«وقّع لبنان غالبية الإتفاقيات الدولية المرتبطة بعدم التمييز بين النساء والرجال في لبنان إلّا أنه تحفّظ على البنود التي تمسّ بخصوصية قوانين الأحوال الشخصية». لعلّ هذه العبارة التي وردت في دراسة «المُساواة بين الجنسين في لبنان/ واقع، تحدّيات وآفاق 2000 ــــ 2018»، التي أطلقها معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدّة للسكان، في السراي الحكومي أمس، تختصر أبرز مكامن الخلل على صعيد المساواة بين الجنسين: سيطرة المحاكم الدينية وهيمنة النظام البطريركي وغياب قانون مدني موحد للأحوال الشخصية.

لم تصوّب الدراسة، بشكل مباشر، على النظام البطريركي بوصفه السبب الأساسي لانعدام المساواة، لكنّها خلصت إلى أن التمييز لصالح الرجل ما زال واضحا وبارزا في النصوص القانونية، مُشيرةً إلى ما سمّته «العنف التشريعي» الناجم عن خضوع قوانين حماية المرأة من العنف لهيمنة السلطة البطريركية، من دون أن تُغفل مسؤولية المحاكم الدينية عن زواج القاصرات الذي يُعد من أبرز الممارسات الضارّة التي تتعرّض لها الفتيات في لبنان، «وهي ممارسات مرتبطة بالقيم القائمة على النظام البطريركي الذي يعتبر أن ولاية الاب على ابنته ولاية جبرية».
الدراسة التي تُعدّ بمثابة تشخيص أولي لواقع لبنان في موضوع المساواة بين الجنسين وفق الهدف الخامس من أجندة الامم المتحدة للتنمية المُستدامة عام 2030 (المتعلّق بـ«تحقيق المُساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات»)، توصّلت إلى خلاصة واضحة، مفادها أنّ العنف ضد المرأة ليس نتاج سوء سلوك فردي او تصرّف عفوي فقط، «بل هو نتاج فعل متجذر بعمق في هيكلية العلاقة القائمة على عدم المُساواة المجتمعية بين النساء والرجال». ولفتت إلى جملة قوانين عزّزت التمييز القائم كقوانين الاحوال الشخصية، الجنسية، العقوبات، الضمان الإجتماعي، العمل، المحاكمات المدنية، وقوانين التجارة والتوريث.
تهدف الدراسة، بحسب مُعدّيها، إلى فهم المجتمع من خلال الأبحاث والدراسات والمقالات والتقارير التي تناولت النوع الإجتماعي والمُساواة بين عامي 2000 و2018، «لتحديد مدى التثاقف الوطني بالرؤية التنموية الدولية منذ ظهور الأهداف الألفية للتنمية المُستدامة عام 2000 وصولا إلى الاجندة عام 2030». وارتكزت على قراءة ستة قطاعات: التمييز ضدّ المرأة، العنف ضدّ المرأة، الزواج المُبكر والزواج القسري وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، العمل المنزلي غير المدفوع الأجر، مُشاركة المرأة في الحياة السياسية العامة، وأخيرا الحقوق الإنجابية والصحة الجنسية.
واللافت ما أشارت اليه الدراسة من أن «السلوكيات العنيفة والمؤذية ضد المرأة ما زالت راسخة في مجتمعنا اللبناني ويمكن تصنيفها ضمن إطار عدم المساواة بين الجنسين»، رغم التطور الحاصل على مستوى التزام لبنان بمواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان وإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

مؤشرات العنف في المجتمع اللبناني
وتوصّلت الدراسة حضور كل مؤشرات العنف في المجتمع اللبناني، منها العنف الجسدي الذي قد يصل الى حدّ القتل، العنف الجنسي، العنف الإقتصادي، العنف اللفظي، التحرّش في مكان العمل. إلى ولفتت الى «العنف التشريعي»، إذ أنّ تعديل القوانين لحماية المرأة من العنف لا يزال يخضع لهيمنة السلطة البطريركية.

95% من الافراد المعنّفين داخل الأسرة من النساء و80% من ضحايا العنف المنزلي هن أيضا ضحايا الاغتصاب الزوجي


وبحسب الدراسة، فإنّ 95% من الافراد المعنّفين داخل الأسرة هم من النساء مقابل 5% من الرجال، وأنّ 80% من النساء اللواتي كن ضحايا العنف المنزلي هن أيضا ضحايا الاغتصاب الزوجي. المُفارقة أن 9.7% من النساء في لبنان يبررن للزوج الحق في الضرب في حالات محددة (منها إهمال الأطفال، الخروج من المنزل دون إعلام الزوج، احراق الطعام). وتعزو الدراسة سببب قبول المرأة في المجتمع اللبناني بكل هذا العنف إلى أسباب عدة أبرزها ضعف القانون الحالي الذي يحمي المرأة من العنف «لأنه لا يطبق بشكل فعلي، الامر الذي يمنع المرأة من المطالبة بحقها بسهولة»، فضلا عن «هيمنة ثقافة النظام البطريركي في المجتمع، خاصة أنّ المعايير والمبادئ والمعارف الضمنية والظاهرية التي تهيكل وتنظّم كل مجتمع انساني هي نتاج بناءات اجتماعية ثقافية».

الزواج المُبكر ليس ظاهرة
ووفق الدراسة، فإن البيانات المتوفّرة تفيد أن «من المبكر تصنيف زواج القاصرات اليوم ضمن خانة الظواهر الاجتماعية في لبنان».
وعزت عدم جزم توصيف الزواج المُبكر إلى «حصر عقد الزواج بالمحاكم الشرعية التي تشرّع الزواج دون سن الثامنة عشرة»، لافتة إلى غياب شامل للاحصاءات حول أعداد الفتيات اللواتي يتم تزويجهن وهن قاصرات، «فالمحاكم الشرعية والمذهبية المخولة إتمام عقد الزواج غير ملزمة او مهتمة بتقديم ارقام او احصاءات دورية عن عقود الزواج التي تتممها». إضافةً إلى أنّ هناك عادة شائعة في لبنان تتمثّل بعدم التسجيل المباشر للزواج المبكر بشكل رسمي في دائرة النفوس الا بعد بلوغ الفتاة السن القانوني للزواج. وذكرت الدراسة أن 2.1% من الفتيات تزوجن قبل سن الخامسة عشرة و13.4% قبل سن الثامنة عشرة، مُشيرةً إلى أن زواج القاصرات مُرتبط بالنظام الابوي الذي يحدّ من إمكانية المرأة والفتاة في تحديد مصيرها. وهذا النظام «يتم تبنيه من قبل المرأة نفسها في إطار تربيتها لأولادها فتعيد بنفسها إنتاج النظام نفسه الذي يقمعها وتنقل الام كل ذلك لا من باب الاساءة لابنتها بل خوفا عليها من المجتمع عند مخالفة نظامه».

4% نسبة المُشاركات في الحياة السياسية
تحت خانة العمل المنزلي غير المأجور، لفتت الدراسة الى أنّ النساء اللواتي يخترن العزوف عن العمل خارج المنزل أو يخترن القيام بأعمال مأجورة بدوام جزئي بسبب التزامهن القيام بكافة الأعمال المنزلية يتعرّضن لجملة من التبعيات السلبية كالفقر والتهميش وعدم تحقيق الذات.
ورغم أن النساء يمثلن نصف عدد السكان في لبنان، «إلّا أن بيانات سوق العمل أظهرت أنّ معدل النشاط الاقتصادي بلغ فقط 23% للنساء، أي ثلاث مرات أقل من الرجال». و«وبالرغم من التغير النسبي في مكانة المرأة في الأسرة اللبنانية لجهة التعليم ومساهمتها في دخل الأسرة والانفتاح على العادات والتقاليد، إلّا أن ذلك لم يؤثر حتى الآن بصورة جلية على توزيع الادوار ضمن الاسرة، بل بقي عمل المرأة الاساسي هو ربة منزل وبقي دورها رعائيا».
وحول مشاركة المرأة في الحياة السياسية ، يبدو أيضا أنّ المفاهيم الوطنية حول المساواة في الحقوق المدنية والسياسية لا تُترجم واقعا. فمنذ عام 1952، تاريخ حصول المرأة على حق التصويت في لبنان، بقيت نسبة النساء اللواتي شغلن مقاعد برلمانية منخفضة لا بل مهمشة بحيث لا تتخطى نسبة النساء الـ3% أو 4% من إجمالي عدد النواب. وحتى هذا الوصول كان في معظم الأحيان «نتيجة لارث سياسي او إرث عائلي».
وختمت الدراسة بالاشارة إلى نقاط الضعف على مستوى الواقع، والمتمثلة بأن العمل على مستوى الدلالات الرمزية والافكار المسبقة لا يزال ضعيفا، فضلا عن أنّ تمركز الفقر في الاطراف وفي المناطق الريفية يشكل عائقا جوهريا حول المساواة بين الجنسين. إضافة الى ان انعدام الاستقرار الامني الاجتماعي يتسبب في تقديم المسائل الحياتية الاولية على الوسائل التنموية. وأهم نقاط الضعف التي خلصت اليها الدراسة هي «قلة الدراسات والابحاث المفاهيمية والحقلية في المجتمع اللبناني. وهو أمر يضعف حكما بناء استراتيجية واعية لطبيعة المجتمع وتحولاته».