ساعات إضافية وهمية، وتم منعها عن مستخدمين آخرين، حيث بلغت قيمة التعويضات عن الأعمال الإضافية الوهمية لبعض الموظفين عشرات ملايين الليرات اللبنانية. وفي المقابل تم حسم مبالغ الساعات الإضافية المقطوعة لعدد كبير من المستخدمين غير «المدعومين» أو «المحظيين»؟
على أي أساس مالي أو إداري يمكن القيام بحسم مستحقات مالية شهرية صُرفت طيلة فترة ثمانية أشهر بدل ساعات عمل إضافية، وتم تحويلها إلى الحسابات المصرفية للمستخدمين بعد دفع قيمة الضريبة ومستحقات الضمان الاجتماعي، وكيف يمكن مالياً ومحاسبياً استرداد هذه المبالغ والضرائب التي دفعت عنها ومستحقات الضمان الاجتماعي؟
إذا كانت هذه المبالغ هي سلف مالية صرفت كدفعة على الحساب إلى حين تطبيق القانون رقم 46/2017، فلماذا لم يتم إدراجها كبند واضح في كشوفات الرواتب كـ«سلفة» بدل إدراجها تحت بند «ساعات إضافية»، خصوصاً أن أياً من المستخدمين لم يوقع على طلب سلفة، بحسب الإجراء القانوني والإداري المعتمد في دفع السلف؟
إذا كانت هذه المبالغ هي سلف يتوجب اقتطاعها من رواتب المستخدمين كما تزعم إدارة هيئة أوجيرو، فلماذا تمت إعادتها إلى رواتب الموظفين عن شهر نيسان 2018 فقط، وبناء لأي معايير، ولماذا تتم إعادتها عن شهر واحد دون تبرير حسم الأشهر السابقة؟
كيف تم إعطاء جميع موظفي الهيئة أربع درجات استثنائية مع مفعول رجعي ابتداء من شهر أيلول 2017 كتدبير يدخل ضمن تطبيق القانون رقم 46/2017 بدون علم أو موافقة أي من الأجهزة الرقابية، وبدون علم أو موافقة مسبقة لوزير المال، وخلافاً لرأي وتقرير مديرية المحاسبة العامة في وزارة المالية، وبدون لحظ أو توفر أية اعتمادات مالية لتغطية النفقات الإضافية الناتجة عن لذلك لا في موازنة هيئة أوجيرو ولا في موازنة وزارة الاتصالات عن عامي 2017 و2018؟