الحكومة استقالت لكن يبدو أن الانتظار سيطول حتى يتكشّف كل ما خفي من أعمالها. في الجريدة الرسمية يُنشر مرسوم يحمل الرقم 3260، عنوانه: «تحديد الإطار العام لتنظيم إدخال خدمات نقل المعلومات والانترنت الفائقة السرعة بواسطة القطاع الخاص والأصول الواجب اتباعها للسماح للشركات المرخصة باستعمال البنى التحتية العائدة للوزارة من أجل تأمين هذه الخدمات». المرسوم موقّع بتاريخ 12 حزيران، أي بعد 20 يوماً من اعتبار الحكومة مستقيلة. هل يجوز توقيع المراسيم في فترة تصريف الأعمال؟ النفي هو الإجابة المباشرة، خاصة أن ثمة قراراً صادراً عن المجلس الدستوري في عام 2005 (رقم 1/2005) اعتبر أن توقيع رئيس الحكومة على مرسوم إصدار القانون، في فترة تصريف الأعمال، يؤدي إلى إبطاله. القوانين تبطل في حال توقيعها من السلطة التنفيذية في فترة تصريف الأعمال، فكيف بالمراسيم العادية؟ يجزم مصدر قانوني بأن الإبطال عندها يصبح أكثر إلحاحاً. لكن مهلاً. في بناءات المرسوم إشارة إلى استناده إلى «موافقة مجلس الوزراء بتاريخ 26/4/2018». تقنياً، وبحسب أكثر من مرجع دستوري، فإنه في حال إقرار المرسوم في مجلس الوزراء، قبل بدء فترة تصريف الأعمال، فإن توقيعه يكون توقيعاً إعلانياً لا إنشائياً، وبالتالي لا يكون مشمولاً بمحدودية العمل في فترة تصريف الأعمال.


ممّا يخشى مهرّبو المرسوم؟
مع ذلك، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً، هل فعلاً اتخذ القرار في تلك الجلسة؟ وإذا حصل ذلك فعلاً، فهل الجلسة الأخيرة ما قبل الانتخابات النيابية هي التوقيت المناسب لعرض موضوع بهذه الحساسية ويتعلق بمصير قطاع الاتصالات ككل؟
وحتى مع تجاوز مسألة التوقيت، هل يَعقُل أن لا يتم الإعلان عن ذلك الأمر بعد انتهاء هذه الجلسة في حينه على الرغم من أهمية الموضوع المطروح؟
للتذكير، فقد تلا الوزير بيار بو عاصي بعد تلك الجلسة البيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء، متحدثاً عن: «الموافقة على العرض الذي قدمه وزير الطاقة والمياه للاجراءات المتوجب اتخاذها لإنقاذ قطاع الكهرباء»، و«الموافقة على تكليف الجيش مؤازرة قوى الامن الداخلي في حفظ أمن مباراة كأس لبنان في كرة القدم»، والموافقة على عدد من التعيينات. فهل يمكن أن يتحدث البيان الرسمي لمجلس الوزراء عن قرار يتعلق بمباراة كرة قدم ويغفل الإشارة إلى مسألة فتح قطاع الاتصالات أمام الشركات الخاصة؟ وعليه، هل يؤشر التوقيت وطريقة الإخراج إلى أنه كان يُخشى من ردّ فعل شعبي أو إعلامي من الممكن أن ينعكس في صناديق الاقتراع، فتم التكتّم عليه الى ما بعد الانتهاء من الانتخابات النيابية، ثم انتظار ما يقارب شهرين لإصداره؟
اعتماد حسن النية في مداه الأبعد، يقود إلى احتمال أن يكون البيان الرسمي قد اقتصر على ما تضمنه جدول أعمال الجلسة، وبالتالي، فقد تجنب التطرق إلى ما طرح من خارج جدول الأعمال. لكن حتى افتراض حسن النية لا يسهم عملياً إلا في زيادة الشكوك. كيف يُعقل أن يطرح موضوع بهذا الحجم من خارج جدول الأعمال؟ وهل تعوض الإشارة، في بناءات المرسوم، إلى استشارة مجلس شورى الدولة (الرأي رقم 664/2017-2018 تاريخ 29/3/2018)، إعطاء الوزراء الفرصة المناسبة لدراسته؟ هل ثمة ما يُرغب في إخفائه ولماذا؟

وزراء «ما شافوش حاجة»
الأمر الأخطر يتمثل في أن يكون المرسوم لم يطرح في الأساس في تلك الجلسة. ما يزيد الشكوك هو تفاجؤ أربعة وزراء لدى سؤالهم عن الأمر. لا أحد منهم يملك أدنى فكرة عن ذلك المرسوم. يجزمون بأنه لم يطرح في تلك الجلسة. أحدهم يترك مجالاً للشك في أنه «هُرّب في غفلة عن الوزراء». منطقياً، تتعزز هذه الفرضية، في ظل وجود وزراء على دراية كاملة بما يحصل في قطاع الاتصالات. وزراء حزب الله، على سبيل المثال، يحيطون به جيداً، خاصة أن زميلهم رئيس لجنة الاتصالات النيابية حسن فضل الله حارب علناً محاولات وزير الاتصالات تمرير قرارات تسمح بدخول الشركات الخاصة إلى القطاع. كتلة التنمية والتحرير سبق أيضاً أن شنّت حملة على قرارات الوزير بشأن إدخال القطاع الخاص إلى الفايبر أوبتيك، وكان النائب ياسين جابر رأس الحربة فيها. وعليه، هل يمكن أن يوافق وزراء حركة أمل وحزب الله على مرسوم يسمح لشركات خاصة بوضع يدها على قطاع سيتم تفريغه بالكامل وتسليمه لعدد قليل من رجال الأعمال؟ لكن مهلاً، توقيع وزير المال علي حسن خليل على المرسوم حاضر إلى جانب توقيع رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الاتصالات. فهل هذا يعني موافقته على المرسوم؟ لدى سؤاله، أكد خليل لـ«الأخبار» أن رئيسي الجمهورية والحكومة طرحا الأمر على تلك الجلسة من خارج جدول الأعمال، من دون أن يخضع للنقاش الذي يستحقه موضوع كهذا، لأن الوزراء ببساطة لم يكونوا مطّلعين عليه. وعليه، يؤكد خليل أنه تحفظ على القرار، للأسباب السابقة، طالباً تأجيل مناقشته إلى حين اطّلاع أعضاء المجلس على مضمونه ليتمكنوا من إبداء رأيهم فيه. انتهى الأمر هنا ولم يؤجل القرار، ولا أحد يعرف كيف أُقرّ، خاصة أنه لم يخضع للنقاش ولا للتصويت... هو ببساطة أُقرّ مهرّباً!
ما يعزز فرضية «التهريب» أيضاً هو عدم اعتراض الوزير المطّلع على قطاع الاتصالات غسان حاصباني، والذي سبق (حين كان مستشاراً في شركة «بوز ألن» للاستشارات) أن أعدّ دراسة مستفيضة حول شركة «ليبان تلكوم»، ويدرك، بالتالي، أن مرسوماً كهذا سيقضي على هذه الشركة، كما سيفرغ قانون الاتصالات، ومعه القطاع بأكمله، من مواطن قوته.

«الشورى» يجيز
كثيرة هي الملاحظات في الشكل، لكنها تحيل النقاش إلى المضمون أولاً وأخيراً. فماذا يخفي المرسوم حتى يُخفى؟
عملياً، فإن المرسوم هو نسخة شبيهة إلى حدّ كبير بالقرارات الصادرة عن وزير الاتصالات في آذار الماضي، وتقضي بمنح كلّ من شركات GDS وWaves وTrisat، تراخيص لاستعمال شبكة «الفايبر أوبتيك» الخاصة بالدولة واستعمال المسالك الهاتفيّة المحليّة لتمديد ألياف بصريّة، على مساحة الوطن، وحيث لا توجد شبكة خاصة بالدولة، وتركيب أجهزة ومعدات في أملاك الوزارة والاستفادة منها في الوصول إلى مشتركيها. وقد أتت هذه القرارات كرد على إيقاف مجلس الشورى تنفيذ قرارين سابقين كان أصدرهما وزير الاتصالات (رقم 365/1 و395/1) في أيار 2017 ويرخّصان لشركتي GDS وWaves استعمال المسالك الهاتفية لتمديد ألياف بصرية وتركيب أجهزة ومعدات مقابل حصّة 20% للوزارة من فواتير المشتركين لدى GDS و40% من الفواتير لدى Waves.

علي حسن خليل: تحفظت على قرار الاتصالات لأننا لم نطّلع عليه


المفارقة أن مجلس الشورى الذي أوقف تنفيذ القرارين السابقين، عاد ووافق على القرارات اللاحقة، بالرغم من أن الفارق بينها ليس كبيراً، وهما في الحالتين يؤديان إلى سيطرة القطاع الخاص على القطاع، بشكل شبه مجاني، فيما التوقعات العلمية لقيمته السوقية تشير إلى ما مقداره 10 مليارات دولار. أما المفارقة الثانية فهي أن الأسباب الموجبة لوقف التنفيذ، تبدو كافية للقول إن المرسوم «المكتشف» هو مرسوم مخالف للأنظمة والقوانين، ﻻ سيما قانون اﻻتصاﻻت رقم 431/2002. وهنا لا بد لمجلس الشورى، الذي سبق أن لمحت مصادره لأعضاء في لجنة الاتصالات النيابية إلى حصول ضغوط سياسية عليه بعد قراره الأول (وقف تنفيذ قرارات الوزير)، أن يوضح للرأي العام، لماذا عاد ووافق على القرارات التي تلت، ثم على «المرسوم السري»، بالرغم من أن الاختلافات لا تبدو كبيرة بالمقارنة مع القرارات التي ألغيت «لأسباب جديّة ومهمّة تُلحق أضراراً بالغة» بمصلحة الدولة، إذ إن وزارة الاتصالات منحت امتيازات تتيح للشركتين استغلال مورد عام، وتضمن قراراها مخالفات دستوريّة وقانونيّة عدّة تسمح بتحويل ملكية مشروع عام إلى القطاع الخاص (الطعنان في قراري الجراح قدمتهما نقابة عمال أوجيرو والاتحاد العمالي العام ونقابة عمال الاتصالات السلكية واللاسلكية).

وداعاً للقطاع العام
الفارق بين قرارات الجراح المطعون فيها، والقرارات الجديدة، أن الأولى تمنح الشركتين حق تمديد شبكاتهما الخاصة حيثما أرادتا، فيما القرارات الجديدة تسمح للشركات بتمديد شبكات ألياف ضوئية حيث لا توجد شبكة لـ«أوجيرو»، إضافة إلى السماح لها بالاستفادة من شبكة «أوجيرو» لقاء بدل إيجار دولار واحد فقط عن كل متر فايبر، مع توحيد النسبة التي تتقاضاها الدولة من فواتير المشتركين لقاء استعمال الشبكة. وللتذكير، فإن هذه المنافسة التي وضعت فيها أوجيرو لا تحترم أدنى معايير المنافسة العادلة، لأن مجلس الوزراء نفسه سبق أن أقرّ مرسوماً يقضي بتسعير السعات الدولية، بحسب الشطور (ينخفض سعر الـE1 كلما كانت الكمية المشتراة أكبر)، ما يؤدي عملياً إلى إعطاء الشركات الكبرى الفرصة للسيطرة على القطاع، من خلال إمكانية إعطائها للمشتركين أسعاراً أرخص بكثير من أسعار الشركات الصغيرة التي لا يمكنها شراء كميات كبيرة من السعات الدولية، والأخطر إعطاؤها القدرة على سحب المشتركين من أوجيرو، المحكومة بتسعيرة رسمية لا يمكنها تجاوزها. كل ذلك، سيؤدي عملياً إلى سيطرة الشركات الكبرى، المرخص لها، على القطاع بشكل شبه كامل، خلال سنوات قليلة، فينتهي بذلك دور القطاع العام، من دون أن تتحول المنفعة للقطاع الخاص، بل للمحظيين منه فقط. أما الشركة الوطنية فستكون لزوم ما لا يلزم لأنها ستنافس على بقايا سوق سيطرت عليه الشركات الخاصة، بل وأكثر من ذلك، فإن نسبة الأربعين في المئة من أسهم «ليبان تيليكوم» التي من المفترض بيعها خلال مهلة سنتين من تاريخ إنشائها لمستثمر من القطاع الخاص، كما ينص القانون، ستكون بقيمة زهيدة، والأرجح أن ما من مستثمر سيقدم على تملّك أسهم في شركة لا تملك حصة سوقية وازنة.



بناءات ملتوية تُخلخل المرسوم
يبدو لافتاً أن المرسوم الرقم 3260 الذي يتعلق بقطاع الاتصالات، لا يوجد في بناءاته أي إشارة إلى قانون اﻻتصاﻻت الرقم 431 الصادر عام 2002. فبعيداً عن الخلاف السياسي بشأن هذا القانون، إلا أنه يبقى قانوناً ساري المفعول، والأهم أنه يتطرق إلى تحديد آليات إدخال القطاع الخاص إلى أسواق خدمات اﻻتصاﻻت في لبنان وكيفية إعطاء التراخيص ومن هو المرجع الصالح ﻹصدارها. كما يتضمن آليات إنشاء وحماية المشغّل الوطني شركة «ليبان تيليكوم». لكن مع ذلك، فقد تم تجاهله بالكامل، فاكتفي ببناء المرسوم على المرسومين اﻻشتراعيين الرقم 126 و127 الصادرين قبل 59 عاماً (1959)، وعلى القرار الرقم 144 الذي يحدد آليات استخدام اﻷملاك العامة الصادر قبل 97 عاماً (1925)، من دون أي ذكر للقانون الصادر عام 2002.
يرى مصدر مطّلع أن عدم البناء على ذلك القانون يفتح الباب أمام ضرب الشفافية اللازمة لتنظيم عمل القطاع، كما يحرر المستفيدين من المرسوم من مبدأ تكافؤ الفرص والمنافسة الشريفة على حساب المال العام وعلى حساب الدولة وعلى حساب المشترك اللبناني.
ويشير المصدر إلى تجاوز المرسوم الرقم 3260 لكل اﻷصول القانونية الواردة في الفصل الرابع من القانون 2002/431، ﻻ سيما المادة 19 والمادة 20 منه. كما أنه يتجاهل أيضاً أحكام مواد الفصل الخامس التي تحدد أصول تقديم خدمات اﻻتصاﻻت العامة وكيفية منح التراخيص بشأنها، ﻻ سيما أحكام المادة 28 والمادة 29 منه. وهو يخالف أيضاً أحكام الفصل السادس من القانون الذي يحدد كيفية استخدام اﻷملاك العامة، مفضلاً اﻻعتماد على أحكام القرار الرقم 144 الذي يعود لعام 1925. واﻷخطر من ذلك كله أن هذا المرسوم يضرب عرض الحائط بأحكام الفصل الثامن من قانون اﻻتصاﻻت الذي يحدد كيفية إنشاء شركة "اتصاﻻت لبنان".
كذلك يرى المصدر أن اﻻرتكاز على المرسومين اﻻشتراعيين الرقم 126 و127 الصادرين عام 1959 ليس ارتكازاً موفّقاً، إذ إن هذين المرسومين اﻻشتراعيين ينصان صراحة على حصرية الدولة في استثمار وبيع وإنشاء وصيانة شبكات اﻻتصاﻻت. وﻻ يحق خرق هذه الحصرية إﻻ في حالة واحدة، وبموجب مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، هي حالة عجز وزارة اﻻتصاﻻت عن تقديم الخدمات المرجوة من موضوع التراخيص. لكن هذه ليست حالة المرسوم المذكور، ﻷن وزارة اﻻتصاﻻت لديها شبكات اﻷلياف الضوئية وقد خصصت لها الاعتمادات الطائلة للاستمرار في بناء وتشغيل واستثمار هذه الشبكات (350 مليون دولار) بما يقطع الطريق أمام أي تذرع بعدم قدرتها على تقديم هذه الخدمات، ويحول دون وجود أي سبب موجب لصدور مثل هذا المرسوم، ويضمن بالتالي للدولة حق حصرية هذا القطاع.