أصاب الرهان القائل إن رجب طيب أردوغان «لم يكن ليدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة لا يضمن فوزه فيها». حتى وقت متأخر من فجر أمس، انتهى فرز 98.4% من صناديق الاقتراع (غير رسمي) بفوز الرئيس المرشّح بنسبة 52.51% من الأصوات من دون الحاجة إلى جولة ثانية، ودخول حزبه «العدالة والتنمية» البرلمان بحصّة 293 نائباً، بعد فوزه بـ42.42% من أصوات الناخبين. نتائج انتخابات الرابع والعشرين من حزيران طوّبت أردوغان على عرش سلطنته التركية، رئيساً بصلاحيات موسّعة تُمكّنه من الإمساك بجميع مفاصل البلاد.


وأتت مكلِلة لمسار طويل وحافل بدأ منذ «الانقلاب الفاشل» في تموز من عام 2016، استطاع خلاله كسب جولات سياسية مهمة مدعوماً بقوى أمنٍ وجيش مدجّن، وتحالفات إقليمية براغماتية. النجاح في الاستحقاق الرئاسي، بعد إقرار التعديلات الدستورية وتوسيع صلاحيات الرئاسة، يفتح الباب على مصراعيه أمام عشرة أعوام إضافية من «تركيا أردوغان»، إن أُهملت مفاعيل «القدر». ولن يكون للمعارضة التي فشلت في تحقيق خرق، عبر الانتخابات الأهم في عهد أردوغان، أملٌ بكسر احتكار «العدالة والتنمية» لأروقة القرار في أنقرة.
النقاط الأبرز في انتخابات أمس كانت نسبة المشاركة الكبيرة للناخبين، والتي وصلت إلى 87.1%، وأسفرت عن فوز أردوغان من الجولة الأولى، وخسارة حزبه «العدالة والتنمية» للأغلبية البرلمانية، رغم ضمانه أغلبية لتحالف «الشعب» (53.57%) الذي يضم أيضاً «الحركة القومية». كذلك عاد حزب «الشعوب الديموقراطي» ليدخل البرلمان، بعدما تجاوز العتبة الانتخابية، وحقق 11.54% في المئة، لكنه وباقي الأحزاب المعارضة، وخاصة تحالف «الأمة»، فشلوا في كسب الأغلبية، رغم أنه كان الرهان الأقرب للتحقق من الفوز بمنصب الرئاسة. وبدا لافتاً أن «الحركة القومية» تمكنّت من حصد مقاعد برلمانية مهمة ( 49 مقعداً)، وربما على حساب «العدالة والتنمية»، كما تمكن حزب «الخير» من كسب 45 مقعداً (10.06%: في حال انخفاض النسبة عند اكتمال الفرز عن عتبة 10%، سيكسب «العدالة والتنمية» المقاعد، وبالتالي أغلبية برلمانية)، يرى العديد من الأوساط التركية أنها كانت من حصة «الشعب الجمهوري» (وبعض من مقاعد «الحركة القومية» لكونه منشقاً عنه).
وكسب أردوغان أصوات 25,848,667 من الناخبين، فيما حلّ خلفه مرشح «الشعب الجمهوري» محرم إينجه بـ15,128,927 صوتاً، يليه مرشح «الشعوب الديموقراطي» بـ4,088,281 صوتاً، وزعيمة حزب «الخير» ميرال أكشينار بـ 3,626,548 صوتاً، وخلفهم تباعاً كلّ من مرشح حزب «السعادة» تامل كرمولا أوغلو، ومرشح حزب «الوطن» دوغو بيرنجيك. كذلك، فاز «العدالة والتنمية» بالحصة الأكبر في البرلمان، إذ نال %42.42، يليه «الشعب الجمهوري» بنسبة %22.73 ، فحزب «الشعوب الديموقراطي» بنسبة %11.54، وبعدهم «الحركة القومية (%11.16)، ثم حزب «الخير» (%10.06).
ضمن تحالف «الشعب» بين «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» الأغلبية البرلمانية


إعلان الفوز من طرف أردوغان، جاء قبل اكتمال فرز جميع الأصوات، وبدأت رسائل التهنئة تصله في الوقت نفسه من رؤساء دول، ومن مسؤولين وزعماء دينيين أتراك. واحتفى الرئيس المنتخب بنسبة المشاركة العالية للناخبين، وبفوز تحالفه «الشعب» بالأغلبية البرلمانية. وطلب من الأتراك، وخاصة القوى السياسية، تخطّي مرحلة الانتخابات والتركيز على مستقبل تركيا، مشدداً على أنه سيعمل على تعزيز الحريات والحقوق الفردية.
وبالتوازي، خرج زعيم «الحركة القومية» دولت بهتشلي، ليهنئ حليفه أردوغان، ويؤكد أن «الانتخابات التي حسمت من الجولة الأولى، خيّبت ظن من راهن على وقوع أزمة». أما المعارضة فقد أكدت أن الأرقام التي نشرتها وكالة «الأناضول» تباعاً، كانت «مضلّلة»، وتهدف إلى تعويم فوز «العدالة والتنمية» وأردوغان. وحتى وقت متأخر من ليل أمس، كانت المواقع المعارضة التي تنشر النتائج تظهر نسبة فرز أقلّ من مجمل عدد الصناديق، رغم أن النتيجة كانت تصبّ في مصلحة أردوغان، أيضاً. وخلال يوم الانتخابات الطويل، تحدثت الأوساط المعارضة عن كمّ كبير من الانتهاكات والمخالفات التي طاولت عمليات الاقتراع، وخاصة في مناطق الجنوب الشرقي، مركز الثقل لحزب «الشعوب الديموقراطي» الكردي. ونقلت وسائل الإعلام الداعمة للمعارضة صوراً تظهر إتلافاً لأوراق انتخابية صالحة، كانت تضم أصواتاً لمصلحة «الشعوب الديموقراطي» ومرشحه صلاح الدين ديمرتاش. كذلك تحدثت تقارير مختلفة عن تصويت عدد من مناصري أردوغان وحزبه عدة مرات في بعض المراكز، وحصول كثير منهم على أوراق انتخابية متعددة خلافاً للقانون. ومن غير الواضح، حتى الآن، إن كانت أحزاب المعارضة ستسعى إلى تقديم شكاوى بهذه الانتهاكات المفترضة إلى لجنة الانتخابات، أو طعون حول التصويت والفرز في بعض الولايات.
ومع دخول التعديلات الدستورية حيّز التنفيذ، وخسارة تحالف المعارضة لأغلبية البرلمان، يبدو الطريق ممهداً أمام أردوغان لاستغلال نظامه الرئاسي الجديد وفق ما يريد، داخلياً وخارجياً، إذ سيكون لهذا الفوز انعكاسات مهمة على الملفات الإقليمية التي تلعب تركيا دوراً مهماً فيها، وعلى رأسها العراق وسوريا. وشهدت المناطق السورية الخاضعة لنفوذ القوات التركية، أمس، احتفالات واسعة بفوز أردوغان، الذي أنهى التوجه المعارض التركي نحو الانفتاح على دمشق والعمل على إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، خلال وقت قصير. ومع تمتين أردوغان لأرضية حكمه، قد يشهد دور تركيا الإقليمي تغيرات مهمة، لا سيما في ضوء الخطوات الأميركية الأخيرة التي سبقت الانتخابات، والتي ترجمها البعض على أنها خطوة أولى على طريق «عودة» حاكم أنقرة إلى الخندق الأميركي، بعيداً عن تحالفاته المرحلية السابقة، وإنهاء «الجفاء» بين الحليفين «الأطلسيين».